تجويف التاريخ، سلاح آخر في خدمة الشمولية

تجويف التاريخ، سلاح آخر في خدمة الشمولية
"حزب الله".
Smaller Bigger
الدكتورة جوسلين البستاني لأن الاقتباسات تُساعد في معظم الأحيان على تكوين رؤية واضحة لواقع مرير ومُعقّد، تمّ اختيار هذا المقطع من كتاب "الاشتراكية" للاقتصادي النمساوي لودفيغ فون ميزس Ludwig von Mises الصادر عام 1920، حيث قدّم أبلغ تعريف للاشتراكية قائلاً إنها "ليست رائدة عالم أفضل وأرقى ولكنها المُفسدة لما خلقته آلاف السنين من الحضارة. إنها لا تبني بل تُدمّر، والتدمير هو جوهرها". فالنزعة التدميرية ترتكز، وفقاً لفون ميزس، على السياسات التي تستهلك رأس المال ولا تعمل أبداً على تراكمه. وليس سراً القول إن هدف الاشتراكية لطالما كان السيطرة الشمولية، وليس مساعدة الطبقة العاملة. أما أهمّية هذا الإقتباس فتكمُن في مطابقته للواقع اللبناني الذي عمل "حزب الله" على إرسائه بأسلوب مُنسّق ومُخطّط وتعاوني، وصولاً الى الاستبداد المُطلق. وهنا تجدُر الإشارة الى أن انهيار أي حضارة لا يعني مُجرّد استبدال الحُكّام أو المؤسسات بحُكّام ومؤسسات أخرى، بل هو تدمير أسلوب حياة ومحاولات يائسة لإعادة البناء وسط الأنقاض. فبعد أن تمّ تدمير وتسخيف كل ما جعل من لبنان وطناً فريداً من نوعه، ها نحن أمام إعادة بناء لتاريخه، ولأساطير جديدة هدفها دعم أفكار الحزب الشمولي. أما البيئة المثالية لقتل الفكر فهي بالطبع بيئة الفوضى والضياع الذي وصلنا إليه، حيث يُعمل على حشد استياء بعض الفئات وتنظيمه من أجل إدخاله في معركة الإسقاط التام للدولة، فيما تُشلّ المُعارِضة لهذا المشروع وتُقوّض روحها المعنوية لكي يُفتح المجال أمام بناء نظام المُطابقة وترشيد الأيديولوجية الجديدة. لذلك، كلما رأينا مجموعة ما تُشوّه الحقائق وترفض الالتزام بها وتفتقر إلى المنطق في حملاتها الاتهاميّة أو الترويجيّة، فهذا تأكيد على أن الأسباب التي تُقدّمها ليست هي الأسباب الحقيقية، بل هناك أمر ما أعمق وراء ما يُقال. ومن السِمات المُشتركة لهذه الحملات مناخ السيطرة السياسية الذي يُرافقها حيث تبدو كل الأنشطة تحت المراقبة، وصولاً إلى أساليب أكثر تطرّفاً مثل تجريم المُعارضين. فإذا بالناس تخضع لتكرار الأكاذيب الدعائية مرّات لا تُحصى ومن زوايا مُتعدّدة، الى أن يؤدي ذلك إلى حفر التفكير المطلوب في عقولها ويتمّ قبوله كحقيقة. أما الخوف من حُرّية الكلمة الذي شهدناه ...