30-04-2023 | 13:27

"النهار العربي" في بورتسودان... حكايات الهرب من جحيم الخرطوم إلى معاناة الانتظار

تغصّ شوارع بورتسودان بآلاف الواصلين من بؤر التوتر بحثاً عن سبيل لإجلائهم، وهم من جنسيات عديدة، وفق مشاهدات "النهار العربي" في أنحاء عدة من المدينة.
"النهار العربي" في بورتسودان... حكايات الهرب من جحيم الخرطوم إلى معاناة الانتظار
Smaller Bigger
رحلة اللاجئين إلى بورتسودان كانت محفوفة بالمخاطر، وتطلب اتخاذ قرار الهروب من ويلات الخرطوم وأزيز رصاصها وزئير طائراتها شجاعة كبيرة وقدرة على المغامرة، مع تحمل تبعات عدم أمان المسارات التي قيل إنها آمنة ولم تكن كذلك قطّ، فالهدن المعلنة كانت تذاع على شاشات التلفزة وتتداول أخبارها على صفحات وسائل التواصل من دون أن يروها في الواقع، أو تتسلل طمأنينتها إلى قلوبهم.
 
وتغصّ شوارع بورتسودان بآلاف الواصلين من بؤر التوتر بحثاً عن سبيل لإجلائهم، وهم من جنسيات عديدة، وفق مشاهدات "النهار العربي" في أنحاء عدة من المدينة، وتحديداً في دار الشرطة، أحد المراكز التي فتحت أبوابها في المدينة لاستقبال هؤلاء، ولاحظنا نصب عدد من الخيام في باحات المكان لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الوافدين. وكان لافتاً أن الساعين إلى الخروج من السودان ليسوا فقط من الجاليات العربية والأجنبية، بل كذلك ثمة أسر سودانية افترشت الأرض في انتظار أي فرصة للخروج.

وعند مدخل دار الشرطة التقينا إحدى هذه العائلات، وقال ربّ الأسرة محمد تاج الدين إنه لا يملك أي جواز سفر أجنبي، لكنه يسعى للخروج بعائلته إلى السعودية. وصلت العائلة إلى بورتسودان بعد رحلة شاقة من الخرطوم مروراً بود مدني ثم كسلا، وسجّلت أسماء أفرادها مع إحدى الشركات التي وعدتهم بتوفير رحلة بالباخرة تخرجهم من البلاد قريباً.
 
حاجات غذائية وطبية
وقال أحد الشباب السوريين في المركز إنهم يعانون من نقص كبير في المواد الغذائية. وذكر أن موظفين في السفارة السورية في الخرطوم أخذوا جوازاتهم واعدين إياهم بخروج سريع، "لكننا لا نزال هنا منذ أربعة أيام ولا جديد. يعطون الأولوية لمن لديهم إقامات خارجية"، لافتاً إلى أنه يعاني أوضاعاً صحية خاصة تستوجب إيجاد حل لمشكلته، كونه سبق أن أجرى عملية قلب مفتوح ويعاني من مشاكل في الجمجمة.

ولفت سوريون آخرون تحدثنا إليهم إلى زيارة من الهلال الأحمر لمعالجة شخص مصاب في يده، لكنّ الفريق الطبي لم يكن يملك المواد البدائية اللازمة لحالة كهذه.
 

ومع ذلك، رصد "النهار العربي" جهوداً لافتة من أبناء المدينة لمساعدة الواصلين إليها، بمبادرات فردية أو من بعض المنظمات الأهلية، من دون أن تكون كافية لمواكبة حجم التدفق الكبير إلى بورتسودان.

وعلى طاولة بلاستكية حمراء وُضعَت عشرات الوصلات الكهربائية مع عدد من الهواتف المحمولة لشحنها من مصدر وحيد للكهرباء.
 
رحلة محفوفة بالمخاطر
محمد نوح شاب يمني روى لـ"النهار العربي" رحلته من الخرطوم وتعرضه للرعب لأكثر من مرة، أولاها حينما مرت الحافلة التي استقلها وبعض أقرانه من حي جبرة جنوب الخرطوم، وعند محاولتهم عبور شارع المطار في حين هدنة، شهدوا تبادلاً لإطلاق النار بين الجيش وقوات الدعم السريع، لكنهم تمكنوا بأعجوبة من عبور الطريق بسرعة ولم يصابوا بأذى. والمرة الثانية حين مرورهم بنقطة تفتيش أسفل جسر المنشية الذي يربط بين الخرطوم وبحري، حينما تأخر أحد رفاقه في استخراج أوراقه الثبوتية، ما أدى إلى تزاحم السيارات خلفهم، وأثار ذلك حفيظة بعض العسكريين وهموا بإنزالهم جميعاً من الحافلة وتفتيشهم تفتيشاً شخصياً، إلى أن تدخل الضابط المسؤول وتركهم يمرون.
 
الطريقان اللذان يربطان الخرطوم ومدينة بورتسودان الساحلية ليسا خطرين بعد مغادرة ولاية الخرطوم، فخارج الخرطوم التي يتقاسمها الجيش والدعم السريع، يسيطر الجيش بالكامل ولا أثر لمناوشات أو طلقات أو حرائق.
 
لكن معاناة نوح لم تنته عند وصوله إلى بورتسودان بعد 12 ساعة من السفر المتواصل، بل تجددت في بحثه ورفاقه عن مكان يقيمون فيه، بعدما ارتفعت أسعار الإيجارات للشقق المفروشة والفنادق، ليصل حدها الأدنى إلى 100 دولار لليلة الواحدة، "كنا لا ندري كم سنبقى ولا نملك المال الكافي، فبعض الأموال عند رب العمل، ومدخراتنا القليلة في البنك لا سبيل للوصول إليها". لذا، يضيف نوح، "سألنا عن مكان الإجلاء الذي علمنا أن المملكة العربية السعودية تكفلت به، ووصلنا لنجد غيرنا بالمئات يفترشون الأرض في ما يشبه المخيمات، شباب وكبار وأطفال فوقهم قطع قماش تقيهم لهيب الشمس، وملاءات يفترشونها تفصلهم عن ملامسة الأرض مباشرة. جلسنا في طرف إحدى الخيام ونمنا من التعب من دون أن نحس بشيء، ولا نزال هنا على هذه الحال منذ خمسة أيام".
 
 
معاناة نوح من تأخر إجلائهم تتفاقم كل يوم، يقول: "نتشارك كجالية يمنية عدداً من مراكز الإيواء مع الجاليات الأخرى أكبرها السورية، ونرى معظم الجاليات عدانا والجالية السورية يغادرون سريعاً، لكننا نعاني عدم التنسيق بين سفارتنا والقائمين على أمر الإجلاء، إذ لم يغادر منا إلى الآن أكثر من 300 يمني من أصل 4000 وصلوا إلى بورتسودان، وكل يوم نقضيه هنا يزيد من معاناتنا، إذ بدأ ما نملكه من نقود ينفد. ومع أن المواطنين السودانيين لم يقصروا معنا عبر تقديمهم الطعام والشراب لنا، ووجود بعض المنظمات التي تهتم بتقديم المساعدات، إلا أننا نريد أن نعرف متى سينتهي مسلسل معاناتنا وما هي التواريخ المحددة لإجلائنا، فقد بدأنا نشعر بالإحباط. غادرنا وطننا بسبب الحرب وها هي الحرب تلاحقنا في المكان الذي لجأنا إليه، ولا نعلم بالضبط إلى أين سنتوجه بعد أن نصل إلى السعودية بحسب خطة الإجلاء، التي منحتنا شهراً في أراضيها، ولا نعلم ما هي وجهتنا التالية". 
 
ولاحظ "النهار العربي" من خلال تجوله في دور الإيواء أن اليمنيين والسوريين من أكثر الجاليات حضوراً ومن أقلها نيلاً لفرص المغادرة لحساسية وضع بلديهم، ليبقى سؤالهم الذي يؤرق مضاجعهم هو: إلى أين سيغادرون، والأكثر إلحاحاً منه: متى؟

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.