مع دخول المهندسين المصريين إلى غزة لرفع الأنقاض وإعادة بناء ما دمّرته الحرب الأخيرة التي دامت 11 يومًا، تبرز أهميّة تسليط الضوء على الدروس التي استخلصناها هذه المرة.
ويكمن الدرس الأول في إدراكنا أنّه رغم الاستثمار الهائل للوقت والمال والجهد في تلميع صورة إسرائيل، فإن الحقيقة التي قد تُدهش الكثيرين منّا هي أنها، وخلافًا للأفكار السائدة، لا تتمتّع بصورة إيجابيّة دوليًا. ولكن ما تتمتّع به بطبيعة الحال هو دعم أصدقاء أقوياء وعلى رأسهم الولايات المتحدة.
ومع ارتفاع الأصوات الغاضبة حول العالم تنديدًا بالممارسات الاسرائيليّة في شوارع المدن الكبرى وعلى وسائل التّواصل الاجتماعي وفي التصريحات الناقدة التي أدلى بها بعض زعماء العالم، بات جليًا، وللمرّة الأولى منذ عقود، أن إسرائيل بحاجة للسلام، ليس لمجرّد كونه الخيار الصائب، ولكن من أجل مصلحتها وصورتها على المستوى العالمي أيضًا.
بالطبع، هذا ليس مجرد حدس كاتب لم يزر إسرائيل أو الأراضي المحتلة قط، إذ إنّه في الواقع شيء كتب عنه مستشار السياسات الحكومية المخضرم سيمون أنهولت العام الماضي.
يشتهر أنهولت عالميًا بعمله على تطوير ما بات يُعرف باسم مؤشّر العلامة التجارية للدول. وقد كتب أنهولت في صحيفة "جويش كرونكيل" (Jewish Chronicle) في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي أن إسرائيل احتلّت، تاريخيًا وبشكل غير مفاجئ، مرتبةً متدنيةً جدًا في هذا المؤشّر. كما يعتقد أن سبب ذلك يعود إلى ارتباط البلاد بالصراع. ولنكون منصفين، يشير أنهولت إلى أنّه إذا ما أُدرجت فلسطين في المؤشّر، فستحتّل مرتبةً منخفضةً أيضًا.
وللمفارقة، عُنون هذا المقال الصّادق للغاية "لماذا على إسرائيل التخلّي عن الهاسبارا (Hasbara)". ولمن لا يعرف معنى هذا المصطلح، فإن "هاسبارا" هو تعبير ملطّف للدعاية يصف جهود العلاقات العامة التي تبذلها الحكومة الإسرائيلية ومؤيّدوها لنشر معلومات إيجابيّة عن دولة إسرائيل وسلوكها وأفعالها.
فببساطة، يعتبر أنهولت أن الدعاية غير مجدية لأن الأفعال أبلغ من الأقوال. وإذا ما طبقنا هذا الآن على ما شهدناه أخيرا في غزة، نلاحظ أنّه يمكن للمسؤولين الإسرائيليين أن يكرّروا أن بلادهم تتمتع بأكثر جيش أخلاقي في العالم قدر ما يشاؤون، ولكن الحقيقة هي أن ما رآه المشاهدون حول العالم كان صورا لأطفال طُردوا من منازلهم يبكون بالإضافة إلى تدمير مبان فيها مكاتب وسائل إعلاميّة دولية.
ومن جهة أخرى، رأينا أخيرًا بعض الفلسطينيين الذين تمكّنوا من استعادة قدرتهم على إيصال وجهة نظرهم والتعبير عن مظالمهم بشكل أكثر فاعلية.
ومع ذلك، يُرجى الملاحظة أنّه عندما أقول "الفلسطينيين"، فأنا بالتأكيد لا أشير إلى القيادة الفلسطينية بأي شكل من الأشكال. فأنا أشير فقط إلى الشباب والشابات المتعلّمين والمحنكين الذين كانوا قادرين على تركيز نظر العالم بشكل احترافي على الأحداث في غزة وحي الشيخ جراح مع التعبير عن قضيّتهم باستخدام المنطق بدل العاطفة.
كما أودّ أن أشير أيضًا إلى أن الشباب الفلسطينيين الذين رأيناهم على القنوات الإخبارية الدولية تمكّنوا أخيرًا من البدء بكسر الصورة النمطيّة السلبية التي صوّرتهم لفترة طويلة على أنهم متطرّفون أميّون وغير متحضّرين، وأن قضيّتهم غير محقّة.
وعلى غرار ذلك، سمحت وسائل التواصل الاجتماعي للكثير من العرب بالتعرّف الى الإسرائيليين واليهود المتعاطفين مع الفلسطينيين والذين لم يكن الكثيرون منا على علم بوجودهم. فكما يوجد مستوطنون يؤمنون بالاحتلال ويتفاخرون بآرائهم التي تبرّر مصادرة منازل الفلسطينيين وأراضيهم، رأينا إسرائيليّين يناهضون الاحتلال وحتّى جنودًا سابقين في الجيش الإسرائيلي يعبّرون عن معارضتهم لمثل هذه الممارسات غير الإنسانيّة.
ورغم أن الكثيرين سيستخلصون الدروس من الحرب الأخيرة، أخشى أن لا يتعلّم الكثير من القادة الفلسطينيين الحاليين هذه الدروس.
وغني عن القول أنّهم لو وافقوا على أيّ من اتفاقيات السلام السابقة التي كانت الولايات المتحدة وسيطةً فيها، لكان احتمال عدم نشوب هذه الحرب أو الأحداث في حي الشيخ جراح واردًا بالتأكيد. كما كان من المحتمل لذلك أن يعني أن الفلسطينيين كانوا ليحصلوا على دولة معترف بها وتحميها القوانين الدولية، ويكونون بالتالي قادرين على اللّجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية (ICC) إذا ما لزم الأمر.
وكان من المحزن أن نرى بعض القادة الفلسطينيين يزيدون صورهم العامة تشويهًا ويخسرون أصدقاءهم نتيجة مباركتهم الهجمات التي تستهدف المدنيين الإسرائيليين.
ليس هذا فحسب، إذ لا يمكن لأي شخص لديه أدنى مستوى من العقلانيّة أن يجد سببًا للاحتفال بعد الخسائر الفادحة التي خلّفتها الحرب التي دامت 11 يومًا. ومع ذلك، كان لدى قادة "حماس" الجرأة الكافية لإعلان انتصارهم... وشكر إيران!
ما الذي سبّبه للفلسطينيين تعاملهم الوثيق مع إيران غير المزيد من الانقسام والدمار؟
وللأسف، لم يتعلّم الكثيرون حتّى الآن الدرس البديهي وهو أن طهران لا يُهمّها سوى مصلحتها ولا تفكّر في "القضية" أبدًا. وصحّة هذه الفكرة مؤكّدة، فلو لم تكن كذلك، لماذا تحتلّ سرايا القدس الإيرانية عواصم عربية عدّة بدل تحرير عاصمة الفلسطينيين؟
إذا ما برز أي شيء من تحت أنقاض هذه الحرب الأخيرة، فهو أن أصدقاء فلسطين الحقيقيين هم الدول العربية المعتدلة. فللتذكير فقط، دول مثل المملكة العربيةالسعودية ومصر هي التي قادت الجهود الدبلوماسيّة لمحاولة تهدئة الوضع.
أمّا الآن ومع بدء إعادة إعمار غزة، نأمل حقًا ألّا يعيش الفلسطينيون حربًا أخرى بعد سنوات قليلة أو أن يمرّوا بمثل هذه الظروف مرّةً أخرى. إلّا أنّ الأمل وحده لا يحلّ النزاعات، فالقيادة هي التي تحقّق ذلك. وعلى النحو نفسه، لن يؤدّي الافتقار إلى القيادة إلا إلى مزيد من الصراعات ومنسوب أمل أقلّ بكثير.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض