27-09-2021 | 07:39

قيس سعيّد بين الموجود والمنشود

أثارت القرارات الأخيرة للرئيس التونسي قيس سعيد التي تلت خطابه الأخير في مدينة سيدي بوزيد، والتي اتخذت شكل تنظيم موقت للسلط العمومية من دون أن يتم الإعلان عن ذلك صراحة، جدلا واسعا لدى مختلف أطياف الشعب التونسي.
قيس سعيّد بين الموجود والمنشود
Smaller Bigger
 أثارت القرارات الأخيرة للرئيس التونسي قيس سعيد التي تلت خطابه الأخير في مدينة سيدي بوزيد، والتي اتخذت شكل تنظيم موقت للسلط العمومية من دون أن يُعلن عن ذلك صراحة، جدلاً واسعاً لدى مختلف أطياف الشعب التونسي. فهناك معارضون لهذه القرارات، ويتشكلون بالأساس من "حركة النهضة" وأنصارها والأحزاب الحليفة لها، باعتبارهم أشد المتضررين من هذه الإجراءات، وكذلك بعض الحقوقيين، وأيضاً ممن تسمي نفسها قوى ديموقراطية من الأحزاب السياسية التي لم تعرف رئيساً غير مؤسسها طيلة عقود على غرار حزب العمال.
 
وبالتالي فإن من يتهمون قيس سعيد بالاستبداد، هم أولاً، وبالأساس، المتضررون مما قام به هذا الأخير يوم 25 تموز (يوليو)، وينتمون إلى مافيات المنظومة السابقة، وعلى رأسهم "حركة النهضة" التي أوصلت البلاد إلى وضع كارثي لم تعرفه تونس طيلة تاريخها. كما أن من منتقدي الرئيس حقوقيين يؤكدون أنهم يستشرفون خطراً قادماً وجب التصدي له برأيهم قبل وقوعه. كما أن من معارضي قيس سعيد أحزاب سياسية عرفت باستمرار بمعارضتها، وأخرى دعمت ساكن قرطاج في البداية أملاً في الحصول على المواقع والمناصب، لكن حين تجاهلها سعيد انقلبت عليه وباتت في صف المعارضة، وبررت هذا التحول بأسباب واهية لم تقنع كثيراً من التونسيين.
 
لكن في المقابل، هناك مؤيدون للرئيس يتشكلون من ثلاثة أصناف، وهم أساساً أنصاره الذين آمنوا بمشروعه منذ البداية، وشكلوا قاعدته الانتخابية الصلبة التي ارتكز عليها للوصول إلى سدة الحكم، ثم الناقمون على "حركة النهضة" الإخوانية الذين وجدوا في ساكن قرطاج المخلّص من كابوس استمر عشر سنوات، وأخيراً بعض الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني على غرار "حركة الشعب" ذات التوجهات القومية العربية.
 
وتشير آخر عمليات سبر الآراء، إلى أن سعيد لديه أغلبية مساندة في الشارع التونسي تفوق السبعين في المئة، وهو ما يعني أنه لو حصلت انتخابات رئاسية سابقة لأوانها فسيخلف نفسه ويتربع مجدداً على عرش قرطاج من دون عناء ومن الدور الأول.
ويرى أنصار الفريق المعارض أن سعيد ذاهب باتجاه ترسيخ نظام استبدادي بعد الإجراءات الأخيرة التي اتخذها، والمتمثلة في وضع تنظيم جديد موقت للسلط العمومية يعوّض الدستور، منح نفسه بمقتضاه صلاحية التشريع من خلال المراسيم، والتنفيذ باعتباره الرئيس الوحيد للسلطة التنفيذية وسائراً قدماً نحو نظام رئاسي تلغى فيه صلاحيات رئيس الحكومة المألوفة في النظام البرلماني، بالإضافة إلى إمكان التدخل في مجال عمل القضاء وحتى وسائل الإعلام. وهو أمر لم يحصل في تونس منذ عهد الملك محمد الصادق باي الذي فرضت عليه فرنسا معاهدة الاستعمار سنة 1881، وقيّد سلطاته "المقيم العام الفرنسي" الذي استمر رقيباً على الملك إلى أن استقلت تونس سنة 1956، وأطاح لاحقاً بورقيبة ورفاقه في الحزب الحر الدستوري النظام الملكي سنة 1957 وأعلنوا تونس جمهورية.
 
ويؤكد هؤلاء أنه حتى في عهود الاستبداد، كانت سلطات كل من بورقيبة وبن علي مقيدة بعض الشيء وليست مطلقة بهذه الكيفية، وذلك بعدما تم إلغاء السلطة الرقابية، وهي الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين من قبل الرئيس قيس سعيد. كما أن اللجنة التي سيعهد إليها تغيير النظام السياسي، سواء تعلق الأمر بتعديل الدستور الحالي أم باعتماد دستور الاستقلال الذي تم تعليق العمل به بعد إطاحة نظام بن علي، وذلك بعد إدخال بعض التعديلات عليه، سيختار أعضاؤها قيس سعيد نفسه، وستكون استشارية ونتائج أعمالها غير ملزمة لساكن قرطاج.
 
ويبدو أن "حركة النهضة" ستجنح أكثر خلال الفترة المقبلة إلى الاستنجاد بالخارج، وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، وهي التي توجهت خلال الفترة السابقة إلى الكونغرس والإعلام الأميركيين لتحريض الرأي العام في بلد العام سام على الرئيس سعيد. ويبدو أيضاً أن الاستنجاد والاستقواء بالأجنبي على حساب رئيس الجمهورية يزيد من شعبية هذا الأخير داخلياً، وذلك برغم النجاح المحدود الذي حققته "حركة النهضة"، والمتمثل في تأليب جانب من الكونغرس ومن الإعلام الأميركي على سعيد، تماماً مثلما كانت تفعل مع زين العابدين بن علي.
 
ولعل المطلوب من الرئيس سعيد الآن، تخفيفاً منه لحدة الضغط الداخلي والخارجي، هو وضع سقف زمني لإنهاء هذه الحالة الاستثنائية، وضبط مواعيد محددة وثابتة للتفرغ من إعداد القانون الانتخابي، ومن التعديلات الجديدة للدستور. كما عليه أن يحدد موعد إجراء الاستفتاء على هذه التعديلات، بالإضافة إلى موعد الانتخابات على أساس الدستور الجديد أو التعديلات الدستورية الجديدة. حينها فقط سيسحب ساكن قرطاج البساط من تحت أرجل منتقديه ومن يتربصون به ويتآمرون عليه مع الخارج الإقليمي والدولي، ويتعلق الأمر بـ"حركة النهضة" وحلفائها. 
وما لم يفعل سعيد ذلك، فإن معارضيه سيزدادون في الداخل والخارج، سواء تعلق الأمر بالأحزاب والمنظمات الوطنية أم بالدول المانحة، أي الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي. لكن ذلك لن يؤثر بأي حال من الأحوال في أنصاره الذين يزدادون كلما سلط سهام نقده إلى "حركة النهضة" وذهب باتجاه فتح ملفات الفساد التي أرّقت مضاجع التونسيين لسنوات تحولت فيها الخضراء إلى بلد مافيات بامتياز، وأصبح الحزب الذي يرفع الشعارات الدينية جزءاً من هذه الآلة المافيوية.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.