02-02-2024 | 05:50

انتقادات لاذعة لتغليف هرم منكاورع... "هدف خفي" من المشروع؟

لك أن تتخيل أحد أهرامات الجيزة الثلاثة وقد غُلف بحجر الغرانيت. يبدو هذا الخيال صادماً، ربما لأنه يهدم الصورة الذهنية التي تشكَّلت عن أحد عجائب الدنيا السبع، عبر آلاف السنين، ووثقها المؤرخون القدامى، ثم رسختها ملايين الصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو، التي تداولها البشر في العصر الحديث. ​
انتقادات لاذعة لتغليف هرم منكاورع... "هدف خفي" من  المشروع؟
Smaller Bigger

لك أن تتخيل أحد أهرامات الجيزة الثلاثة وقد غُلف بحجر الغرانيت. يبدو هذا الخيال صادماً، ربما لأنه يهدم الصورة الذهنية التي تشكَّلت عن أحد عجائب الدنيا السبع، عبر آلاف السنين، ووثقها المؤرخون القدامى، ثم رسختها ملايين الصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو، التي تداولها البشر في العصر الحديث.

 

ونتيجة ذيوع شهرتها، قلما تجد إنساناً على وجه البسيطة لا يعرف الأهرامات المصرية في صورتها الحالية. لكنّ ثمّة مساعي رسمية حالياً لتغيير الصورة الراسخة لأهرامات الجيزة، وتحديداً الهرم الثالث الذي بناه الملك منكاورع (مكاو-رع)، تحت ذريعة استعادة صورته الأصلية وقت تشييده؛ حين غلفت أحجار الغرانيت آنذاك جزءاً منه، وهو الأمر الذي يجابَه بانتقادات واسعة.

 

وقبل أيّام، أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور مصطفى وزيري، عن تدشين المشروع، واصفاً الخطوة بـ"مشروع القرن" الذي سيكون هدية مصر إلى العالم في القرن الحادي والعشرين.

 

وقال وزيري في مقطع مصور على صفحته في "فايسبوك" إنّ "بعثة أثرية مصرية يابانية مشتركة ستبدأ العمل بالمشروع، على أن تُنجز الدراسة حول المشروع في غضون عام، كما أنّ المشروع برمته سيستغرق 3 أعوام، حتى يعود الهرم كما كان في زمن المصريين القدماء".

 

وأوضح المسؤول المصري في كلمته أمام الهرم الثالث، أنّ المشروع عبارة عن إعادة تركيب الكتل الغرانيتية التي كانت تمثل الكساء الخارجي لهرم منكاو -رع، حيث كانت ترتفع لنحو 16 مدماكاً فقط في كل جوانب الهرم، لكن هذا الكساء لم يكتمل، وسقطت الحجارة الأخرى بعوامل الزمن. وأن مراحل تنفيذ المشروع تبدأ بدراسة للكتل الحجرية ثم مسح للمساحة، ومسح بأشعة الليزر، ثم إعادة تركيب الكتل.

 

 

انتقادات لاذعة

لم تمضِ ساعات على إعلان الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار عن مشروع إعادة كساء هرم منكاو- رع، حتى تهافتت الانتقادات اللاذعة عبر المنصات الاجتماعية، ومن بين أصوات المنتقدين، جاءت أصوات الكثير من الأثريين متشككة ومتسائلة: أين الدراسات؟ لماذا استباق رأي العلم؟ ألا يضر هذا المشروع بالصورة البصرية لأهرامات الجيزة؟

 

وبحسب ما أورد عالم المصريات الراحل أحمد فخري، في كتابه "الأهرامات المصرية"، فإن هرم منكاو-رع رغم صغر حجمه مقارنة بهرم جده خوفو ووالده خفرع، كان مغلفاً بكساء فخم من الغرانيت، غطى الستة عشر مدماكاً الأولى منه. 

 

ورغم هذه الحقيقة المثبتة أثرياً، إلا أنّ عميد كلية الآثار الأسبق بجامعة القاهرة الدكتور محمد حمزة، يقول لـ"النهار العربي": "قبل الإعلان عن مثل هذا المشروع، كان يجدر بالمسؤولين إعداد دراسة توثيقية في البداية، بهدف مسح المنطقة لمعرفة عدد الأحجار المتناثرة حول الهرم، وهل تكفي لاستعادة صورة الهرم القديم".

 

ويوضح حمزة أن "ثمّة 7 مداميك من الغرانيت متبقية حالياً في الهرم، وفي الوقت نفسه الأحجار المتناثرة حول الهرم لم تستخدم من الأساس، إذ إنها غير مشذبة وتفتقد الجاهزية لاستخدامها ككساء للهرم، فقد كان المصريون القدماء يأتون بالغرانيت من المحجر، غير مهذبة أو مصقولة، ثم يقومون بتهذيبها في موضع البناء، وعندما مات الملك منكاو-رع لم يكتمل وضع الكساء، ولم يستكمل ابنه هذه المهمة".

 

ويلفت عميد كلية الآثار الأسبق إلى أن "الإعلان عن المشروع من دون دراسة علمية لهذه الأحجار ومدى صلاحيتها، ما هو إلا محاولة لإثارة حالة من البروباغندا الإعلامية فقط، في ظل أحاديث عن تعديل وزاري مرتقب".

 

ويشدد حمزة على "ضرورة تشكيل لجنة مستقلة من العلماء؛ لتقييم المشروع بعيداً من الأشخاص الذين لهم سابق صلة بمشاريع فشلت من قبل"، لافتاً أيضاً إلى "أهمية استحداث هيئة مستقلة للرقابة والإشراف على الآثار، مثل هيئة الأدوية، وغيرها من الهيئات المستقلة".

 

 الهوية البصرية

شُيّد هرم الملك منكاو-رع في عام 2500 قبل الميلاد تقريباً، وهو آخر مجموعة أهرامات هضبة الجيزة، ويقع ناحية الجنوب، ويبلغ طول كل ضلع من قاعدة الهرم 108.5 من الأمتار، وفي الناحية الشمالية يرتفع مدخله عن الأرض بنحو أربعة أمتار، ويعد هرم منكاو-رع من بين أهم الآثار الواقعة في هضبة الجيزة، المسجلة على قائمة التراث العالمي في اليونسكو.

 

 ويصف حمزة هذا النوع من الأهرامات بـ"الآثار الغارقة في القدم"، وهو وصف ينطبق على تلك النوعية من الآثار التي تتسم بالأصالة والقدم والتفرد، ومن ثم "لا يجوز إطلاق أي مشروع يتعلق بأي منها إلا بعد إجراء دراسات متأنية دقيقة وعميقة، في ضوء القوانين والمواثيق والمؤتمرات والتوصيات الدولية".

 

ويتساءل: "ما الضرورة الملحة والأهمية المتعاظمة والجدوى المنتظرة من تنفيذ مثل هذا المشروع؟ وخصوصاً أن كمية الكتل المتناثرة حتى لو ثبت أنها تخص كسوة الهرم لن تكفي لتنفيذ المشروع، سواء الهرم كاملاً أو جزءٌ منه حتى منتصفه على الأقل كما أشار هيرودوت".

 

ويضيف عميد كلية الآثار الأسبق "هل سيتم جلب كتل أخرى؟ وعلى أي أساس علمي يحدث هذا؟ وكيف يمكن التمييز بين الأصلي وغير الأصلي منها؟ وبالتالي كيف ستكون الصورة النهائية لهذا الهرم وهو المسجل على وضعه الحالي في الذاكرة التاريخية والبصرية والسياحية والثقافية والإعلامية والدرامية، وعلى قائمة التراث العالمي؟".

 

تشكلت صورة ذهنية راسخة عن أهرامات الجيزة في العالم

 

سابقة فشل

من جانبه، يستنكر الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود، الإعلان عن مشروع تكسية هرم منكاوو-رع بهذه الطريقة. وبوصفه مسؤولاً تنفيذياً سابقاً ترأس أعلى جهة إدارية مسؤولة عن الآثار في مصر، يشرح المنهجية المتبعة قبل الإعلان عن مثل هذا المشروع.

 

يقول عبد المقصود لـ"النهار العربي": "في البداية يقدم المشروع إلى اللجنة الدائمة للآثار، وبدورها تبدي الرأي في البدء في الدراسة من عدمه، وفي حالة الإثبات العلمي لوجود حجارة غرانيت تصلح لتكسية الهرم، يتم البدء في تنفيذ المشروع. وهذا منعاً لتجاوز صاحب القرار واستباق رأي العلم".

 

ويضرب مثالاً بمشروع استكشاف الأهرامات العلمي "سكان بيراميدز"، مشيراً إلى أن البعثة اليابانية التي تعمل على استكشاف الفراغات في الأهرامات تعمل بأسلوب علمي، فكلما توصلت البعثة إلى نتائج معينة، تقوم بإعداد دراسة علمية، ثم تنشر في مجلة علمية يحكّمها متخصصون، ثم تستكمل الأعمال بعد ذلك، وفقاً لما يحدده العلم.

 

ويقول: "ما حدث في مشروع تكسية هرم الجيزة الأصغر، أن المسؤول أعلن تنفيذ المشروع وحدد توقيتات زمنية للانتهاء منه، قبل الدراسة، ومن دون أن نعرف من هي الجهات والمعاهد العلمية المشرفة على هذا المشروع. إن الحفر الذي يحدث الآن يعد بدء العمل، وتحريك كل حجارة من موضعها دون دراسة يعد بمثابة إهدار لمعلومة أثرية".

 

ويلفت عبد المقصود إلى أن "ثمة سابقة فشل عالم الآثار ساجوكي يوشيمورا، قائد الفريق الحالي، حين كان رئيس البعثة اليابانية عام 1978، التي أرادت بناء نموذج مصغر للهرم بالقرب من أهرامات الجيزة بارتفاع 20 متراً".

 

استهدفت البعثة اليابانية - آنذاك - إثبات أن المصريين القدماء شيّدوا الأهرامات بطرق البناء البدائية، المتمثلة في قطع الأحجار بالأزاميل، ورصها بواسطة رفع الحبال والوسائل اليدوية الأخرى، لكنها فشلت في النهاية وقامت ببناء هرم بارتفاع 10 أمتار فحسب، وباستخدام المعدات الحديثة.

 

ويتساءل عبد المقصود مستنكراً: "هل نحن أمام قصة فشل جديدة؟! وخصوصاً أن الإعلان عن المشروع جاء بطريقة استعراضية، ليس لها أي أساس علمي".

 

صورة قديمة لهرم منكاو-رع تظهر أحجار الغلاف الغرانيتية في أسفله

 

هدف خفي

يرجح حمزة أن "ثمّة هدفاً خفياً من وراء مشروع تغليف هرم منكاو-رع بالغرانيت، إذ يهدف في جانبه غير المعلن والمستتر إلى اكتشاف مراكب الشمس، وخصوصاً أن عالم المصريات الراحل الدكتور أحمد فخري أشار إلى أنّ المناطق الواقعة إلى الشمال وإلى الجنوب من هذا الهرم لم تحفر حفراً علمياً منظماً. ومن الممكن أنه لا تزال ثمّة آثار أخرى تحت أكوام الردم، تنتظر يوم الكشف عنها".

 

ويتابع: "وتالياً، هذا المشروع في ظاهره تركيب الكسوة الغرانيتية، وفي باطنه اكتشاف مراكب الشمس، ولكن لم يتم الإعلان عنها حتى الآن، ربما لعدم التأكد من وجودها، وربما يكون ذلك هو الهدف الخفي من إطلاق مصطلح مشروع القرن، وهدية مصر إلى العالم؛ لأنه في حالة تحقيق هذا الاكتشاف، يكون فعلاً مشروع القرن وهدية مصر للعالم".

 

رد رسمي وقرار منتظر

بعد الانتقادات القاسية، قدم وزيري شرحاً تفصيلياً للمشروع، مساء الأربعاء، عبر صفحة مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، على موقع "فايسبوك"، مؤكداً أن المشروع يعمل وفقاً لقواعد علمية. وتراجع وزيري عن المدد الزمنية التي كان قد حددها في إعلانه عن المشروع، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن القرارات ستصدر وفقاً للخطوات والقواعد العلمية المرعية، وأن النتائج ستعرض على لجنة من كبار العلماء في العالم، كما ستعرض على اليونسكو.

 

وأكد المسؤول المصري ما ذهب إليه عميد كلية الآثار الأسبق الدكتور محمد حمزة، في ما يتعلق بأن ثمة هدفاً لم يصرح وزيري به في الإعلان الأول عن المشروع، والمتعلق بالبحث عن مراكب الشمس الخاصة بـالملك منكاو-رع، وأكّد وزيري أن البحث عن مراكب الشمس من بين أهداف المشروع الأساسية، بالإضافة إلى الكشف عن الكثير من المعلومات المخفية حول الهرم.

 

 

بموازاة ذلك، علق عالم المصريات الدكتور زاهي حواس على هذه القضية، وقال في تصريحات متلفزة، ليلة الأربعاء، إنّ "وزير السياحة والآثار أحمد عيسى طلب تشكيل لجنة عليا برئاسته؛ لمراجعة مشروع إعادة كساء أو تغليف الهرم الأصغر بالغرانيت".

 

وأوضح أن اللجنة ستجتمع فور وصول القرار الوزاري، ومن المتوقع أن يحدث هذا خلال أيّام معدودة، وشدّد حواس على أنّه "ليس بوسع أحد المساس بالهرم أو "تبليطه" كما أشيع"، معترفاً في الوقت ذاته بأن الدكتور وزيري "تسرع في الإعلان عن المشروع قبل دراسته علمياً".

 

ويلفت إلى أنّ اللجنة المشكلة برئاسته ستكون منوطة باتخاذ قرار حول مدى صلاحية هذا المشروع من عدمه، وفي حالة الموافقة عليه سيكون دور البعثة اليابانية تمويل المشروع فقط، مختتماً: "بعد انتهاء اللجنة من مراجعة المشروع، سيعلن وزير السياحة والآثار القرارات التي تم التوصل إليها".

 
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية