في مطلع كانون الأول (ديسمبر) الفائت، أدرجت منظمة "اليونسكو" فن النقش اليدوي على المعادن ضمن قائمة "التراث غير المادي"، في ملف حظي بدعم عشر بلدان عربية من بينها: تونس، والجزائر، والمغرب، ومصر.
ورغم اعتراف اليونسكو بهذا الفن، ورسوخه في مصر منذ القدم، إلا أنه بات يعاني التردّي والإهمال، لا سيّما في ظل تنامي هجران الشباب لحرفة النقش على المعادن، التي حافظت على وجودها على مدار الزمن؛ بتناقلها جيلاً بعد جيل.
يُبدع العاملون في هذا الفن الحرفي في تشكيل منتوجاتهم، من طريق نحت زخارف بأشكال مختلفة، منها الهندسي، والنباتي، والفلكي، على معادن النحاس أو الفضة أو الذهب، التي تُستخدم كأدواتٍ منزلية، أو ديكورات وحلى.
واقع متأزم
قد لا نجد قصّة أكثر تعبيراً عن حال حرفة النقش على المعادن في مصر مثل قصّة محمد صلاح حشمت الذي التقاه "النهار العربي" مصادفةً في الطريق إلى منطقة الجمالية موطن الحرفة؛ حيث يعمل حشمت سائقاً في إحدى شركات النقل الجماعي التشاركي في القاهرة.
يقول الشاب الثلاثيني إنه توارث حرفة النقش على المعادن من عائلته، لكنه هجرها مبكراً، كونها حرفة متقلبة، فقد يجني مبلغاً ضخماً من المال في عام، وفي آخر قد لا يتوافر ما يسد احتياجاته الأساسية؛ ويقول: "هذه التقلبات القاسية لا تناسب حياتي، لذا قررت المضيّ في طريقٍ أخرى".
حديث حشمت يكشف جانباً من المشكلات التي تواجه الحرفة في مصر، لكن الحرفيين المتمرسين لديهم معرفة أكثر عمقاً بتعقيدات الواقع، ومنهم عماد حسين، أحد أبناء عائلة توارثت الحرفة على مدار عشرات السنوات.
يقول حسين لـ"النهار العربي" إنّ "هذه الحرفة الفنية تعاني الإهمال بصورة عامة"، لافتاً إلى أن "ثمّة أسباباً عديدة تدفع الشباب إلى هجر المهنة، أهمها الاضطراب الذي تشهده السياحة من وقتٍ لآخر، وتراجع الدعم الحكومي، وارتفاع أسعار الخامات".
ويضيف: "في ما يتعلق بالخامات، نلاحظ أن سعر النحاس ارتفع من نحو 230 جنيهاً مصرياً (سعر الصرف الرسمي للدولار 31 جنيهاً) قبل عامين إلى قرابة 850 جنيهاً، أخيراً، فيما ارتفع سعر غرام الفضة من نحو 10 جنيهات إلى 41 جنيهاً، خلال المدة نفسها".
إلى جانب ذلك تبقى مأساة تسويق المنتجات؛ إذ يصعب على الحرفيين الصغار تسويق منتجاتهم، ورغم إشادة عماد حسين بتوسع الحكومة المصرية، أخيراً، في إقامة المعارض، إلا أنه يطالب بتقديم تسهيلات للحرفيين في تلك المعارض التي تشهد مشاركة محدودة من الحرفيين، ويرجع ذلك لـ"سوء إدارة القائمين على تنظيمها"، حسب رأيه.
في المقابل تشارك بعض الشركات التي تشتري المنتجات من الحرفيين وتعرضها، ويشير حسين إلى أن "وجود شركات وسيطة بين الحرفيين والمعارض، يقتطع جزءاً كبيراً من أرباح الحرفي".
ولدى سؤاله عن أسباب عدم مشاركة الحرفيين في المعارض الحكومية، يقول إن "المسألة برمتها وثيقة الصلة بالإجراءات الحكومية، إذ يتطلب التعامل مع المؤسسات الحكومية استصدار كل حرفي بطاقة ضريبية، وسجل تجاري، وهذا الأمر لا يحدث في أغلب الأحيان، إذ إن بعض الحرفيين ولا سيّما الكبار في السن لا يحبذون العمل وفق هذه الطريقة".
