يوم هاجرنا الى واشنطن قبل قرابة عقدين، كانت الصحف الأميركية تثير اشمئزازنا لأننا كنا نعتقدها صحفاً سطحية ولا سياسة فيها. الصحف الأميركية تتصدرها عادة أخبار حول كل ما يؤثر في حياة الأميركيين، في طليعتها مؤشرات الاقتصاد ـ كنسب نمو الناتج المحلي والبطالة والتضخم ـ والقدرة التنافسية الأميركية في الاقتصاد العالمي. كلها مواضيع كنا نراها ثانوية ولا أهمية لها، وكنا نبحث عن النميمة السياسية ونعتقدها الموضوع الأهم والأعمق، مثلاً ماذا قال الرئيس السابق جورج بوش لنظيره الفرنسي الراحل جاك شيراك عن لبنان أو سوريا، أو ماذا يقول أعضاء في الكونغرس لبعضهم بعضاً عن الرئيس السوري بشار الأسد. هكذا كان عالمنا، نميمة واعتقاد أن السياسة الدولية تجري بحسب مزاج الحكام وعقائدهم السياسية والدينية.
بعد كل هذه السنوات، تعلمنا أن آفة الدول المتأخرة مثل لبنان هي غياب السياسات، ومرادفها "بوليسي" بالإنكليزية، وتعلمنا أيضاً أن آفة لبنان هي طغيان السياسة، ومرادفها "بوليتيكس". وعلى رغم أن غالبية اللبنانيين يبدو أنها تعرف القول المأثور أنه في السياسة الدولية "لا صديق دائم ولا عدو دائم بل مصالح دائمة"، يندر أن يطغى هذا القول على النقاش السياسي في لبنان، العالق بالقشور والنميمة التي تغذيها مخيلة واسعة حول ما يريده "الإيراني" أو "الأميركي" أو "السعودي" أو "الروسي".
ويبدو أن لدى غالبية اللبنانيين قناعة بأن حكوماتهم تقوم بتوافقات دولية، في حين أن عواصم الدول، التي يفترض أنها وافقت على قيام حكومتهم، تكون غالباً غير معنية ولا متابعة لكل النميمة التي ترافق تشكيل الحكومات وتؤدي الى قيامها.
ولكن لو اعتبرنا أن اللبنانيين وسياسييهم صاروا يفكرون مثل الأميركيين، بمعنى أن الشأن العام هو مصالح، وأن المطلوب هو سياسات لتحقيق أهداف معينة تخدم غالبية الشعب ومصالحه، لتحوّل النقاش السياسي اللبناني من وضاعته ورتابته الحالية الى شيء كالتالي أدناه.
يدرك اللبنانيون أن الاكتفاء الذاتي اقتصادياً هو نظرية اقتصادية ثبت فشلها وولى زمنها، وأن أكبر الدول الاقتصادية في العالم، أي الولايات المتحدة والصين وألمانيا واليابان، ليست مكتفية ذاتياً، حتى لو حققت فوائض في ميزاني تجارتها ومدفوعاتها. الدول اليوم تدرك أن اقتصادها هو مثل من يذهب الى السوق بحثاً عن تجارة تقيته، فينظر الى المعروض، ويحصي المفقود، ويستعرض في مخيلته ما هو رأسماله ونقاط القوة التي يتمتع بها والتي تسمح له بالمشاركة في السوق لبيع ما يمكنه من تحقيق أرباح. ومثل ذلك الدول التي يجب عليها التعويل على قطاعاتها ذات القدرة التنافسية في السوق العالمية لتعتاش من هذه القطاعات، لا أن تمارس حمايات جمركية لصناعة كل شيء.
ولطالما انقسمت الاقتصادات في العالم الى إنتاجية ومعرفية. الإنتاجية تتضمن الزراعة والصناعة الثقيلة للاستهلاك المحلي والتصدير لتحقيق الربح. أما المعرفية، فصادراتها غير مادية، بل قد تكون أغلى ثمناً من المادة.
تاريخياً، لم يجد اللبنانيون القدماء مساحات زراعية كافية في بلادهم الجبلية، التي قدمت لهم عناصر قوة مختلفة: أشجاراً كثيفة وذات نوعية تسمح ببناء سفن ضخمة استخدموها لصناعة أساطيل تجارية، كما للتعدين، فأثروا أي ثراء، وأسسوا إمبراطورية شملت حوض المتوسط ووصلت الى سواحل الأطلسي الشرقية. تلك الإمبراطورية اللبنانية، المتفوقة عالمياً في الإبحار والتجارة، لعبت دوراً محورياً في نشر الحضارة العربية في حوض المتوسط في وقت لاحق.
اليوم، لو فكّر اللبنانيون كالأميركيين، لنظروا الى بلادهم ورأوا أن عناصر قوتها تكمن في الثروة البشرية التي تكتنز طاقة معرفية ضخمة. طبعاً هذه الثروة ليست دائمة، ويمكن تبديدها في عقد على الأكثر إذا استمر انقطاع لبنان استهلاكياً، والأهم ثقافياً وتعليمياً، عن باقي العالم.
الثروة البشرية تعني أنه يمكن للبنان أن يتحول الى عالم الابتكارات التكنولوجية، وأن يبيع خدمات في الرعاية الصحية وفي التربية والتعليم، كما في الخدمات المصرفية والسياحية. لكن الاقتصاد المعرفي يحتاج لاستقرار أمني حديدي وتفادٍ للحروب الإقليمية. والاقتصاد المعرفي يحتاج لأكبر عدد من صداقات دولية وزبائن.
أما أكبر أربع اقتصادات في الإقليم فهي، بالترتيب، السعودية، تركيا، فالإمارات وإسرائيل بالتساوي.
ولو أن الناخبين في لبنان ينتخبون بثقافة سياسية مشابهة للأميركيين، لكانوا أصروا على اتفاقية سلام كاملة وشاملة مع إسرائيل اليوم قبل الغد، على رغم التاريخ الدموي بين البلدين. هذه الولايات المتحدة، الأولى في العالم اقتصادياً ومعرفياً، تتحاور مع "طالبان" في أفغانستان بعد عقدين من الدماء بينهما. والولايات المتحدة نفسها تحوّلت الى أكبر شريك اقتصادي لفيتنام، على رغم التاريخ الدموي بينهما أيضاً، خصوصاً أن فيتنام صارت تلعب دور الدولة الرديفة التي تستضيف المصانع الأميركية بدلاً من الصين.
وأميركا هذه مستعدة في أي لحظة لاستعادة شراكتها الاقتصادية مع إيران لو أن الأخيرة تدرك أن سياساتها العقائدية، مثل "اقتصاد المقاومة"، خيالية، وهي من قبيل الشعر والشعارات، لا السياسات الجدية. أما نتائج سياسات طهران، فبؤس في إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن.
وهذا يعني أنه لو كان اللبنانيون كالأميركيين، لطلبوا من مرشحيهم للانتخابات سياسات (خططاً) واضحة لكيفية إطلاق عجلة نمو الاقتصاد اللبناني، وهو ما يتطلب حيادية إقليمية والتغاضي عن الماضي الدموي مع الجيران مثل إسرائيل، وإعادة الصداقة مع الخليج، وتعزيزها مع تركيا وإيران ومصر، وعالمياً مع الولايات المتحدة، إذ تمكن محاولة التنافس على خط الطيران الذي ينقل ملايين البشر بين أميركا والشرق الأقصى، غالباً عن طريق عواصم الشرق الأوسط، التي تتنافس شركات طيرانها لحصد الأرباح من هذه الخدمات في عالم النقل.
لا خيار بديلاً لنهوض اقتصادي لبناني عن سياسة الحياد والصداقة مع كل الدول، مهما حاول سياسيو لبنان التذاكي والحفاظ على وجه "وطني" في التنطح من أجل "القضية" وفلسطين.
لا يحتاج خروج لبنان من الحفرة العميقة التي يغرق فيها تغييرات دستورية أو ميثاقية، ولا انفراجات إقليمية أو دولية في محادثات العالم مع إيران. كل ما يحتاجه هو وعي لبناني بالمطلوب للخروج من أزمات الإقليم، وجعل مصالح اللبنانيين أولوية فوق تضامنهم، العروبي أو الإسلامي أو غيره، وفوق عواطفهم، التي تأتي غالباً تحت مسميات كرامة وعنفوان ورفض الخنوع، وما الى ذلك من شعارات بالية غير معروفة لدى غالبية مواطني دول الاقتصادات الكبرى.
على أنه يبدو أن الغالبية في لبنان لا تدرك كيف تكون السياسات التي تخدم مصالحهم ومصالح دولتهم، ولا تعرف أن السياسات لا ترتبط بالكرامات، ولا بالتاريخ، ولا بالانتقام، بل بالحاضر وبالخيارات المتاحة لتغييره، بدلاً من التمسك بالخيارات الطوباوية غير المتاحة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الولايات المتحدة
5/2/2026 1:03:00 AM
أبلغ دونالد ترامب الكونغرس بأن الحرب مع إيران “انتهت”، في محاولة لاحتواء الجدل القانوني مع بلوغ مهلة الـ60 يوماً دون تفويض تشريعي
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
لبنان
5/1/2026 6:14:00 PM
أنباء أولية عن مجزرة في حبوش بعد إنذار إسرائيلي وغارات عنيفة: 10 ضحايا وعدد من الجرحى
لبنان
5/1/2026 8:38:00 PM
إسرائيل تنقل المواجهة إلى عمق لبنان… “المنطقة الصفراء” تشمل قيوداً على المدارس والتجمعات
نبض