16-04-2022 | 09:30

تقديم جديد لمشاورات يمنيّة قديمة

مؤتمر حرض واحد من أبرز المؤتمرات خلال تاريخ الثورة اليمنية 26 أيلول (سبتمبر) 1962، شمال اليمن. هو أول مؤتمر وطني يمني ينعقد على أرض يمنية في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 1965 جامعاً ممثلي الجمهورية الجديدة والمملكة القديمة تلمساً لطريق الخروج من الحرب إلى السلام.
تقديم جديد لمشاورات يمنيّة قديمة
Smaller Bigger
مؤتمر حرض واحد من أبرز المؤتمرات خلال تاريخ الثورة اليمنية 26 أيلول (سبتمبر) 1962، شمال اليمن. هو أول مؤتمر وطني يمني ينعقد على أرض يمنية أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 1965، جامعاً ممثلي الجمهورية الجديدة والمملكة القديمة تلمساً لطريق الخروج من الحرب إلى السلام.
 
مؤتمر أركويت
ثمة مؤتمر وطني آخر سبق هذا المؤتمر، لكنه انعقد وسط مدينة عربية خارج الأراضي اليمنية، مستهدفاً إخراج الأرض اليمنية من دائرة الصراع المسلح وحروب الوكالة. كان ذاك هو مؤتمر أركويت، في السودان، الذي نص اتفاقه المبرم في أول تشرين الثاني (نوفمبر) 1964 بين ممثلي الجانبين الجمهوري والملكي على عقد مؤتمر حرض أيضاً. لكنه لم ينعقد، فكان ذاك أول اتفاق يمني - يمني لا يلتزم به اليمنيون.
 
ثابت مُحرِّك للمؤتمرات
تُرى ما كان الثابت السياسي السابق لعقد المؤتمرين: أركويت وحرض؟
الثابت السياسي السابق هو: إبرام الاتفاق بين القاهرة والرياض، ممثلَين في كل من الرئيس جمال عبد الناصر، والملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود. إذ انعقد المؤتمران بناءً على اتفاقين ولقاءين مباشرين بين المرجعين العربيين خلال أقل من سنة واحدة.
فمؤتمر أركويت انعقد بتاريخ 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1964 عقب شهر ونصف الشهر من لقاء الرئيس عبد الناصر وولي العهد فيصل الذي صار ملكاً بعد شهرين من توقيع اتفاق الإسكندرية في 14 أيلول (سبتمبر) 1964.
 
أما مؤتمر حرض فقد انعقد بتاريخ 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 1965 بعد 3 شهور من توقيع اتفاق جدة في 24 آب (أغسطس) المبرم بين ناصر وفيصل.
 
لقاء وميثاق الطائف
وُقع اتفاق جدة بعد أسبوعين من رعاية الملك فيصل لأول لقاء يمني بين من سمّوا بالجمهوريين المنشقين، والملكيين المتشددين والمنشقين أيضاً. ذاك هو "لقاء الطائف" الذي أسهم في ترتيبه "اتحاد القوى الشعبية"، واعتنى بصياغة ميثاق الطائف المتضمن حلاً وسطاً ينص على نظام وإسم موقت للدولة اليمنية هو "دولة اليمن الإسلامية" لفترة انتقالية لا تزيد عن عام واحد ثم إجراء استفتاء على نظام الحكم وطريقته... ضُمت وقائع لقاء الطائف ووثيقته ضمن كتاب "مؤتمر الطائف: جمع وإعداد زيد بن علي الوزير".
 
الثابت والمتغيّر في رئاسة وفود المؤتمر
ثمة ثابت لدى انعقاد كلا المؤتمرين (ومؤتمر الطائف أيضاً، ثم المصالحة الوطنية 1970) كان هو المرحوم السيد أحمد محمد الشامي الذي بقي رئيساً للوفد الملكي حتى انعقاد المؤتمرين، بصفته وزيراً لخارجية الجانب الملكي، ما يضعه على رأس وفود التفاوض، لما كان يتمتع به من خبرة دبلوماسية وتجربة في العمل السياسي وقدرة أدبية خاصة.
 
بينما تغير نظراؤه الجمهوريون، وهم أصدقاء قدامى وزملاء نضال سياسي ثم أنداد مواقف، لكنهم تغيروا وتداولوا على رئاسة الوفد الجمهوري لأسباب طبيعية بحتة. فالذي قابله بصفته رئيساً للوفد الجمهوري إلى مؤتمر حرض هو القاضي عبد الرحمن الإرياني، بعد استشهاد زميلهما وصديقهما الشهيد القاضي محمد محمود الزبيري الذي سقط غيلة يوم الفاتح من نيسان (أبريل) 1965. وسبق أن ندد الشامي بأركويت.
 
نصوص المؤتمرين ووثائقهما
لم يظهر نص مكتمل عن محاضر مؤتمر أركويت سوى وثيقة تقريرية شاملة، صاغها الشهيد محمد أحمد نعمان (ضمها كتاب "مسار حوار" جمع وإعداد: لطفي نعمان) عضو الوفد الجمهوري إلى أركويت، حيث اتفق هناك على عقد مؤتمر حرض الأول الذي لم يحضره الوفد الملكي أصلاً. بينما ظهر كتاب شامل عنوانه "مؤتمر حرض وثائق ومحاضر" من جمع وإعداد "السيد عبد الله الحسني".
 
من هو "السيد عبد الله الحسني"؟
ثمة من يقول متأكداً بيقين تام، وآخر متكهناً مِمّا ردده الأنام، أن السيد عبد الله الحسني هو نفسه المرحوم أحمد محمد الشامي. بالرغم من أن الشامي نفسه استهل مقدمته بالقول إن "الصديق عبد الله الحسني" طلب إليه أن يقدم "لهذا الكتاب النافع إن شاء الله" ... وكتب الحسني إن الشامي "تكرّم فأتحفنا بمقدمة تاريخية..."، وأورد المرحوم محمد الشعيبي في كتابه "مؤتمر حرض ومحاولات السلام باليمن" أن "السيد عبد الله الحسني مواطن سعودي".
 
غير معلومٍ تماماً ما إذا كان سبب ترجيح الواثقين بأن الحسني والشامي شخص واحد، هو صدور كتاب "مؤتمر حرض" في شباط (فبراير) 1966 عن دار النشر اللبنانية نفسها "دار الكتاب الجديد" التي أصدرت كتاب الشامي "إمام اليمن أحمد حميد الدين" في تشرين الأول (أكتوبر) 1965.
 
جدليّة وموضوعيّة
الجدل حول شخص جامع الكتاب وصاحبه ووجوده من عدم وجوده، يسقط أمام أهمية ما ورد في الكتاب وصدقيته، لكنه يتسق مع الإشكالية الجدلية التي احتواها الكتاب نفسه، عن مؤتمر حرض وما طال فيه من وقوف الجانبين اليمنيين الجمهوريين والملكيين على عتبات النقاش حول إقرار جدول أعمال المؤتمر الذي انتهى إلى الفشل، وحمّل كل طرف يمني الطرف الآخر مسؤولية هذا الفشل.
 
عموماً، فإن الكتاب، وإن عدّ معبّراً عن رؤية الجانب الملكي، وفق تقدير بعض الجمهوريين، لكنه يُعَد وثيقة منصفة لوضوح رؤية الجمهوريين ومنهجيتهم وعلميتهم، الأمر الذي كسب حتى نصرة الجانب السعودي (الذي يعتبر منحازاً لجانب الملكيين) ببعض مداخلات تقنية منظمة لعمل المؤتمر، قياساً بمحاولات القفز الملكي على جدول الأعمال، رغبة في بدء إلغاء النظام الجمهوري أثناء فترة الانتقال، قبل السير وفق جدول الأعمال.
 
يمننة الأمس
سيلاحظ القارئ اليوم لهذا الكتاب عن مؤتمر الأمس اختلافاً في تناول العلة اليمنية (اليمننة) تلك الأيام، من ناحية الوثائق بما انطوت عليه من حجج وطروحات لا تخلو من منطق سديد... ثم المحاضر الشاملة للتحفظات والمهاترات والمناورات، بصدورها عن مستوىً رفيعٍ من اللغة والثقافة والأدب وبراعة الالتقاط، وخبث الاصطياد، وبديهية الاجتهاد وعلميته، وبراعة الاستشهاد بالمأثورات، شعراً ونثراً ونصاً قرآنياً وحديثاً نبوياً من أعضاء كلا الجانبين مع لطف التبرير أكان لتعديل... وحتى تعطيل (!) الموقف ووجهة النظر أو تمرير الفكرة والرأي ومساعي التهدئة بعد توتر أو تشنج أو تطرف طرف ضد آخر في حالة من "عدم تكافؤ الصراع فعلاً..." حسب تقديم الشامي للكتاب.
 
لا يعدو عدم التكافؤ الممتد إلى خيمة المؤتمر، أن يكون إلا بين جديد وقديم.
 
بين مسيطر على أكثر المدن الرئيسية وعُزلها على نطاق واسع من الأراضي اليمنية، ومتنقلين في العُزل والقُبُل وأجزاء يسيرة من مدن رئيسية شمال اليمن.
بين نظام عصري معترف به دولياً، ونظام متخلف عن مسرح العصر في التاريخ والسياسة الدولية.
 
تطورات ما بعد حرض
لأنه صراع غير متكافئ انفض المؤتمر على غير شيء، ويمم الطرفان وجهيهما شطر وجهتيهما يشهدان بل ويصنعان التحول تلو التحول، وقد كان ما كان معروفاً عن التبدلات الجمهورية من حيث استغراق الجهود للتغيير الذي أدى إلى حركة الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) 1967، وتشكيل مجلس جمهوري برئاسة القاضي عبد الرحمن الإرياني، عقب مغادرة الرئيس المشير عبد الله السلال إلى موسكو عن طريق القاهرة وبغداد، متزامناً مع مغادرة القوات العربية لمسرح العمليات اليمنية، إنفاذاً لاتفاق الخرطوم بين ناصر وفيصل عقب هزيمة 5 حزيران (يونيو) 1967.
 
بعد مغادرة تلك القوات لليمن، أطبق الملكيون الحصار على العاصمة صنعاء قرابة سبعين يوماً، فاجأتهم بأن زادت خلالها الجمهورية ثباتاً وطنياً من قبل العسكريين والمشايخ والتقدميين من الشمال والجنوب، من دون مؤثر خارجي، بينما زادت الملكية اهتزازاً لدى المسرح الخارجي. وانتصرت الجمهورية ببقائها واقعياً ووجدانياً، بينما اندحرت الملكية وأرادت تجديد ذاتها ملتمسة طريق المؤتمرات وأشهرها "مؤتمر صعدة" برعاية سعودية، في حزيران (يونيو) 1968 استهدفت ما يمكن تسميته اليوم "إعادة هيكلة الشرعية" عبر تشكيل مجلس إمامة برئاسة محمد بن الحسين، ما يعني التخلي عن شرعية الإمام محمد البدر. إلا أن مقررات ذلك المؤتمر، الذي احتج كثير من الناس على تحضيره والمقررات المزمع صدورها عنه، لم تدم طويلاً، فحيل بين تواري البدر واستمرار الأمير محمد بن الحسين على رأس مجلس الإمامة، لما خلق ذلك من شق للصف الملكي، فعاد التعامل مع الإمام الشرعي برغم كل المآخذ عليه.
 
السلام ختام
نجم عن تلك التطورات المتعاقبة على ضفاف الملكية اليمنية تفاعل الضفاف الجمهورية عبر الاتصالات الشخصية مع عناصر ملكية خارج نطاق المؤتمرات. فدار حوار الطرفين الجمهوري والملكي في زمن معين، مهّد لمجيء السلام في أوانه المناسب أيار (مايو) 1970، بيد وإرادة من اختلفوا في حرض وأركويت من قبل (الإرياني والشامي والنعمانين الأب والابن - أحمد ونجله محمد - ومن لف لفهم من رجال الوطنية اليمنية، عسكريين ومدنيين ومشايخ) ثم اتفقوا بعدها على أن السلام حتم لا مفر منه، وحق للشعب اليمني الذي عانى النكبات والأهوال، ثم اجتهدوا بأن جعلوه واقعاً يحفظ الجمهورية من دون تفريط فيها مهما اعتراها خلل، أو تفرق رجالها... إنما تحت أفيائها.
 
ختاماً، تلك لحظات من ماضٍ يتجدد فينا، وبأيدينا.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية