01-02-2024 | 06:20

شهرة بلا موهبة... لماذا يقتحم بعض المؤثرين بجرأة مجالات ليست لهم؟

في عصر مواقع التواصل الاجتماعي انهارت القواعد، ونشأت قوانين جديدة أو ربما متجددة، فقد باتت الشهرة تأتي سريعاً وتذهب في طرفة عين. لم تعد سماؤها مقتصرة على نجوم تتكون في وقت طويل، وتبقى مضيئة عبر الزمن، بل امتلأت بوميض هنا وهناك يظهر لوقت قصير ثم سرعان ما يختفي ويطويه النسيان. ​
شهرة بلا موهبة... لماذا يقتحم بعض المؤثرين بجرأة مجالات ليست لهم؟
Smaller Bigger

ظلت الشهرة على مر التاريخ البشري تخضع لقواعد واضحة، وتحتاج في الغالب إلى سنوات طويلة من الكد والعمل الجاد، فقد يحتاج الشخص لكي يصبح مشهوراً، على سبيل المثال، أن يبرع لسنوات طويلة في تخصص ما، أو يصل لاكتشاف غير مسبوق، أو يثبت أن لديه موهبة فذة، أو يكون من أسرة ملكية أو ثرية ثراءً فاحشاً.

 

لكن في عصر مواقع التواصل الاجتماعي انهارت تلك القواعد، ونشأت قوانين جديدة أو ربما متجددة، فقد باتت الشهرة تأتي سريعاً وتذهب في طرفة عين. لم تعد سماؤها مقتصرة على نجوم تتكون في وقت طويل، وتبقى مضيئة عبر الزمن، بل امتلأت بوميض هنا وهناك يظهر لوقت قصير ثم سرعان ما يختفي ويطويه النسيان.

 

اللافت أن الضوء يجتذب عيون البشر إليه أينما كان، سواء منبعه نجوم متلألئة، أو ما هو أقلّ. لكنّ ثمة اهتماماً يحظى به أصحاب الضوء، ما يجعل الدوبامين يتدفق بداخلهم معززاً شعوراً بالنشوة والسعادة، ما يدفع بعضهم إلى اقتحام مجالات لا علم له بها، دون دراسة أو تدريب أو خضوع لاختبار لمعارفه أو موهبته.

 
"كوميك" متداول على مواقع التواصل يشير للحديث في ما لا يتقنه الشخص

 

مصدر الشهرة وتأثيره

تقول اختصاصية الصحة والإرشاد النفسي الدكتورة منى حمدي لـ"النهار العربي" إن "هوس الشهرة يختلف في تأثيره على النفس البشرية تبعاً لمصدرها، فالشهرة التي اكتسبها البعض اكتساباً طبيعياً لانتمائه إلى عائلة  ملكية أو منصب رفيع أو موهبة فذة أو إنجاز كبير في مجال ما، أو حتى الثراء، تختلف تماماً عن هذا النوع الحديث من الشهرة، التي تبدو كالزبد تأتي سريعة وكثيفة من لا شيء، تدافع الأمواج ثم تنحسر بالآلية نفسها مخلّفة وراءها اضطرابات نفسية جديدة".

 

وتضيف: "اللعبة تبدأ بإثارة الضجة أو الجدل، ثم يصاب الشخص بالهوس للحفاظ على الشهرة الزائفة والاستمرار في تصدر الترند بأي طريقة وسلوكيات، حتى ولو كانت تقابل بالنقد والسب والرفض، فما دام يتم التفاعل، يعني لا يزال محرك الترند وإحصاء المشاهدات والتفاعلات مستمراً، وهذا ما يفسر استمرار البعض في بث محتوى مرفوض رغم تعرضهم للرفض والانتقاد والشتم، فقد وقعوا في فخ هوس الشهرة والترند والتفاعل".

