في ورشة فسيحة يجلس علي عيسى متأملاً في هدوء فتياناً وفتيات من أبناء واحة سيوة، منهمكين في النحت على صخور الملح. خلية النحل هذه التي تعمل بلا كلل، خلفها مصادفة غريبة، وحكاية عمرها نحو ربع قرن من الإبداع وتطوير هذا الفن المستحدث.
ابتكر عيسى فن النحت على صخور الملح في مطلع الألفية، وطوّره على مر الأيّام، وصولاً إلى هذه اللحظة التي ذاع صيته فيها، وصار علماً في الواحة، يقصده السياح ليبتاعوا منه تحفاً فنية، بعضها صُنع من الحجر الملحي، والبعض الآخر مزيج بين هذا الحجر الفريد وأخشاب أشجار الزيتون.
يقول عيسى لـ"النهار العربي" إن حكايته بدأت مع النحت على الحجر الملحي من باب المصادفة، إذ بدأ حياته نجاراً متخصصاً في صناعة الأثاث، ثم حدث تحول مفاجئ قاده إلى ابتكار النحت على صخور الملح.
وتزخر واحة سيوة بالملح الصخري، الذي تكوّن فيها منذ ملايين السنين، حيث تقع في منخفض صحراوي على بعد نحو 740 كيلومتراً غرب القاهرة، وغطى البحر القديم الواحة قبل ملايين السنين، وعندما تبخر البحر، خلّف وراءه رواسب ملحية سميكة؛ فضلاً عن بعض البحيرات المالحة الصغيرة.
وحجر الملح الصخري في سيوة صافٍ ونقي، يشبه الزجاج عندما تعرضه لأشعة الشمس، ويُستخرج عادة من مناجم تحت الأرض، ثم ينقل إلى السطح، ويُعالج ويُنظف قبل تعبئته وبيعه.

تزخر سيوة ببحيرات مالحة يتكون الملح على حوافها
مصادفة
في أحد أيّام عام 1998، كان عيسى يمارس عمله الاعتيادي في مهنة النجارة بإحدى قرى واحة سيوة، وقرر مجموعة العمال الذين برفقته طهي الطعام، لكنهم احتاجوا إلى ملح طعام، حينها ذهبوا بالدراجة النارية إلى مركز البلدة، لكن ذهن عيسى تفتق عن فكرة عملية وبسيطة.
قرر الذهاب إلى منطقة قريبة من موقع العمل؛ يوجد بها منخفض تتجمع فيه مياه مالحة، وعلى حوافه تترسب كتل الملح، جلب قطعة من الحجر الملحي، وسرعان ما لاحظ نقاء وجاذبية هذا الحجر عندما عرّضه لضوء الشمس، ومن هنا بدأت حكايته مع النحت على الحجر الملحي.
يقول علي عيسى: "كانت قطعة الحجر الملحي التي التقطتها بالمصادفة نقية للغاية، أخذت أتأمل فيها كثيراً، وشعرت أنه يمكن صنع منها أي شيء فني، وعند هذه اللحظة قررت تطوير بعض الأفكار".
ويتابع: "بعد عامين أو ثلاثة صنعت بالفعل بعض المنحوتات من الحجر الملحي، على هيئة مصباح صغير يضاء بالكهرباء أو الشموع. وكنت، في ذلك الوقت، أقدمها هدايا للأصدقاء، ولم يكن الهدف تجارياً في البداية".

في بداية رحلته، صنع عيسى منحوتات الحجر الملحي على سبيل التجربة
إلهام الطبيعة
بعد هذه السنوات الطويلة ذاعت شهرة منتجات الحجر الملحي، وامتلأت البازارات السياحية في سيوة بأشكال وأنماط مختلفة، برع أبناء الواحة في تطويرها، بعدما بدأ علي عيسى هذه الحرفة قبل نحو ربع قرن، إذ درّب عشرات الشباب على النحت على الحجر الملحي، فصار هذا المنتج أحد أهم المنتجات الفنية التي تتميز بها سيوة.
ويستلهم عيسى وبقية الصناع أفكار النحت على الملح من الطبيعة، مثل أوراق وجذوع الشجر، والزهور، والأناناس، وغيرها الكثير من الأشكال. ويشير إلى أن هذه المنتجات تستخدم عادة في الديكورات، لا سيّما في الفنادق البيئية التي تفضل استخدام إضاءات طبيعية.

تستخدم منحوتات على عيسى كمصابيح طبيعية
مزج الفنان السيوي النحت على حجر الملح الصخري بخشب النخل، وخشب أشجار الزيتون، فعلى سبيل المثال، تجده يصنع مصباحاً خشبياً مطعّماً بحجر الملح، وهكذا كان استحداث العديد من المنتجات بمثابة "باب رزق" فتح لأبناء الواحة، على ما يقول الرجل.
وتراوح أسعار منحوتات الحجر الملحي بين 60 جنيهاً (نحو دولارين بحسب سعر الصرف الرسمي) ويصل إلى 300 جنيه (10 دولارات)، وتتباين الأسعار وفقاً لحجم الحجر، وطبيعة النحت، والمواد المطعم بها، مثل الأخشاب.
في ختام حديثه، يؤكد عيسى على أهمية دعم السياحة، والاحتفاظ بهوية الواحة المرتبطة بالحرف اليدوية، وهنا لا يخفي الرجل استياءه من تغيّر هوية الواحة المعمارية، وهجران أغلبية الأهالي البناء بالكارشيف (مادة تقليدية من الطين والملح)، ولجوئهم إلى البنايات الإسمنتية الحديثة، ويدعو إلى تطوير مجال الفندقة في الواحة، الذي لا يزال بحاجة إلى المزيد من التطوير.
نبض