ملفات متشابكة ومشهد بالغ التعقيد... ماذا يتوقع من جولة بلينكن؟
بدأ وزير خارجية الولايات المتحدة أنطوني بلينكن جولة شرق أوسطية جديدة، هي الخامسة منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة "حماس" في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. ويعمل بلينكن على مجموعة من الملفات المتنوعة والمتشابكة في الوقت ذاته، خلال جولته التي تشمل السعودية ومصر وقطر وإسرائيل والضفة الغربية، وتستمر حتى 8 شباط (فبراير) الجاري.
وبحسب ما أشار إليه بيان بثته وزارة الخارجية الأميركية في موقعها الرسمي، فإنّ الجولة التي استهلها الوزير الأميركي بزيارة السعودية، أمس الاثنين، ثم توجه صباح اليوم إلى مصر للقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تتضمن العمل على التوصل الى اتفاق يضمن إطلاق سراح جميع الأسرى المتبقين لدى "حماس"، وهدنة إنسانية تسمح بتقديم مساعدات إنسانية مستدامة ومتزايدة للمدنيين في غزة.
وتشتمل الجولة أيضاً العمل على منع توسع الصراع، مع تأكيد أنّ واشنطن ستتخذ الخطوات المناسبة للدفاع عن موظفيها، وحق حرية الملاحة في البحر الأحمر، كما سيواصل بلينكن المناقشات مع الشركاء حول كيفية إنشاء منطقة أكثر تكاملاً وسلمية تشمل أمناً دائماً للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء.
ويشير محلّلون إلى أنّ الملفات المعلنة تبدو متشابكة، كما يبدو بعضها سابقا لأوانه، إذ كيف يمكن مناقشة ترتيبات تتعلّق بما بعد الحرب، مثل إنشاء منطقة أكثر تكاملاً وسلميّة، والتطبيع بين إسرائيل ودول عربية، ولم يتضح بعد متى ستنتهي تلك الحرب، وإلى أي حال ستنقضي المواجهات بين إسرائيل و"حماس".
هذا فضلاً عن أنّ ثمّة مؤشرات وتحذيرات من إمكان توسّع الصراع في المنطقة، بدلاً من إنهائه، خصوصاً في ضوء العمليات العسكرية التي تشنها قوات أميركية وبريطانية ضد أذرع إيران في المنطقة، سواء للرد على مقتل جنود أميركيين في الأردن، أم ضد الحوثيين في اليمن الذي يهاجمون السفن ويهددون أمن الملاحة في البحر الأحمر.
تخبط غربي
ويرى السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أنّ "العالم الغربي يبدو في حالة تخبّط واضحة جداً. في السابق كانوا يستطيعون مداراة هذا التخبّط، لكن الآن يبدو تخبّطهم واضحاً للغاية".
الدبلوماسي المصري الذي كان مهندساً للشراكة بين القاهرة والاتحاد الأوروبي، يقول لـ"النهار العربي" إنّه "لا شك في أنّ للغرب مصلحة إستراتيجية في زرع إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط. ودعم واشنطن لإسرائيل هو أمر بالغ الأهمية بالنسبة الى صانعي القرار هناك، وهذا يتجلّى في كونه وسط أزمة الديون التي تبلغ مرتين ونصف ضعف الناتج القومي الأميركي، وفي وقت كادت تعلن فيه أميركا إفلاسها، فإنّها قدّمت 14 مليار دولار لدعم إسرائيل، وفي الوقت الراهن، يدرس الكونغرس تقديم قرابة 17 مليارا أخرى".
ويشير السفير بيومي إلى جانب آخر، وهو سوق السلاح، ويقول: "بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، سمعت دبلوماسيين أميركيين يقولون، ابحثوا عن عدو. صناعة السلاح تحتاج إلى عدو. وقد قال الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور: احذروا من تأثير صناعة السلاح على القرار".
ويضيف: "هناك رقمان لفتا نظري، وهما أنّ مشتريات السلاح في منطقة الشرق الأوسط بلغت نحو 40 مليار دولار خلال الثلاثة أشهر الأخيرة. كما أن الاتحاد الأوروبي قرّر، منذ قرابة يومين، زيادة صناعة السلاح بقيمة مئة مليار دولار إضافية".

عقلاء اليهود
ينظر الدبلوماسي المصري الذي ترأس إدارة إسرائيل في وزارة الخارجية المصرية إلى هذه المعلومات كمعطيات يمكنها أن تفكّك بعض جوانب المشهد البالغ التعقيد في الشرق الأوسط، ويضيف: "الشيء الجيد، هو أنّ الرأي العام العالمي، الى جانب عقلاء اليهود، يرون أنّ إسرائيل لا يمكن أن يكون لها مستقبل إذا ظلت على حالتها الراهنة".
ويقول: "كيف يمكن للدولة التي تحتل الأراضي الفلسطينية أن يكون لها مستقبل، وهي لن تستطيع أن تهجّر قرابة 6 ملايين فلسطيني، مع ملاحظة أن هذا العدد من المتوقع أن يزيد إلى 10 ملايين نسمة في غضون 15 عاماً. وعلى الجانب الآخر، لا يوجد يهود يكفون لاحتلال كل تلك الأراضي، وقد وصفت صحيفة "الإيكونوميست" الديار التي تبنى في المستوطنات بأنها "بيوت أشباح"، لا أحد يسكنها، ولكنها أنشئت كي تضع إسرائيل يديها على الأرض وتسيطر عليها. هذا إلى جانب ظاهرة الهجرة العكسية".
ويقول السفير بيومي: "بدأ عقلاء اليهود -وأنا رأيت الكثيرين من العقلاء مثل شيمون بيريز وإسحاق رابين الذي اغتاله المتطرفون اليهود لأنه يريد السلام- يتساءلون: ما هو مستقبل دولة لديها عداء مع الدول المحيطة بها، ولا يستطيع اليهود أن يسيطروا على أراضيها المحتلة كافة، ولا يمكنهم طرد الفلسطينيين؟ أي مستقبل لدولة على هذا النحو؟".
ويخلص الدبلوماسي المصري أنّه "وسط كل هذا نرى وزير الخارجية الأميركي يجري جولة في المنطقة، وكذلك وزير خارجية فرنسا ستيفان سيجورني يزورها أيضاً، وكل هذا في رأيي هو محاولة لتجميل صورة الغرب في إطار الحفاظ على الأمن القومي لتلك البلدان... إنّ بلينكن، في رأيي، يسعى لتحقيق أفضل ما يمكنه تحقيقه لمصلحة بلده، ولمصلحة إسرائيل، مع تقدّم بعض الفتات للعرب".
ما بعد الحرب
يقول الدكتور سعيد عكاشة، الخبير بالشؤون الإسرائيلية في "مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية"، إنّ "ثمة أهدافا عدة يسعى بلينكن لتحقيقها من زيارته للشرق الأوسط، لكن القفز إلى تحقيق أهداف ما بعد الحرب، من دون أن تعلم على أي شيء سوف تنتهي الحرب، فهذه مغامرة كبيرة".

ويضيف في حديث خاص الى "النهار العربي": "لا تزال إسرائيل، وفق كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عازمة على جعل حماس تنهار تماما، وأنهم (أي الإسرائيليون) قاموا بتحييد 17 مجموعة من أصل 24 مجموعة تابعة لحماس".
ويرى عكاشة أنّ "المنطق يقول، إنك لا تستطيع رسم سيناريوهات ما بعد الحرب، قبل أن يتضح ما يؤول إليه المشهد عند نهايتها. هناك العديد من الأسئلة التي لن نستطيع الإجابة عنها إلا عند انتهاء الحرب تماما، مثل: هل حقا ستنهار حماس؟ هل ستسيطر إسرائيل على قطاع غزة كاملا؟".
ويشير إلى أنّه "إذا استمرت إسرائيل في القطاع، وسيطرت عليه تماماً، ستكون لها اليد الطولى في فرض شروط ما بعد الحرب، وتالياً، فإنّ وزير الخارجية الأميركي ليس لديه الحرية الكاملة لوضع سيناريوهات ما بعد الحرب إلا بعد أن يتضح المشهد بانتهائها".
العناوين الرئيسية، حسبما يقول عكاشة "تشير إلى إقامة دولة فلسطينية، مع الأخذ في الاعتبار أنّ هذه الدولة لم تحدد ملامحها، وما هي حدودها، من يحكمها، والمدى الزمني الذي ستقام فيه"، لافتاً إلى أنّ "هناك توافقا بين الولايات المتحدة والقوى الإقليمية على أن تكون هناك دولة فلسطينية، لكن التعقيدات التي يفرضها الواقع تجعل إقامة هذه الدولة تحتاج إلى ما لا يقل عن 3 إلى 4 سنوات من الآن".

ويعتبر أنّ "الاعتراف بوجود دولة فلسطينية، حتى من دون إعلان حدودها، هو نقطة مهمة جدّاً. لو تحوّل مقعد فلسطين في الأمم المتحدة من مراقب إلى دولة، سيكون وجود القوات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية غير قانوني، ويعد احتلال دولة لدولة أخرى"، ويشير إلى أنه "في ستينات القرن الماضي، كانت هناك لجنة لتصفية الاستعمار، ومن ثم يمكن أن ينتقل ملف الدولة الفلسطينية إلى لجنة مماثلة، ما يساهم في تسريع المفاوضات بصورة مرضية إلى حد ما للفلسطينيين".
لا يتوقع عكاشة أن ينجح وزير الخارجية الأميركي في الكثير من الملفات التي جاء إلى المنطقة من أجل إنجازها، ويقول: "ربما لا يستطيع بلينكن إنجاز عدد من الأهداف الصعبة، مثل تحرير الأسرى، أو التطبيع بين السعودية وإسرائيل، ولكن ربما تكون هناك قضايا تفرض نفسها بصورة ملحّة، مثل حرية الملاحة في البحر الأحمر، فهذه قضية تهم دولا عدة وليس الولايات المتحدة فحسب، كذلك ربما تكون ثمة نقاشات بشأن الضربات الأميركية لأذرع إيران في المنطقة".
واشنطن القاهرة الدوحة
من جانبه، يقول الكاتب والصحافي المصري محمد ماهر المقيم في الولايات المتحدة لـ"النهار العربي" إنّ "المسؤولين الأميركيين يشيرون إلى الجهود التي تبذلها كل من مصر وقطر بالتعاون معهم، لإقناع حماس بالإفراج عن باقي الأسرى مقابل هدنة أو هدنات إنسانية تتضمّن تدفّقا مستمرا للمساعدات الإنسانية الى قطاع غزة".

وأشار ماهر إلى أنّ مسؤولة أميركية أخبرته أنّ "مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) كان في أوروبا في نهاية الأسبوع الماضي للعمل بشكل مكثّف على هذا الأمر"، لافتاً إلى أنّ "المسؤولين الأميركيين يعتبرون صفقة الأسرى نقطة بداية حاسمة، وأنّهم يرون أنّه لا يزال هناك سبيل ينبغي التوصل إليه في نهاية المطاف ليفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية".
وأكد الكاتب والصحافي المصري أنّ "الأميركيين لديهم 4 أولويات عاجلة، وفق تأكيداتهم هم، خلال المرحلة الراهنة، وهي: أوّلاً، تحسين الوضع الإنساني المزري في غزة من خلال العمل مع كل شركاء واشنطن لزيادة المساعدات التي تصل إلى سكان القطاع والحث على اتخاذ التدابير الممكنة لحماية المدنيين. ثانيا، الدفع بقوّة باتجاه الإفراج الآمن والفوري عن كل الرهائن. ثالثاً، ضمان عدم تكرار ما حدث يوم 7 تشرين الأول (أكتوبر)، والصراع الذي أعقب ذلك، سواء بالنسبة إلى الإسرائيليين أو الفلسطينيين. رابعاً، ضمان عدم اتساع رقعة الصراع".
نبض