لا غرب ولا شرق بل لبنان فقط (2)

لا غرب ولا شرق بل لبنان فقط (2)
رفع العلم اللبناني أمام مجلس النواب (أرشيفية - نبيل إسماعيل).
Smaller Bigger
المهندس غبريال أندريا تخبرنا كتب التّاريخ في المدارس والجامعات لعصر النهضة العربيّة بدخول نابليون مصر عام 1789. وكانت الدّولة العثمانيّة حينها تساندها بريطانيا وروسيا، اللتان كانتا تعملان بقوّة لإخراج الفرنسيين من المنطقة. عندما أيقن نابليون أنّ أساطيل العثمانيين والرّوس والإنكليز بدأت تتجهّز في المتوسّط لقتاله وإخراجه من مصر، قرّر مباغتة العثمانيين باحتلال بلاد الشّام قبل أن يستكملوا استعداداتهم. فقاد جيشه عام 1799 نحو السّاحل الشّرقي للمتوسّط، واحتلّ العريش وغزة ويافا والرّملة وحيفا، ومنها انطلق إلى قرى الجنوب اللبناني وصور، حيث توقّف مدّه. لماذا؟ لأنّ مدينة عكا صمدت بقيادة أحمد باشا الجزار في وجه بونابرت، فتوازنت قوى الجيشين. هكذا تطلّع نابليون والجزّار نحو بشير الشّهابي الثّاني أمير جبل لبنان، بصفته أميراً قادراً على ترجيح من يُساعده بتأمين فوزه عبر ما يُقدّمه من رجال ومؤن. كتب الاثنان لبشير بطلب المساعدة، وقد وعده نابليون بتوسيع إمارته وتخليص بلاد الشّام من حكم أحمد باشا الجزار الذي طلب بدوره من الأمير أن يساعده عسكريّاً مقابل أن يعيد له مدينة بيروت كاملةً إلى إمارته. آثر الأمير بشير اتخاذ موقف محايد من الاثنين: يشرح المؤرّخ كمال الصّليبي أنّ اقتراب الحملة الفرنسيّة عزز التّوتّر في لبنان بين الموارنة والدّروز، إذ انتظر الموارنة، وهم أصدقاء فرنسا، وصول حملة نابليون بشوق، فيما قارب الدّروز المسألة بخشية شديدة، فحرص بشير الثّاني على تهدئة خواطر الدّروز، وكان ذلك سبباً لاعتذاره عن مساعدة الفرنسيين. (تاريخ لبنان الحديث، ص 51). كان إحراج الأمير بشير يزداد كلما طالت المعركة دون حسم دخول نابليون عكا، إلّا أنّ طول المعركة تحوّل في مصلحة الإمارة الصّغيرة وأميرها بعد تراجع الفرنسيين، وأسهم بتأسيس مفهوم جديد ارتكزت عليه "الأيديولوجيا اللبنانيّة" عند تأسيس الكيان الذي عُرِفَ بـ"لبنان الكبير": قوّة لبنان في ضعفه.سياسة بشير الحياديّة والتّوفيقيّة لم تدم طويلاً، فبعدما ركّز دعائم حكمه مع وفاة الجزار عام 1804، انصرف الى تصفية ما بقي من خصومه من إقطاعيي الجبل، وفي طليعتهم الشّيخ بشير جنبلاط، الزّعامة الدّرزيّة الوحيدة الفعّالة الباقية في البلاد، إذ إنّه بعد فشل الثّورة التي أطلقها الشّيخ بشير عام 1825، ألقى الأمير الشّهابي القبض على الزعيم الدّرزي، وحكم عليه بالإعدام بغطاء من عبد الله باشا. لم يغفر الدّروز للأمير فعلته، وأحجموا عن التّعاون الفعلي في شؤون الإمارة، منتظرين فرصتهم للثّأر، إذ اعتبروا أنّ ما قام به "الأمير المسيحي إنما هو سحق للشّيخ الجنبلاطي الدّرزي"، مما جعلهم ينظرون الى الأمير بشير "كعدو مسيحي لطائفتهم" (تاريخ لبنان الحديث، ص58).كان لدخول المصريين بلاد الشّام عام 1832 ردّ فعل مباشر على لبنان: فما إن دخلت قوات إبراهيم ...