31-01-2024 | 12:05

فاسيلي... قنصل يوناني هجر العالم واختار "الفردوس" في سيوة

على بعد حوالي 5 كيلومترات من وسط البلدة، يطل بيت فاسيلي على بحيرة سيوة الواقعة غرب الواحة، في هذا المكان وفي لحظة الغروب تحديداً، تدرك سر افتتان فاسيلي بالواحة...
فاسيلي... قنصل يوناني هجر العالم واختار "الفردوس" في سيوة
Smaller Bigger

في مقهى صغير وسط السوق القديم بواحة سيوة، جلس فاسيلي فيلباتوس قبالتي، يروي بشغف حكايته مع الواحة النائية. يتحدث السبعيني اليوناني بطريقة آسرة؛ فلا يخلو حديثه من خفة المحب، وشجون المحزون بما آل إليه الحال، بعد التحولات التي ضربت أطناب الواحة.

 

تعرفت إلى فاسيلي من باب المصادفة، بعدما قدمني إليه صديق يوناني، وما أن مال الحديث نحو حكايته مع سيوة، حتى استدعى القنصل اليوناني المتقاعد ذكرياته مع الواحة النائية بشغف، كمن يتحدث عن حب العمر.

 

أخذ الكلام يتدفق منه على سجيته، بإنكليزية بسيطة، وعربية "مكسرة". روى قصّة مجيئه إلى سيوة أول مرة، ثم انتقاله بعد ذلك إلى الإسكندرية للعمل مديراً للمركز اليوناني الثقافي، ثم استقراره أخيراً في سيوة، بعدما شيّد بيتاً فيها منذ أكثر من ربع قرن.

 
شيد فاسيلي بيتاً بجوار بحيرة سيوة

 

توقف فاسيلي عند قصّة تشييد البيت، ثم دعاني بعفوية مباغتة لزيارته في بيته هذا، ليروي لي حكايته مع سيوة، بعيداً من صخب سوق البلدة، الذي تتلاشى فيه الحدود الفاصلة بين سكون الواحة وضجيج المدينة.

 

اللقاء الأول

 على بعد حوالي 5 كيلومترات من وسط البلدة، يطل بيت فاسيلي على بحيرة سيوة الواقعة غرب الواحة. في هذا المكان وفي لحظة الغروب تحديداً، تدرك سر افتتان فاسيلي بالواحة؛ حيث تغرق الشمس في البحيرة تاركةً خلفها مشهداً آسراً.

 

وصلت البيت قبل الغروب، استقبلني فاسيلي بحفاوة، وكان ثمّة يونانيون في ضيافته، ولفتني أنّ فاسيلي فيلباتوس صار عمدة اليونانيين في سيوة، فكل يوناني يأتي إلى الواحة، مجبول على المرور على بيت "الخواجة" - كما يسميه السيويون - وتمضية بعض الوقت فيه.

 

ما إن جلسنا حتى استدعى الذكريات مجدداً؛ عاد إلى ستينيات القرن الماضي، حين بدأت حكايته مع سيوة. في ذلك الوقت كان يدرس الهندسة المعمارية في اليونان، وفي رحلة دراسية إلى باريس، زار متحفاً يعرض نماذج من بنايات سيوة التقليدية، المصنوعة من مادة الكارشيف، ومن هنا بدأت علاقته بالواحة تتشكل على مدار السنين.

 

 

في عام 1995 تحقق حلم فاسيلي أخيراً، وجاء إلى سيوة في رحلة قصيرة. كان كل شيء مبهراً للغاية، يقول لـ"النهار العربي" إن "الحياة في سيوة قبل نحو ثلاثين عاماً كانت مختلفة تماماً عمّا هي عليه اليوم، كانت الرحلة إليها وقتذاك تستغرق يومين؛ الذهاب من الإسكندرية إلى مطروح والمبيت فيها ليلة، ثم الانطلاق إلى سيوة في اليوم التالي".

 

ويضيف: "كانت أجواء الواحة مدهشة في هذا الوقت، فبمجرد أن تصل الحافلة إلى سيوة، يلفك الهدوء والسلام، وليس هناك سيارات، حيث كانت تستخدم العربات التي تجرها الحمير (الكارتة) لهذا الغرض فقط، وكان لافتاً أن الشوارع خالية من النساء أيضاً".

 

يقول فاسيلي: "في هذا الوقت، كانت سيوة شيئاً مذهلاً بالنسبة لي، فالسير في شوارعها من دون سيارات أو عربات التوكتوك، كان أشبه بالسير في أرض السلام".

 

عودة إلى الواحة

ظلت سيوة تشغل فاسيلي طوال الوقت، وفي عام 1998، بعد ثلاث سنوات من زيارته الأولى، طلب نقله من وزارة الأشغال العامة في اليونان، حيث كان يعمل مهندساً معمارياً، ليعين مديراً للمركز الثقافي اليوناني في الإسكندرية.

 

يقول: "بعد انتقالي إلى الإسكندرية، مضى كل شيءٍ بسلاسة، فلم ينقضِ الشهر الأول على وجودي في مصر حتى جئت إلى سيوة لأبحث عن قطعة أرض لشرائها، كان الأمر أشبه بشراء قطعة أرض في الفردوس".

 

شيّد فاسيلي بيته على الطريقة السيوية، من الكارشيف، وهو مادة صلبة من الطين والملح، تصبح قوية جداً مع مرور الوقت، ومعظم المنازل في سيوة القديمة كان تبنى من هذه المادة، كما في شالي، وهي موقع سكن أهل الواحة قديماً.

 

شُيّدت بنايات شالي (سيوة القديمة) من مادة الكارشيف

 

ظل الخواجة يتردد على سيوة بانتظام حتى تقاعد في عام 2008، حينها قرر أن يعيش بشكل دائم في الواحة. وجوده باستمرار في سيوة شكّل عامل جذب قوياً لليونانيين، إذ يقول إن الكثير من أصدقائه جاؤوا لزيارته، وجميعهم أرادوا امتلاك شيء هنا، واليوم ثمّة 14 يونانياً لديهم عقارات في الواحة؛ سواء كانت قطعة أرض وبيت، أو شقة سكنية.

 

في نهاية حديث فاسيلي فيلباتوس لـ"النهار العربي" لا يخفي الرجل ضجره من التغيرات التي طالت واحة سيوة في السنوات الأخيرة، فقد تغيرت أمور كثيرة، حسبما يقول؛ إذ اُستبدلت عربة الكارتة التقليدية التي يسحبها الحمار بالتوكتوك.

 

يقول: "كل يوم يصبح لدينا المزيد من عربات التوكتوك المجنونة، والكثير من الضوضاء. وبالنسبة للسياح، يوجد الكثير منهم الآن، أكثر بكثير من ذي قبل، فعندما وصلت إلى سيوة أول مرة، لم يكن يوجد فيها سوى فندقين، اليوم يوجد أكثر من 35 فندقاً".

 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية