عادت تركيا إلى العربدة في الغرب الليبي المنزوع السيادة، بفعل ولاء الميليشيات الإخوانية المهيمنة أمنياً على الميدان لأنقرة، وذلك من خلال نشر وحدة عسكرية جديدة للرصد مدعومة بطائرات على حدود ليبيا مع تونس. ويدخل هذا الإجراء على ما يبدو في إطار طمأنة إخوان ليبيا الى أن أنقرة موجودة إلى جانبهم، وذلك بعد سقوط حكم نظرائهم في تونس، وبعد التحركات الأخيرة لخصمهم اللواء خليفة حفتر الذي انفرد بالقرار وقام بتعيينات جديدة في الجيش من دون العودة إلى المجلس الرئاسي.
ويرى البعض أن الهدف من هذه التحركات المتوقعة من الأتراك هو تقوية الميليشيات الإخوانية في الغرب الليبي، والزج بها في عمليات قتالية ضد حفتر، وذلك لمنع إجراء الانتخابات خلال شهر كانون الأول (ديسمبر). وأياً كانت الأسباب، فإن من غير المقبول أن يستبيح الأتراك ليبيا بتلك الطريقة ويهددوا جيرانها ضمنياً، الأمر الذي دفع بالجيش التونسي إلى البقاء في حالة الاستنفار على الحدود مع ليبيا، للحيلولة دون دخول عناصر تكفيرية بدفع من الأتراك لإحداث حالة من الفوضى من خلال القيام بعمليات إرهابية.
ويأتي أيضاً في إطار رسائل الطمأنة لإخوان ليبيا، وفي إطار العربدة، ما صرح به وزير الدفاع التركي خلوصي آكار من أن قوات بلاده لن تغادر ليبيا باعتبارها غير أجنبية، على حد تعبيره. وبالتالي فإن أنقرة غير معنية برأيه بطلب الإرادة الدولية الداعي إلى رحيل القوات الأجنبية عن ليبيا، باعتبار أن المقصود بالقوات الأجنبية، بحسب الوزير التركي، قوات أخرى غير القوات التركية وغير المرتزقة السوريين ذوي التوجهات الإخوانية والتكفيرية الذين جلبهم الأتراك.
فالمستعمر التركي السابق والحالي لليبيا يتحدى المجتمع الدولي، ولا يعبأ بالرفض الشعبي والرسمي لوجوده، والذي عبرت عنه بصراحة وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش وقوبل طلبها بهجوم عنيف من الميليشيات الإخوانية المرابطة في طرابلس. كما لا يبدو أن الأتراك سيتركون جيران ليبيا وشأنهم، فقد بدأت بعض الأطراف في ليبيا، بتحريض من الأتراك، تنادي بمراجعة الاتفاقيات الحدودية البرية والبحرية بين تونس وليبيا، رغم أن تونس، مركز الحضارة في بلاد المغرب، هي أشد المتضررين من التقسيم الاستعماري للمنطقة وخسرت مساحات شاسعة، سواء بسبب جشع فرنسا التي كانت تعتقد أنها باقية في الجزائر إلى أبد الآبدين، أم العثمانيين الذين جعلوا طرابلس الغرب إيالة منفصلة عن تونس الحفصية.
ولعل السؤال الذي يطرح: كيف سيتصرف المجتمع الدولي إزاء هذ العربدة التركية الرافضة للانسحاب؟ هل سيتم اللجوء إلى العقوبات الاقتصادية؟ أم سيتم الدفع بقوات مسلحة تتولى مهمة طرد القوات التركية تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة مثلما حصل مع العراق حين احتل الكويت؟ وما هو مصير المرتزقة السوريين الذين يقاتلون تحت الراية التركية، والذين سيتم إجبار الدولة الليبية على تضمين رواتبهم في الموازنة العامة للتخفيف من احتقانهم وتهديدهم بالتمرد، بعد تأخر الأتراك في صرف هذه الرواتب؟ وهل تركيا تعربد في ليبيا وتتحدى بكل هذا الصلف والعجرفة من تلقاء نفسها ومن دون ضوء أخضر أميركي؟
في الحقيقة لا يبدو أن الخيار العسكري مطروح لإخراج القوات التركية من ليبيا في الوقت الراهن، ولا خيار العقوبات الاقتصادية مطروح أيضاً، وكل ما في الأمر أن أهم المتدخلين الكبار في الشأن الليبي ما زال غير راغب في رحيل القوات التركية في الوقت الحاضر. وعندما تحين اللحظة المناسبة ستغادر تركيا الأراضي الليبية راضخة صاغرة للولايات المتحدة الأميركية، مع ضمان حصولها على منافع اقتصادية وسياسية كثمن للخدمات المسداة لواشنطن في الأراضي الليبية.
وبالتالي، فإن الثقة المفرطة التي تحدث بها وزير الدفاع التركي، وتأكيده أن قوات بلاده باقية في ليبيا، مرده إلى علمه بعدم جاهزية الحل النهائي بعد، وهو الذي سيعجّل بمغادرة هذه القوات ومرتزقتها الأراضي الليبية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة تدفع باتجاه إجراء الانتخابات في موعدها، وترى في وجود القوات التركية ضمانة حتى لا يسيطر خليفة حفتر على طرابلس ويفرض واقعاً جديداً قبل الانتخابات.
فالأتراك هم وكلاء يحققون مصالح الأسياد في واشنطن، من دون أن يضطر الأميركيون إلى تعريض جنودهم للخطر في الميدان الليبي الملغم، وحين تنتهي مهمة الوكيل يسلم مقاليد الأمور إلى موكله ويرحل. ويدرك الأتراك جيداً هذا الأمر، وهو ما يجعلهم يدفعون باتجاه تأجيل الانتخابات بأي وسيلة كانت، حتى وإن اضطروا إلى العودة بالبلد إلى مربع العنف والاقتتال الأهلي.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض