في أحد أيّام تموز (يوليو) من عام 1949، أبحرت الباخرة إسبريا من ميناء الإسكندرية قاصدة مدينة فينسيا الإيطالية، وعلى متنها 25 أستاذاً وطالباً من كلية الآداب. كان الوفد في طريقه إلى رحلة علمية في إيطاليا وفرنسا، ضمن البرنامج التعليمي لجامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً).
قد يكون لسرد قصّة هذه الرحلة وقعٌ غريبٌ على المسامع، وخصوصاً هذه الأيّام، التي يصعب فيها على أي طالب في جامعة حكومية مصرية أن يجد إعلاناً عن رحلة علمية تتجه إلى أوروبا بتكلفة مخفضة، بهدف تعزيز الجانب النظري بجولات ميدانية عملية.
ويأتي الكشف عن وقائع هذه الرحلة من أرشيف كلية الآداب في جامعة القاهرة، في وقتٍ تقترب الكلية من الاحتفال بمئويتها (تأسست عام 1925)، إذ نشرت أخيراً قصة الرحلة العلمية إلى أوروبا في دراسة بمجلتها العلمية، من إعداد الأستاذين في الكلية عبد الرازق فوقي وجيهان عمران.

خطاب عميد كلية الآداب إلى سكرتير عام الجامعة لإعلامه بتنظيم الرحلة (أرشيف الكلية)
رحلات علمية
مع افتتاح كلية الآداب في جامعة فؤاد الأول، دأبت الكلية على تنظيم الرحلات العلمية، وجعلتها جزءاً من برنامجها التعليمي العملي؛ لتكمل به الدراسة النظرية، وسعت الكلية إلى تخصيص جزءٍ من ميزانيتها السنوية للإنفاق على الرحلات.
وتشير الدراسة الجديدة إلى أن الكلية نظمت رحلات علمية شدت الرحال إلى بلدان شتى، شملت العراق، والشام، ولبنان، وفلسطين، وشرق الأردن، والمملكة العربية السعودية، واليمن، إلى جانب تنظيم رحلات أخرى إلى بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط، شملت اليونان، وإيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا، وبلاد المغرب.
أمّا الرحلة التي نتناول وقائعها فقد وثقت في ملف بأرشيف كلية الآداب تحت عنوان "رحلة كلية الآداب إلى إيطاليا وفرنسا وإنكلترا"، وقد وثق الملف رحلتين في الفترة من 1949 إلى 1951.
الرحلة الأولى - التي نحن بصددها - اتجهت إلى إيطاليا وفرنسا في شهر تموز (يوليو) 1949، أمّا الرحلة الثانية فكانت إلى فرنسا وإنكلترا، وذلك في شهر تموز 1951، والرحلتان كانتا تحت إشراف الأستاذ الدكتور زكي محمد حسن بك، عميد الكلية.

طلب أحد خريجي الكلية الاشتراك في الرحلة والذي يعمل ناظر مدرسة بالمحلة الكبرى (أرشيف الكلية)
الترتيب للرحلة
استهدفت مبادرة كلية الآداب لتنظيم رحلة علمية إلى إيطاليا وفرنسا مروراً بسويسرا في صيف العام الجامعي 1949/1950، دراسة المدنية الإسلامية في صقلية وإيطاليا، وزيارة المدن التي تتجلى فيها حضارة العصور الوسطى، وعصر النهضة في إيطاليا، وذلك بعدما جاء فرانشيسكو سابوري إلى مصر في شتاء عام 1949، وهو أستاذ تاريخ الفن في جامعة روما، وألقى ست محاضرات تحت إشراف الكلية في قاعة الجمعية الجغرافية الملكية المصرية.
واستمرت العلاقات الأكاديمية المصرية - الإيطالية، مما استرعى اهتمام كلية الآداب نحو تنظيم رحلة علمية إلى إيطاليا، وبدأت الاستعداد للرحلة بإعلان منشور في جريدة "أخبار اليوم"، يوم 4 حزيران (يونيو) 1949، تحت عنوان "رحلة كلية الآداب"، وجاء نص الإعلان بالجريدة على النحو التالي: "نظمت كلية الآداب رحلة علمية إلى إيطاليا للأساتذة والطلاب مدتها خمسة أسابيع وقيمة الاشتراك فيها 30 جنيهاً للأستاذ و15 جنيهاً للطالب".

إعلان الرحلة في جريدة أخبار اليوم (أرشيف كلية الآداب)
واختارت إدارة الكلية المشاركين وفقاً لقواعد محددة، أهمها أن يكونوا من الطلاب المسجلين فيها، مع تفضيل الاختيار من بين طلاب مرحلة الدراسات العليا ومعاهد الكلية، وفقاً لرأي مدير الجامعة، على أن يتم كذلك اختيار عدد من طلاب مرحلة "الليسانس" تلبية لرغبة اتحاد كلية الآداب في أن يُمثل طلابها في الرحلة.
وكانت أفضلية الاختيار - بناءً على رغبة إدارة الجامعة - لمن لم يسبق له السفر في إحدى الرحلات العلمية التي تنظمها الكلية. وفي ضوء ذلك، كان عدد من تقدموا للاشتراك من طلاب الدراسات العليا بالكلية 16 طالباً، رُفض اثنان منهم، إذ سبق لأحدهم الاشتراك في رحلة الكلية إلى إسبانيا، وطالبة أخرى لم تكتمل إجراءات قيدها للدكتوراه.
وقررت إدارة الكلية أن يكون عدد المشاركين في الرحلة المختارين إجمالاً 22 عضواً، منهم ثلاثة من أعضاء هيئة التدريس، منهم عميد الكلية المشرف على الرحلة، و14 طالباً من طلاب الدراسات العليا ومعاهد الكلية، وخمسة من طلاب "الليسانس"، ويضاف إليهم أعضاء ملحقون بالرحلة على نفقاتهم الخاصة.
واللافت أن تكلفة الرحلة الإجمالية وصلت لأكثر من 2866 جنيهاً مصرياً، تكفلت جامعة فؤاد الأول بدفع إعانة بقيمة 600 جنيه، وتكفل اتحاد كلية الآداب بدفع القيمة نفسها، فيما تبرعت بمبلغ 250 جنيهاً السيدة قوت القلوب الدمرداشية (وهي ابنة الشيخ عبد الرحيم الدمرداش مؤسس الطريقة الدمرداشية). كما دبر محمد حسين هيكل باشا، رئيس مجلس الشيوخ مبلغ 300 جنيهاً من الحكومة.

كشف بأسماء المشتركين في الرحلة (أرشيف كلية الآداب)
برنامج الرحلة
في يوم سفر أعضاء الرحلة في 27 تموز، كان في وداعهم السياسي المصري البارز علي ماهر باشا، الذي أصبح رئيس الوزراء بعد أشهر معدودة، وفي فينيسيا استقبلهم الأستاذ سوبرانو، مندوب اتحاد الجامعات الإيطالية، والسنيور مونتي، عضو الشيوخ عن البندقية (فينسيا).
وتتبع الدراسة خط سير الرحلة الجامعية، حيث زار الوفد المصري اللاغون (بحيرة البندقية)، وجزيرة الليدو، كما زاروا مصانع الزجاج في تورينو، وأقام لهم مدير البلدية حفل استقبال بدارها. ثم زاروا بلدة شنشينجي بمنطقة الدولوميت، على ارتفاع ألف متر فوق سطح البحر.
وتوجه الزائرون أيضاً إلى بلدة كورتينا دامبيدزو على ارتفاع 2300 متر، ومنها زاروا مدينة فرارا، وأقاموا في المدينة الجامعية فيها، كما قضوا جولة في معالم مدينة رافنا، وتجولوا أيضاً في معالم فلورنسا لمدة 4 أيام.
وشملت الزيارة كذلك معالم بيروجا، وبعد استراحة المساء استمعوا إلى الدكتور زكي محمد حسن محاضراً في جامعتها. ثم زاروا أسيزي، وبيزا، وسيينا، وسافروا إلى نابولي مروراً بروما التي أمضوا فيها ليلة واحدة. وفي نابولي أقاموا 4 أيام وزاروا بومباي، وجزيرة كابري، وبركان فيزوف؛ حيث وصلوا إلى قمته.
بعد هذه الجولات الثرية، انتقل الوفد إلى روما وأقام في مدينتها الجامعية 7 أيام، وزاروا معالمها، وبذلك انقضت رحلة إيطاليا في نحو ثلاثة أسابيع، وتبقى من عمر الرحلة أسبوعاً آخر قضاه الوفد الجامعي في باريس؛ إذ استقل أعضاء الرحلة القطار من روما باتجاه العاصمة الفرنسية.
في باريس، زار أعضاء الوفد الجامعي المعالم التاريخية والمتاحف التي تتفرد بها عاصمة النور، وتجولوا في الحي اللاتيني، وزاروا جامعة السوربون، والبانثيون، والتريانون، ثم صعدوا إلى برج إيفل أحد عجائب الدنيا، ووقفوا بالأنفاليد، وأمام قصر فونتينبلو؛ حيث روائع الزخرفة والتصوير، وتأملوا كاتدرائية نوتردام المعروفة بطرازها المعماري المميز.
بعد انتهاء الأسبوع الأخير في باريس، استقل أعضاء الرحلة القطار مجدداً نحو مدينة جنوى الإيطالية، ومنها أبحروا على متن الباخرة إسبريا قاصدين الإسكندرية، بعد رحلة علمية دامت في إيطاليا وفرنسا نحو 40 يوماً.
نبض