 

فعلم النفس، حسبما تقول اختصاصية الصحة والإرشاد النفسي "يؤكد أن لفت الانتباه حاجة نفسية وطبيعة بشرية، وأن الشهرة رغبة الجميع غير المعلنة وعشق النفس البشرية، لأنها وسيلة عظمى لتحقيق الذات ورفع استحقاقها والشعور بقيمتها والحصول على القبول الاجتماعي والاستحسان، وإعطاء درجة من التمييز الاجتماعي، بل تحقق أيضاً إشباع الحاجة للانتماء والتواصل الاجتماعي من خلال المتابعين وتفاعلهم وردود أفعالهم، جميعها حاجات نفسية وإنسانية عامة ومشتركة تختلف فقط في الدرجة والقدرة على إدارتها وتوجيهها وطرق إشباعها من فرد لآخر" .

 

 

إغواء المؤثرين

يقول رئيس تحرير موقع "إعلام دوت كوم" الكاتب الصحافي محمد عبد الرحمن لـ"النهار العربي": "ثمة رغبة ملحوظة لدى الكثير من المؤثرين في أن يخرجوا من كونهم مجرد مؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصاً أنهم يعلمون أن المجتمع لا يعترف بوظيفة "مؤثر"، لذا تجدهم يتجهون إلى أسهل طريق، وهو الكتابة، أو إلى ما هو أقل سهولة نسبياً، وهو أن يكونوا إعلاميين، من خلال تقديم برنامج على أي قناة".

 

عبد الرحمن الذي ألف كتابين مرتبطين بتأثير مواقع التواصل الاجتماعي، وهما "مدينة المليار رأي"، و"فلسفة البلوك... ما فعلته بنا السوشيال ميديا"، يرى أن ثمة جانباً آخر يحرك رغبة هؤلاء المؤثرين، وهو "الجانب التجاري، فتحقيق الأرباح بالنسبة لهم أمر أساسي، لذا كل شيء يحقق دخلاً، أو يساعد على التوسع والانتشار، تجد كثيرين منهم مستعدين لخوضه".

 

ويضيف: "يحدث هذا، وخصوصاً أن ثمة أطرافاً تساعد على ذلك، فبعض دور النشر تعتمد على شهرة المؤثرين، وتطلب منهم الكتابة، وهو ما يمثل إغراءً أو إغواءً بالنسبة لهم، هذا كله يدفع المؤثرين للشعور بأنهم ليسوا مجرد أشخاص يصنعون فيديوات على الإنترنت، وفي الواقع يمكن أن يكونوا ناجحين في هذا ويستمرون فيه، لكن الإغراءات ومحاولة إثبات الذات أمام المجتمع تدفع بعضهم إلى تلك الطرق".

 

ويشير الكاتب الصحافي إلى أن "ثمة أمثلة كثيرة، ومنهم زاب ثروت، وعلي غزلان، وعبده البلف وغيرهم قاموا بهذه المحاولات ولم يستطع أحد منهم أن يكمل. ربما إصدار كتاب للمرة الأولى يكون أمراً سهلاً، لكن المرة التالية تكون صعبة. وقد نشهد تزاحماً على أحدهم في أجنحة معرض الكتاب، إلا أن جمهور هؤلاء المؤثرين يأتي لهم هم، وليس لما كتبوه".

 
تستغل بعض دور النشر شهرة المؤثرين وتطلب منهم تأليف الكتب

 

أرقام غير منطقية

خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب 2024، المستمر إلى 6 شباط (فبراير) الجاري، كانت هناك فرصة لظهور كتب لبعض المؤثرين، أغلبهم لم يسمع عن إصداراته، لكن واحدة حظيت بنصيب الأسد في إثارة الجدل بشأن روايتها التي حملت اسم "فرصة من ذهب"، وهي كنزي مدبولي. فقد فجرت روايتها سجالات وانتقادات واسعة على مواقع التواصل ووسائل الإعلام المصرية، وذلك بسبب "الأخطاء الإملائية واللغوية الهائلة" وفق ما رصده معلّقون، كما أن البعض رآها "دون المستوى أدبياً".

 

وتقول الكاتبة الصحافية والروائية المصرية سمر نور لـ"النهار العربي" في تعليقها على تلك السجالات: "لا أستطيع الحكم على رواية كنزي، لأنني لم أقرأها، لكن يمكنني التعليق على أرقام الطبعات التي ذكرت، والتي لا تبدو منطقية".

 

نور التي صدر لها نحو 5 كتب منها "الست"، و"بريق لا يحتمل"، و"تماثيل الجا"، تقول: "من المعتاد أن تكون الطبعة ما بين 1000 و3000 نسخة، لكن أن يقال إن هناك 26 طبعة بيعت خلال ثلاثة أيام من معرض الكتاب، فإن هذا كلام لا يتقبله عقل أي أحد، خصوصاً من يعمل في صناعة الطباعة والنشر".

 

وتضيف الأديبة المصرية: "كنزي لديها عدد كبير من المتابعين المحبين للمحتوى الذي تنتجه على مواقع التواصل، وصحيح أنه كان هناك زحام كبير على الجناح الذي كانت فيه بمعرض الكتاب، لكن أعداد النسخ المبيعة لا يمكن أن تكون قد وصلت إلى 26000 أو 78000 (لو كانت الطبعة 1000 أو 3000 نسخة على التوالي)".

 

وتضرب نور مثالاً: "لو افترضنا أن هذا الكلام المتداول كان صحيحاً، فهل كانت هناك 26 طبعة جاهزة في المعرض؟ أم أن المطبعة استجابت لطلب الجماهير، وأنتجت 26 نسخة من الكتاب بهذه السرعة خلال ثلاثة أيام فقط؟ هذا غير ممكن منطقياً وواقعياً".

 

وتعتقد الكاتبة أن "ثمة رغبة لإثارة الجدل والاهتمام بشأن الكتاب، بغض النظر عن طبيعة المادة المقدمة، ولا يمكنني تقييمها بالطبع لأنني لم اقرأها، ولا أستطيع الاعتماد على الصفحات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي - المنسوبة إلى الرواية - لأنني لست متأكدة إن كانت منها أم لا".

 

عموماً، ترى نور أنه "من حق كل شخص أن يكتب، ويبقى التقييم في يد النقاد والقراء، لكن ليس شرطاً أن كل من يكتب يكون موهوباً، كما أنه حتى الموهوبون قد يجدون صعوبة بالغة في لفت الانتباه إليهم وسط هذا الزحام الكبير على الكتابة والنشر".

 

 

"أمة الدوبامين"

تقول اختصاصية الصحة والإرشاد النفسي إن "عصر السوشيل ميديا"، سُمي "أمة الدوبامين" في أهم كتاب يشرح تأثير السوشيل ميديا للكاتبة أنا ليمكي"، لافتة إلى أنه "مثلما تجوع البطون فتبحث عما يسد جوعها، فالنفوس أيضاً تجوع وتسعى لملء فراغها لتستعيد التوازن، والجوع للشهرة قد يتمكن من نفوس جائعة للاهتمام والشعور بالقيمة، في محاولات لإثبات ذاتها".

 

وتضيف حمدي: "وفقاً لمستوى الوعي لدى الأشخاص، فقد يفقدون صوابهم فيسدون الجوع بطريقة غير صحية، وقد يفرطون فيصابون بالتخمة. جائع الشهرة قد لا يتوانى عن أي سلوكيات تقربه من هذا اللقب، لقب مشهور، وتحافظ عليه".

 

وتوضح اختصاصية الصحة النفسية أن "الدراسات العلمية تؤكد أن مرضى الشهرة يعانون اضطرابات نفسية؛ كالاضطراب الثنائي القطب والاكتئاب والقلق، وأن مصدر هوس الشهرة يكمن خلفه في الغالب مستويات متفاوتة من عدم الثقة بالنفس وانخفاض قيمة الذات والتهميش الحالي أو في الماضي".

 

وتقول إنه "أحياناً الشعور بالعجز لفترات طويلة في حياة الإنسان قد يجعله يلجأ للشهرة لسد هذا الخلل، وأحياناً يكون رغبة في القفز على الفوارق الطبقية الاقتصادية والاجتماعية وتلبية الرغبة في الكسب السريع والسهل".

 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.