24-05-2022 | 12:30

ذاكرة عاطفيّة جديدة في لبنان بعيد انتخابات 2022

تشكل انتخابات 2022 محطة أساسية في حياة الشباب اللبناني، إذ انها تفرز ذاكرة عاطفية جديدة في تاريخ لبنان الحديث، تعيد إحياء مفاهيم كل من المواطنة، والحياة السياسية، والوظيفة البرلمانية.
ذاكرة عاطفيّة جديدة في لبنان بعيد انتخابات 2022
Smaller Bigger
تشكل انتخابات 2022 محطة اساسية في حياة الشباب اللبناني، إذ انها تفرز ذاكرة عاطفية جديدة في تاريخ لبنان الحديث، ذاكرة تعيد إحياء مفاهيم كل من المواطنة، والحياة السياسية، والوظيفة البرلمانية.
كانت، ولا تزال، الحرب الأهلية تستحوذ على الجزء الأكبر من الذاكرة الجماعية لجيل الحرب وما بعدها، وحلّت النزاعات بين الطوائف في اتفاق الطائف، الذي كرّس الموقع السياسي للأحزاب المتقاتلة آنذاك، ومنحها شرعية المواطنة المناطقية، والحكم الطائفي، والحصانة المقدسة.
 
أما اليوم، فانتقال 14 شاباً وشابة مستقلين من ساحات الثورة نحو قاعة البرلمان في نظام انتخابي طائفي محاصصاتي، يعيد، لا شك، إحياء مفاهيم الدولة المدنية التي نحلم بالعبور إليها.
 
كنت كتبت في الذكرى السنوية الثانية لبداية "17 تشرين" أنها "بداية نهج ثوري يمهد لنشأة دولة مدنيّة صالحة للعيش، بعدما بات لا شيء فيه يصلح للحياة".
النهج الثوري أفرز العديد من الحركات السياسيّة المعاصرة، المناهضة للأحزاب السياسيّة التقليديّة، تلك المبنيّة على أيديولوجيات دينية وطائفية، وبعيدة من الأيديولوجيات السياسية النهضوية. قد يبدو هذا الفرز مناقضاً لفكر "الثورة" وتوحيد صفوفها. وبقدر ما يمكن أن يكون هذا الانتقاد صائباً، إلا أن النسيج الاجتماعي المعقّد لهذا الوطن يجعل ذلك مستحيلاً، في مجتمع يتألف من جماعات تجتمع على مبادئ بدائية، بدلاً من مجموعات مجتمعيّة تجمعها أفكار نهضوية وتغييرية. وتلك الجماعات بطوائفها وأحزابها، متشرذمة بين الولاءات المختلفة، وبين جماهيرها الضائعة بين الأيديولوجيات السياسية والأيديولوجيات الدينية، وهي لا تفقه الفرق بينها، ودور كلّ منهما في بناء المجتمعات والأوطان وتدميرها. لذا، ولو أنّ 17 تشرين لم تنجح بعد في تحقيق انتصارات سياسية كبيرة، إلا أنها أنتجت فكراً ثورياً، لدى الشباب تحديداً، وحققت انتصارات عدة، ولو أنّها ليست بعد على قدر الطموح".
 
واليوم الثورة فاقت طموحنا، ونجحت في تحقيق انتصارات سياسية تاريخية أطاحت التاريخ العائلي لعائلات إقطاعية عدة، إذ كنا لا نتوقع أن يطيح ثائر أطلق حرس المجلس الرصاص على قلبه بمصرفي مخضرم ووزير سابق مدعوم من ثلاثي الفساد والطائفية، "حزب الله"، حركة "أمل"، و"الحزب التقدمي الاشتراكي"، وذلك في الجنوب!
عبرت ثورة تشرين نحو مرحلة جديدة تستدعي بعداً جديداً في النضج السياسي، كما  تتطلب وعياً وحكمة في الحنكة السياسية.
 
المسؤولية على عاتق النواب الجدد لا تقتصر على الأمل في إخراج البلاد من أزمة تاريخية، بل المهمة الأصعب هي حفظ الذاكرة العاطفية التي ولدها انتصار 17 تشرين في أيار 2022 وصونها، إذ إنهم يعيدون ترتيب العلاقة مع الوطن من خلال مفاصل المواطنة، والحياة السياسية، والوظيفة البرلمانية.
 
لقد استعاد أولئك لنا مفهوم المواطنة، وبالرغم من الأرقام الخجولة في صناديق الاقتراع، إلا أن أصواتها كانت تصدح في ساحات السفارات والقنصليات في العالم، وكانت منضبطة أمام كل محاولات الترهيب والتخوين في صناديق الاقتراع على امتداد الوطن.
 
فقد التزم كثيرون بواجب الاقتراع، فيما التزم أكثر منهم الصمت أو العقاب الانتخابي فقاطع المشاركة لأي من الأطراف. ولكن المفارقة أن كثيرين ممن لم يشاركوا ندموا بعد حين. بعد يوم من الانتخابات صادفت فتاة عشرينية وسألتها إذا ما شاركت في الانتخابات إذ لم أجد أثراً للحبر على إصبعها، فسألتها مباشرةً: "ألم تصوّتي؟؟ ألم تمارسي حقك الانتخابي لأول مرة وتستمتعي به؟؟" كان جوابها كلاسيكياً أنها تكره السياسة و"كلن كذابين" و"أي ثورة أي بطيخ" "ما عملت شي الثورة، بكرا بيجو هني ذاتن..". والمفارقة كانت حين بدأ إعلان بعض النتائج وجاهرت بها أمامها. وقالت لي حينها مع صوت مرتجف، "بتعرفي، يا ريتني نزلت وانتخبت، حاسة بالذنب أكتر ما أني فخورة".
 
تلك العبارة هي تأكيد لإعادة إحياء مفهوم المواطنة لدى الشباب اللبناني من خلال تكوين ذاكرة عاطفية جديدة لديهم.
 
والحياة السياسية بعد 16 أيار ليست مثل قبله، إذ انخراط الشباب في المجموعات التغييرية، بالرغم من تنقلهم من مجموعة نحو أخرى إلى حين حسم خيارهم السياسي الذي قد يتغير مع أداء ذلك الخيار. هذا لا شك نضج في الحياة السياسية. وذلك الانخراط غير محدود بالمشاركة في التحركات على الأرض أو في اجتماعات اللجان التنسيقية. كما قلت مرات عدة، لقد تحوّل المجال العام السياسي نحو الفضاء الإعلامي الذي بات مجالاً للمناصرة والتوعية السياسية.
 
أما الوظيفة البرلمانية، فقد استعادت مفهوم خدمة الشعب، ولم تعد وجاهة تقوم على أسس خدماتية، بل على أساس مصلحة الوطن، وأن تطلب ذلك الاتفاق على مسائل حياتية أساسية، فيها اختلافات في وجهات النظر. 
 
 لقد سجلت 17 تشرين انتصاراً جديداً ليس فقط في دخول 14 نائباً إلى البرلمان، وذلك من خلال وعي جماعي جديد لدى شريحة الشباب، بل نجحت في تكوين ذاكرة عاطفية جديدة في الوعي الجماعي، تأثيرها قادر على استبدال ذاكرة الحرب الأهلية من أجل جعل الشعب اللبناني قادراً على تكوين عقد اجتماعي جديد، يمكّنه من العبور نحو عقد سياسي جديد قائم على إصلاح ما تهدّم والنهوض من جديد من تحت الردم، والعبور نحو دولة مدنية عادلة، منتجة، مستقلة.

الأكثر قراءة

أبلغ دونالد ترامب الكونغرس بأن الحرب مع إيران “انتهت”، في محاولة لاحتواء الجدل القانوني مع بلوغ مهلة الـ60 يوماً دون تفويض تشريعي
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
لبنان 5/1/2026 6:14:00 PM
أنباء أولية عن مجزرة في حبوش بعد إنذار إسرائيلي وغارات عنيفة: 10 ضحايا وعدد من الجرحى
لبنان 5/1/2026 8:38:00 PM
إسرائيل تنقل المواجهة إلى عمق لبنان… “المنطقة الصفراء” تشمل قيوداً على المدارس والتجمعات