لكن الحرفي المصري يشدد في الوقت ذاته على ضرورة إيجاد حل لهذا الأمر، حتى يتسنى تسهيل التعاملات الحكومية، فضلاً عن فتح نوافذ تسويقية من خلال المكاتب التجارية بالسفارات المصرية في الخارج، لتعزيز مشاركة الحرفيين في معارض دولية.
ما تبقى من الحرفة
يقول حسين إن عدد العاملين في الحرفة يتضاءل بصورة مخيفة، إذ أصبح لا يتجاوز 30 شخصاً اليوم، بعدما كان 120 حرفياَ قبل نحو 8 سنوات.
ويوضح بشيء من التفصيل: "تعتمد الحرفة على أربعة أنماط من الحرفيين، تتضافر جهودهم جميعاً لتشكيل منتوج فني في النهاية، وينضوون تحت 4 مراحل: الدق، والسمكرة، والنقش، والتطعيم".
الآن، بات يعمل في كل مرحلة من هذه المراحل عدد محدود للغاية من الحرفيين، أعمار بعضهم تجاوزت السبعين عاماً، لذا بات من الضروري إجراء تدخل حكومي فوري؛ لإنقاذ المهنة من الانهيار.
يشير حسين إلى أن "هذا الواقع المتأزم يدفع الحرفيين إلى توجيه أبنائهم للعمل في مجالات أخرى، وبالتحديد في الأنشطة الخدمية، كأن يعملوا في محال الهواتف، أو المطاعم والمقاهي"، ويقول بأسف مختتماً: "بعض الحرفيين تركوا الحرفة ليعملوا في قيادة التوكتوك (مركبة أجرة صغيرة)؛ لأنه أصبح أكثر نفعاً من عملهم كحرفيين".

تشهد الحرف اليدوية إحجام الشباب عن تعلمها.
تاريخ عتيق
من جهته، يقول مصطفى كامل، وهو باحث ماجستير في التراث الشعبي، إن "فن تشكيل المعادن ضارب بجذوره في أعماق التاريخ، إذ يعود إلى الحضارة المصرية القديمة، حيث اعتاد القدماء التنقيب في شبه جزيرة سيناء والصحراء الشرقية، وجلب مختلف أنواع المعادن مثل: الذهب، والفضة، والنحاس، والبرونز".
ويقول كامل لـ "النهار العربي": "المصري القديم كان يصهر هذه المعادن ويعيد تشكيلها؛ ثم ينقش عليها الرسوم والكتابات بالخط الهيروغليفي، بما يعبر عن معتقده الديني، ومنتجه الثقافي"؛ معتبراً هذه "اللقى الأثرية" التي تركها الفنان المصري خلفه "هي منبع الفنون في العالم بأسره".
ويشير إلى أنّ "الفنانين المصريين المعاصرين، لا زالوا يستقون، حتى اليوم، الرمزيات والدلالات الشعبية والدينية من الحضارة المصرية القديمة. الفن المصري القديم أنتج أساليب فنية عدة، ينتهجها الفنانون اليوم، مثل: النقش على النحاس، والتكفيت، وهو فن تطعيم المعادن بالفضة والذهب".
مبادرة تبث الأمل
يرى كامل أنّ حرفتي النقش على النحاس والتكفيت من أكثر الحرف اليدوية في هذا المضمار جاذبية، ما دفعه إلى تأسيس مبادرة "يلا على الورشة"؛ للتعريف بحرفة أشغال المعادن للأطفال من عمر 7 سنوات وحتى 15 عاماً.
تتضمن المبادرة تنظيم جولات للأطفال في الورش؛ حيث يعمل الحرفيون، وشرحاً للتاريخ بداية من مصر القديمة حتى يومنا هذا، ثم عرض فيلم تسجيلي عن أشهر الحرفيين الذين التقاهم كامل، وفي نهاية اليوم إقامة ورشة تدريبية للأطفال للتعامل بشكل مباشر مع المعادن.
جانب من مبادرة "يلا على الورشة".
وللحفاظ على هذه الحرفة العتيقة من الانحسار، يرى الباحث المصري ضرورة توثيقها، وعرضها للناس، سواء عبر أفلام وثائقية، أو من خلال تبسيطها للأطفال، واستغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي في هذا الغرض.
ويضاف ذلك إلى إقامة المزيد من المعارض، والاهتمام بالكنوز البشرية من الحرفيين، أحد أهم متطلبات الحفاظ على المهنة، إذ يعتقد كامل أن هذا هو سبيل ضمان استمرار أجيال جديدة من الشباب في العمل بهذا الفن الحرفي.
نبض