18-08-2021 | 09:45

عيدٌ بنكهة البنزين!

أمس، استيقظت باكراً ومفعماً بالحيويّة، كيف لا وهو عيد مولدي، اليوم الذي عادة ما يكون مميّزاً في حياة كلّ منا. إلا أنّ سبب نشاطي هذا كان مختلفاً، فأنا ذاهب في مهمّة مقدّسة حاولت طيلة ثلاثة أيام أن أنجزها، لكنها كانت تنتهي في كلّ مرّة بخيبة كبيرة وفشل ذريع. ألا وهي مهمة "تعبئة البنزين"!
عيدٌ بنكهة البنزين!
Smaller Bigger

أمس، استيقظت باكراً مفعماً بالحيويّة، كيف لا وهو عيد مولدي، اليوم الذي عادة ما يكون مميّزاً في حياة كلّ منا. إلا أنّ سبب نشاطي هذا كان مختلفاً، فأنا ذاهب في مهمّة مقدّسة حاولت طيلة ثلاثة أيام أن أنجزها، لكنها كانت تنتهي في كلّ مرّة بخيبة كبيرة وفشل ذريع. ألا وهي مهمة "تعبئة البنزين"!

 

كنت مصرّاً في هذا الصباح الجميل أن أتمم المهمة بنجاح منقطع النظير، أي أن أحظى بـ"تفويلة" العمر، التي من شأنها أن تُبعد عني خطر "الضوء الأصفر" لأسبوع أو أكثر، وكان الأمر أصلاً قد خرج من يدي، فكميّة البنزين المتبقية في السيارة يمكن أن توصلني إلى المحطة، لكنّها حتماً لن تعيدني إلى المنزل!

 

حضّرت جعبة القهوة والماء، وتوجهت إلى إحدى المحطات المشهورة بـ"التفويل"، كون غالبية أخواتها عكفت على تعبئة "تنكة" (صفيحة) كحد أقصى. وقفت في طابور طويل أنتظر أن تفتح المحطة أبوابها. مرّ الوقت والسيارات لا تتقدّم وبدأت شمس آب (أغسطس) الحارقة بالسطوع، ولا يمكن طبعاً في حالتي أن أتنعّم بمبرّد الهواء كي لا أستهلك ما تبقى من مخزون البنزين، مهمته الأساسيّة إيصالي إلى هدفي ومبتغاي.

 

بعد انتظار دام ساعتين، أصبحت محاصراً بطابور سيارات ثانٍ، كما شكّل الوافدون طابوراً ثالثاً، قبل أن يلفت نظري صف رابع للآليات مصدره شارع فرعي ملاصق للمحطة. وهكذا بدأ الحديث عن "طابور خامس"، لا دخل للناس فيه، إنّما جهات خفيّة تقوم بتخزين وتهريب المحروقات. هذا الطابور المدعوم من المتحايلين والمحتكرين الذين كانت المؤسسات الأمنيّة قد بدأت منذ أيام بالكشف عن "آبارهم النفطيّة"، التي سرت نكات عنها بين المواطنين الذين ينتظرون "الفرج"، حيث أكّد بعضهم أنّ "أوبك" بدأت بالمفاوضات مع لبنان لاستيراد المحروقات المخزنة تحت الأرض، وآخرون شدّدوا على أنّ الكميات المخبأة تفوق بحجمها تلك الموجودة في بحر لبنان.

 

في هذه الطوابير الطويلة تتعرّف إلى أنواع مختلفة من الناس، كثر منهم سائقو سيارات أجرة  لا يستطيعون أداء عملهم إذا لم ينتصروا أوّلاً في "معركة البنزين"، ومثلهم عمال التوصيل (دليفري) أو موزعو المواد الغذائية والمياه والبضائع المختلفة. آخرون يعملون في مجالي الطب والتمريض، الذين من المفترض أن يؤدوا واجبهم الإنساني في الوقت الذي يُذلّون فيه أمام المحطات. البعض الآخر من عناصر القوى الأمنية وموظفي الدولة الذين لم يستطيعوا الالتحاق بخدمتهم أو الوصول إلى مكاتبهم الرسميّة. وغيرهم المئات من المواطنين العاملين بمجالات أخرى، الحالمين بالحصول على "الذهب الأخضر".

 

وفي خضم مهمتي المقدسة، وصلتني رسالة من صاحب مولدات الكهرباء في المنطقة التي أسكن فيها لتوقظني من حلمي الكبير. لا كهرباء حتى إشعار آخر بسبب تعذّر الحصول على مادة المازوت، هكذا وبكل بساطة أبلغنا "بديل الدولة" أنّنا سننام الليلة على "العتمة"، وسنضطر إلى التخلص من الطعام الذي يحتاج إلى ثلاجة، كما أننا لن نتمكن من أن "نتكيّف" بهواء المبرّد المنعش في عز الصيف. حتى هذا البديل الذي لجأنا إليه بسبب تقاعص الدولة عن تأمين أدنى الخدمات لنا، رغم عشرات مليارات الدولارات التي أهدرتها على خطط الكهرباء، قد خذلنا!

 

فجأة أدركت أنّ العطش الشديد بدأ يؤثر في قدرتي على تحمّل الأنباء السيئة ومشقة رحلتي، بعد أن كنت قد استهلكت آخر قطرات المياه التي في جعبتي. ترجلت من السيارة وبدأت البحث عن قارورة أروي بها ظمأي، لكن من دون جدوى، فشركات المياه قد أوقفت منذ أسبوعين عمليات التوزيع نظراً لنفاد البنزين من شاحناتها. بعد معاناة طويلة استطعت الحصول على قارورة صغيرة بأكثر من ضعف سعرها، نظراً لندرتها، ولأنّها "باردة" كما قال البائع.

