23-09-2020 | 07:00

فيسبوك يُهدّد الديموقراطية والخيارات ليست متاحة كما نعتقد

تتكرر الاتهامات منذ فترة للمنصات الاجتماعية بتهديدها للديموقراطية
فيسبوك يُهدّد الديموقراطية والخيارات ليست متاحة كما نعتقد
Smaller Bigger
تتكرر الاتهامات منذ فترة للمنصات الاجتماعية بتهديدها للديموقراطية.‏
 
نُشرت في الولايات المتحدة مقالات عديدة، توجهُ أصابع الاتهام لمنصة "فيسبوك" بالتحديد. فقد ‏خرجت إلى العلن اتهامات عن التلاعبات السياسية في حسابات كثيرة على المنصة، تم ‏تجاهلها أو التعامل معها بعد شهور من التأخير.‏
 
واستخدم جيش ميانمار على مدى سنوات، موقع "فيسبوك" للتحريض على الكراهية والدعوة ‏للعنف والإبادة الجماعية ضد أقلية الروهينغا المسلمة في البلاد، ما أدى إلى الإبادة والنزوح. ‏استغرق الأمر حتى عام 2018 حتى تعترف شركة "فيسبوك" بالأمر وتعتذر عن إخفاقها في ‏التصرف‎.‎
 
بعد ذلك بعامين، تزرع المنصة مرة أخرى بذور العنف والإبادة الجماعية. هذه المرة في إثيوبيا، ‏حيث أدى اغتيال هاشالوهونديسا، المغني والناشط السياسي من جماعة أورومو العرقية في ‏البلاد، إلى أعمال عنف في أديس أبابا. حسب ما نشره موقع ‏ViceNews، الذي اعتبر أن إراقة ‏الدماء هذه كانت "بسبب المشاركة الفورية والواسعة النطاق على "فيسبوك" لخطاب الكراهية ‏والتحريض على العنف".‏
 
استفاد رودريغو دوتيرتي في الفيلبين من "فيسبوك" لاقتراف جرائم "اغتيالات لشخصيات ‏وتهديدات ومضايقات وعمليات قمع عنيفة لمعارضيه وللصحافة المستقلة"، بالإضافة إلى ‏الدعاية السياسية لإيقاظ ثعبان التطرف القومي العنيف. هنالك أمثلة عدة تطول رأيناها على ‏مدى سنوات امتداد استخدام منصة "فيسبوك" في العالم في الهند وروسيا والبرازيل وغيرها.‏
 
صوفي تشانغ تفضح أكاذيب زوكيربرغ 
 
ثم جاءت الضربة القاضية من قلب "فيسبوك". كشف موقع ‏Buzzfeed‏ في 14 أيلول ‏‏(سبتمبر) 2020، عن محتوى مذكرة نُشرت على موقع التواصل الداخلي في شركة "فيسبوك"، ‏كتبتها صوفي تشانغ، في آخر يوم من عملها في شركة "فيسبوك"؛ وهي عالمة بيانات في القسم ‏المسؤول عن مكافحة السلوك "الزائف" ‏inauthenticbehaviour، أقيلت من عملها آخر آب ‏‏(أغسطس) 2020. ‏
 
كتبت صوفي تشانغ أنه خلال السنوات الثلاث التي قضتها في عملها في شركة "فيسبوك"، رأت ‏العديد من المحاولات الواضحة من قبل الحكومات الأجنبية لإساءة استخدام المنصة، واستعمالها ‏للتلاعب وخداع المواطنين، والتأثير على نتائج الانتخابات، والترويج للمرشحين السياسيين أو ‏تقويضهم، ناهيك عن نشر المواضيع المثيرة للجدل.‏
 
قدمت صوفي تشانغ أمثلة عدة للمواقف التي تعتبرها غير طبيعية على المنصة، والتي لم يتعامل معها "فيسبوك" بجدية. على سبيل المثال كيف تأخر تسعة أشهر تعطيل شبكة كبيرة ‏من الحسابات المزيفة المستخدمة في الهندوراس لدعم الرئيس خوان أورلاندو هيرنانديز. كذلك ‏الأمر في أذربيجان حيث تطلب فتح تحقيق داخلي أكثر من عام من قبل "فيسبوك" بعد التقارير ‏الأولى عن شبكة استخدمت لمضايقة المعارضة في أذربيجان. كذلك الأمر في بوليفيا ‏والإكوادور. وغيرها من الدول. أكدت عالمة البيانات أنه لم يتم التعامل جدياً حتى مع ‏العمليات غير القانونية، "بسبب نقص الموارد البشرية".‏
 
‏"أعرف أن يدي ملطخة بالدماء الآن"
أُمِرَت صوفي تشانغ بالتوقف عن التركيز على مسائل خارجة عن نطاق دورها بعد مشاركتها ‏ملاحظاتها مع رؤسائها. وكتبت أنها رفضت صفقة إنهاء الخدمة بمبلغ 000 64 دولار. ‏إذ  ينطوي قبول هذا المبلغ على توقيع اتفاق عدم تشويه السمعة، ما من شأنه أن يحدّ من قدرتها ‏على التحدث علناً عن الشركة. كتبت تشانغ: "أعرف أن يدي ملطخة بالدماء الآن".‏
 
وأضافت تشانغ في مذكرتها أن "فيسبوك" غالباً ما يركز على المشكلات العامة مع تجاهل العديد من ‏الحالات الفردية للتلاعب السياسي الواضح، مثل استخدام "فيسبوك" للتأثير على الرأي العام في ‏بلدان مثل أوكرانيا والهند والعديد من الدول الأميركية والأوروبية الأخرى. "لقد تم تجاهل ‏الجانب المدني بسبب حجمه المنخفض. ويتجاهل تأثيره".‏
 
توضح مذكرة تشانغ أيضاً كيف أن الموظفين، حتى أولئك الذين هم على مستويات متوسطة ‏ومتخصصون في مجالات مثل علم البيانات، مثلها، لديهم سلطة هائلة داخل "فيسبوك"، إذ يجدون ‏أنفسهم بانتظام في وضع يمكنهم من اتخاذ قرارات يمكن أن تؤثر على الحياة السياسية لبلد ‏بأكمله. وكتبت: "لقد اتخذت شخصياً قرارات كان لها عواقب على قيادات معينة، وفرضت ‏عقوبات على عدد من القادة السياسيين في جميع أنحاء العالم لدرجة أنني فقدت العدد". ‏
 
تشير تشانغ في مذكرتها الى أن تصرف "فيسبوك" ليس تصرفاً خبيثاً، بل هو نتيجة التراخي في ‏التعامل مع بعض المحتويات، وأن قرارات "فيسبوك" هي قرارات على المدى القصير، وهي إلى ‏حد كبير مُسيَرة بهمّ العلاقات العامة والخوف من إثارة "الاهتمام السلبي" ‏negative ‎attention‏.‏
 
الدور السلبي للنموذج الاقتصادي لـ"فيسبوك" ‏
تمنّع مارك زوكيربرغ عن الإجابة عن كثير من الأسئلة المحرجة خلال جلسة استجوابه في ‏الكونغرس الأميركي في نيسان (إبريل) 2018، متحججاً بأن فريقه سيقوم بالإجابة. وإجاباته تمحورت ‏غالباً حول أخطاء تقنية. ‏
 
الواقع معاكس لأكاذيب زوكيربرغ. المشكلة ليست تقنية، بل هي البنية الأساسية والنموذج ‏الاقتصادي لـ"فيسبوك" وغيره من المنصات الاجتماعية.‏
 
النموذج الاقتصادي للربح المادي، عبر استغلال البيانات الشخصية وتتبع المستخدم، لتقترح ‏المنصة ما يجذبه ويتناسق مع أذواقه واحتياجاته لكي لا يخرج من بيئتها. ولتجني الأموال من ‏خلال الإعلانات المستهدِفة، وأيضاً كسب المال من رعاية المنشورات لدفعها لتصبح مرئية ‏على صفحات المستخدمين‎.
 
وهذا ما يعرف باقتصاد الانتباه ‏Attention Economy، بحيث ‏يعامَلُ فيه انتباه الإنسان وكأنه سِلعة نادرة، أي أن "الانتباه" هو مورد مادي للذي يتمكن من ‏الاحتفاظ بانتباه المستهلك لأطول مدة ممكنة‎.‎
فهذا النموذج الاقتصادي للمنصات الاجتماعية هو اليوم موضع اتهام لدوره السلبي في التجييش ‏والتلاعب بالرأي العام، عن طريق نشر الأخبار المضللة والمزيفة والتلاعب بمشاعر ‏المستخدمين التي تجذب المستخدم للبقاء أكبر وفت ممكن في بيئة المنصة.‏
 
لماذا هذا التأثير الكبير للشركات الرقمية؟
ما حدث في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016؛ والخوف المتصاعد اليوم من تدخلات ‏روسية وصينية في حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية الحالية. كذلك اتهام "فيسبوك" في التأثير في ‏استفتاء الـ‎ Brexitخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وغيرها من الانتخابات في العالم، يُبين ‏أن نشر الأخبار المضلِّلة والتلاعب في مشاعر الناخبين، لوّث كل محاولات النقاش الديموقراطي.‏
 
السبب، علاقتنا التكافلية الوطيدة مع التطبيقات المختلفة، فنحن بحاجة إليها كما هي بحاجة ‏لبياناتنا. فسهولة استعمال التطبيقات والخدمات جعلت من البشري غير متفاعل وكسولاً. كذلك، ‏تولد اللايكات والمشاركات على المنصات الاجتماعية مشاعر سعادة أو اكتئاب أكثر من مرة في ‏اليوم. يعتبر مطور زر الإعجاب جستين روزنشتاين، "أن موقع "فيسبوك" من خلال خوارزمياته ‏يسلب عقلنا ويخطف حياتنا"، وعبّر عن ندمه من تطوير زر الإعجاب الذي تحول مع الزمن ‏إلى "مخدر كمخدر الدوبامين"، حسب قوله.‏
 
ثم كان المثال الأشهر مع عملية شركة كامبريدج اناليتيكا، التي من خلال استخدام الأخبار ‏المضلِّلة، كانت الأداة أو الأسلوب لتحريك بعض الناخبين وجعلهم منيعين وغير قابلين لتقبل الرأي الواقعي والصحيح أو فهمه. فبخلاف التلفزيون، يمكن لمن يودون التلاعب بمشاعر ‏المستخدمين، أن يصلوا مثلاً للناخب مباشرة من خلال هاتفه الذكي، وفي الوقت الذي يكون فيه ‏في أقصى درجات الضعف السيكولوجي/النفسي‎.‎‏ فهذه التقنية التي كانت مستخدمة للإعلانات، ‏أي لاقتراح ما يهم المستخدم، بدأت تستخدم لتغيير تصرفات المستخدم لكي يهتم بأمور معينة، ‏وهي تعرف اليوم‎  ‎بعقيدة ‏Gerasimov، أصبحت أداة مخيفة ما إن بدأ تطبيقها في السياسة‎.‎
 
منصة "فيسبوك" هي بلا شك مربحة جداً لمؤسسها مارك زوكربيرغ، لكنها كارثة بالنسبة للعالم، ‏هي اليوم أداة لنقل جنون العظمة والدعاية ونظريات المؤامرة، بالإضافة إلى الحملات القمعية ‏الاستبدادية والهجمات الشرسة على الصحافة المستقلة. أينما حلّت منصة "فيسبوك"، تتبعها ‏الفوضى وزعزعة الاستقرار‎.‎‏ نعلم اليوم كيف أن المنصات الاجتماعية، و"فيسبوك" بالتحديد، هي ‏أدوات تأثير، من خلال تقنيات التلاعب بتصرفات المستخدمين ومع خوارزميات الذكاء ‏الاصطناعي، باتت لديهم القدرة، بهدف الربح المادي الغشيم، على تدمير أسس مجتمعاتنا.‏
 
 
 
 
 
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 5/24/2026 12:00:00 AM
نادين لبكي تستعيد صورة لبنان المقاوم بالفنّ من على مسرح كانّ.
لبنان 5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"
لبنان 5/24/2026 10:17:00 PM
لم تلقَ هذه المواقف أي تبرير...