 

أكملت الطريق وساعات الانتظار باتت طويلة، لأنّ مالك المحطة قرّر إغلاقها مرتين بسبب إشكالات وتضارب على "أفضليّة الدور". أخيراً وصلت إلى عتبتي المقدسة، وحين شعرت بأنّ نجاح مهمتي بات في "الجيب"، قرّر مسؤول المحطة إغلاقها "لنفاد المخزون"، وصاح الموظفون بنا: "عودوا غداً صباحاً". لكنّ أحدهم أسرّ لي أنّه سيعيد تشغيل الماكينات بعد رحيل الناس لتزويد "الخاصات" وموظفي المؤسسات الدوليّة بحاجتهم من هذه المادة، وطلب مني الانتظار. لم أستطع الرحيل إلى المنزل مهزوماً، إذ لا بدّ من تحقيق انتصار على هذه الزمرة المتحكّمة بنا ولو لمرّة واحدة، كما أنني كنت قد استهلكت ليترات البنزين القليلة التي كنت أفخر بامتلاكها.

 

بقيت مصرّاً على الثبات في مكاني داخل المحطة "الفارغة" من المخزون، حتى عندما حاول بعض الموظفين الآخرين طردي. غابت الشمس ولا أزال أنتظر إعادة تشغيل الماكينات تحت شعار "يا قاتل يا مقتول". أخيراً بانَ الفرج عند السابعة مساء حين بدأت سيارات موظفي المؤسسات الدولية تدخل إلى المحطة للتزوّد بحصتها، فحاولت بمسعى من الموظف أن أحصل على "تنكة" واحدة تحقق لي نصراً معنويّاً، لكنني طُردت إلى الخارج، حيث قال لي أحدهم "هذا البنزين ليس للمواطنين العاديين".

 

وقفت حائراً، ماذا أفعل الآن؟ كيف يمكن لزوجتي أن توصل ابنتي الصغيرة غداً إلى الحضانة قبل الذهاب إلى عملها؟ وبينما كنت غارقاً في التفكير وصل صديقي "الدركي" الذي شكى لي منذ أيام أنّ راتبه كرجل أمن لم يعد يكفيه بدلاً للإيجار، وحتى الخدمات الطبيّة التي كانت تتوفّر له مجاناً، بات مرغماً على دفع ثمنها من الدولارات المعدودة التي يتقاضاها. كانت زوجتي قد أرسلته للبحث عني ظناً منها أنني وقعت في مشكلة ما، بعد أن "خرجت عن السمع" منذ أربع ساعات بسبب نفاد شحن هاتفي. استعرت سيجارة من صديقي رغم أنني لست من محبيها، ولا أطيق رائحتها، لكن في تلك اللحظة اجتاحتني رغبة بـ"التنفيخ" والتنفيس.

 

فور انتهائي من "تنفيخ" السيجارة، توجهت إلى المحطة مجدداً للبحث عن الموظف الذي وعد بمساعدتي، كنت أريد أن أقول له أنّ "وعدَ الحرّ دينٌ" إلا أنني وجدته يقود سيارة أحد "المحظيين" لملء خزانها بالوقود. وقفت مذهولاً أمام هول المشهد. وقبل أن أنطق وقعت عين المسؤول عليّ، وهو الذي كان قد حفظ مظهري عن ظهر قلب، سألني عن قصتي فرويتها له، هزّ رأسه وقال كلماته السحريّة: "جيب سيارتك وتعا لعندي". ركضت نحو السيارة ودخلت بها المحطة مجدّداً متسلّحاً بـ"وساطة المسؤول"، ورويت عطشها حتى آخر رمق بـ"تفويلة" من العيار الثقيل.

 

في طريق عودتي إلى المنزل مزهواً بالنصر الذي حققته، تذكرت حديثاً جرى منذ مدة مع شقيقتي التي تعمل في الإمارات العربية المتحدة، كشفت لي خلاله أنّ أي شيء تتمناه في هذا البلد الخليجي تحصل عليه بواسطة تطبيق واحد فقط لا غير، حتى البنزين يمكنك أن تطلبه "دليفري" عبر هذا التطبيق (application) إلى أيّ مكان تريده وبالسعر الرسمي المعتمد!.

 

وصلت إلى منزلي مرهقاً، قبّلت ابنتي الصغيرة بعد مهمّة شاقة استغرقت 13 ساعة. تناولت طعامي بـ"خبز الشعير" كون الخبز العربي الذي يشتهر فيه بلدنا أضحى من الجواهر النادرة، ودخل في بازار السوق السوداء هو الآخر، بعد أن بلغت طوابير الانتظار للحصول عليه مئات الأشخاص. بعدها قررت كتابة هذه الكلمات لأشارككم تجربتي الخاصة، التي يمكن أن تنطبق على غالبية اللبنانيين، مع اختلاف التفاصيل والأماكن ربما، علّها تكون عبرة لبعض من لا يزال مؤمناً بالخلاص على أيدي الأحزاب والكارتيلات التي تتحكّم برقابنا.

 

بعد قليل سأستسلم للنوم على الشرفة أو بلاط غرفة الجلوس، متأملاً انتصاري المدوي، منتظراً زيارتي المقبلة لقبر أبي الذي رحل منذ أسبوعين، ولم أستطع منذ ذلك الحين أن أزوره، أو أمي التي تسألني يوميّاً إن كان الله قد وفقني بـ"ذهب أخضر" يمكّنني من رؤيتها. سأنام الليلة مسروراً، وأنا أحلم بأن أقضي عيدي المقبل مع عائلتي في أيّ مكان... إلا لبنان!

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 2:25:00 PM
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها