04-03-2022 | 08:37

روسيا وأوكرانيا في الحرب العالمية الرقمية

الحرب الروسية على أوكرانيا هي حديث الساعة، لكن لن أدخل في جدلٍ سياسيٍ حولها... أولاً لأنني لا أملك المعرفة الكافية حول السياسة الروسية - الاوكرانية، و لا أسعى إلى بذل جهد كبير لفهمها. وبما أني أحمل إرثاً اجتماعياً في الحروب والنزاعات والصراعات السياسية والأيديولوجية والدينية والإثنية، أخجل من محاولة البحث في هذه الأزمة العالمية، فيما يرزح لبنان تحت شتى أنواع الصراعات والنزاعات والأزمات المعيشية والأمنية والسياسية والمالية والأخلاقية من رأس الهرم حتى القاعدة. والسبب الثاني هو أني عاهدت نفسي، ومن حولي، أن أعتكف السياسة وشؤونها، على الأقل "الآن" كما وعدت أمي. ولن أفرط في وعدي لها من أجل ان أتماشى مع الموضة السائدة.
روسيا وأوكرانيا في الحرب العالمية الرقمية
Smaller Bigger
الحرب الروسية على أوكرانيا هي حديث الساعة، لكن لن أدخل في جدلٍ سياسيٍ حولها...
 
أولاً لأنني لا أملك المعرفة الكافية حول السياسة الروسية - الأوكرانية، ولا أسعى إلى بذل جهد كبير لفهمها. وبما أني أحمل إرثاً اجتماعياً في الحروب والنزاعات والصراعات السياسية والأيديولوجية والدينية والإثنية، أخجل من محاولة البحث في هذه الأزمة العالمية، فيما يرزح لبنان تحت شتى أنواع الصراعات والنزاعات والأزمات المعيشية والأمنية والسياسية والمالية والأخلاقية من رأس الهرم حتى القاعدة.
 
والسبب الثاني هو أنني عاهدت نفسي، ومن حولي، أن أعتكف السياسة وشؤونها، على الأقل "الآن" كما وعدت أمي. ولن أفرط في وعدي لها من أجل أن أتماشى مع الموضة السائدة.
 
أحاول الدخول في مقاربات حول الإعلام الجديد، ودوره في تحول المجال العام السياسي الى مجال افتراضي، ينقل ساحات المعارك والتقاتل نحو العوالم الافتراضية، كما يسحب ساحات الثورة والحراكات نحو الشاشات الصغيرة، تماماً كما جعل من كل حساب شخصي أو رسمي منبراً لا ينكفئ عن انتاج البيانات الصحافية وشبيهاتها، والتي صارت بدورها المصدر الأساسي للمادة الصحافية.
 
هذا ليس بنقد. ولكنه وصف لحالة يتطلب التطلع إليها على أنها ظاهرة في طور التكوين. ظاهرة تعيد تموضع الجيو-سياسة في العالم بحسب تصنيفات الشركات الناشئة التي يقررها المستخدمون، وليس البرنامج أو الممول أو الوسيلة الإعلامية كما تعودنا مع الوسائل التقليدية في الإعلام. ولكننا اليوم لا نعيش تطوراً مجنوناً وحسب، بل نعيش في عصر حرب الخوارزميات وأخواتها من أدوات الذكاء الاصطناعي التي تقرر مصير الشعوب على أساس البيانات والمعلومات التي "تدوزنها" في خدمة من يدفع أكثر ثمن بياناتنا وتفاصيل حياتنا الشخصية، ولكن بات من الممكن أن تكون الشعوب قادرة على تقرير مصير تلك الشركات من خلال التصنيفات والتعليقات والآراء في فضاء الإنترنت.
 
لعل الجمهور الافتراضي، ذلك المنبثق من الشعب، بات الحكَم في تكوين رأي عام، من دون أن يلجأ الى مؤسسات الإحصاء التي تبيّن أن الكثير منها كان يقبض ثمن "الرايتنغ" برشوة هنا وعشاء هناك. وهذا أمر إيجابي وخطير في آن معاً، إذ إن تلك القوة قد تكون نقمة علينا في حال وقعت بين أيدي الجاهلين والحاقدين.
 
ولطالما كان للإعلام دوره على ساحات المعارك بأدواته المبتكرة، ومطابخه الملوّنة، ولكنه اليوم، بأشكاله الجديدة، وكأنه يحسم المعركة. إيلون ماسك يقاوم إلى جانب أوكرانيا ضد روسيا حين منع أقماره الاصطناعية من البث الى روسيا، ولم يحتَج الى قرار سياسي لتنفيذ ذلك. هو يملك فضاءه ولا "جميل لأحد عليه" ، كما هو اليوم من أكثر الأفراد اهتماماً بتشكيل رأي عام حول المسائل الاقتصادية والبيئية والتعليمية والاجتماعية. وها هو اليوم يتخذ مواقف سياسية عملية، لا تقتصر على التصريحات وحسب، بل تبدأ بالتنفيذ الفوري.
 
الحرب الروسية على أوكرانيا تشارك فيها الدول بهيئة الشركات الناشئة، بعكس ما كان سائداً، حين كانت الدول تعزف طبول الحرب من أجل ان تحقق مكاسب لبورصات النفط والمصارف والأمن وإعادة الإعمار والمساعدات. ويبدو الإعلام الجديد أقوى من الدول. أستذكر حين أوقفت شركة "تويتر" حساب دونالد ترامب رئيس "أقوى دولة في العالم" خلال الانتخابات الرئاسية، فقلبت موازين القوى بين السياسة والإعلام.
 
اليوم، خطاب الرئيس الأوكراني على صفحات التواصل الاجتماعي، ومنشوراته المتابعة عليها، قد يثبت فرضية التحول في المجال العام السياسي نحو المجال العام الإعلامي الافتراضي. تماماً كما رأينا التحوّل في المجال العام السياسي في لبنان بعد اشتعال الشوارع بالثوار في 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، حيث انتقل أولئك "الثوار" من ساحات الاعتصامات إلى فضاءات زوكربيرغ، من فايسبوك وانستغرام والعصفور الأزرق، تويتر، الذي أضحت زقزقاته وتغريداته أقوى من المدافع والغواصات.
 
وقد رأيت الكثير من الإعلاميين والجماهير الافتراضية وغير الافتراضية، يهزأون من خطابات الرئيس الأوكراني على وسائل التواصل الاجتماعي، كما يهزأون من مهنته السابقة كممثل كوميدي. وكأنّ من كان ممثلاً أو راقصاً أو شاعراً، محكوم عليه بالسجن المؤبد في مهنة قد يرغب في اختبار غيرها في حياته بجهده وسعيه. أنا اخترت يوماً أن أكون مضيفة جوية في مجال الطيران، ثم قررت التحوّل نحو الأكاديميا بعد سنوات، وقد أقرر أن أكون رائدة فضاء بعدها. من له الحق أن يقرر؟
 
لا أدافع عن الرجل في ممارساته السياسية، بل أدافع عن حق الفرد في تقرير مصيره كما ينص اعلان حقوق الإنسان، وأنتقد من يتبنى خطاب الكراهية في التعبير عن رأيه أو رأيها.
قرأت مؤخراً على العصفور الأزرق تغريدة لإعلامية لبنانية اختارت أن تنحاز لحلف سياسي حاضن لايديولوجيتها، بأحزابه وأزلامه وأبواقه، في زمن، لبنان وحزبها على حد سواء، يرزحان تحت واحدة من أصعب الأزمات عبر التاريخ الحديث. وما استوقفني في موقفها، هو أنها لم تكن موضوعية في تغريدتها حول الحرب بين دول أخرى، إذ إنه من الأسهل أن نكون موضوعيين حين لا تكون القضية شخصية، فنقترب أكثر من إنسانيتنا، ونرى التشابهات أكثر من الفروقات.
 
فعلاً استغربت أن تنتقد إعلامية ناشطة في مجال الإعلام الرقمي رئيس دولة أخرى على استخدامه للمنابر الجديدة خلال حربه مع دولة أخرى.
وأتساءل، إذا لم نؤمن نحن الإعلاميين بقوة الإعلام الجديد وقدرته على قلب موازين القوى في العملية الاتصالية، فمن سيفعل؟
 
الخلاصة أن الإعلام الجديد بات أمراً واقعاً في حياتنا، ورفضه ونقده من دون فهمه واستخدامه بوعي لن يجدينا نفعاً، لأن كل تفاصيل حياتنا باتت تعتمد عليه، من تعليم وتجارة وفن وأدب وصحة. ونحن لا ندري بعد أنه يمكن أن نملك القدرة على أن نستخدمه، وليس أن يستخدمنا هو.
 
أدعو إلى أستغلال الإعلام الجديد من أجل نشر الديموقراطية الإتصالية، في زمن يعاد تدوير العناصر جميعها في العملية الاتصالية خلال كل لحظة، كما كنت ذكرت في أطروحة الدكتوراه حين قدمت "نموذج إعادة التدوير" نموذجاً جديداً في الإتصال الرقمي.
 
وأنا أثق أنه كلما شاركنا في شكل واعٍ في الإعلام الجديد كلما استطعنا محاربة كل من ثقافة التفاهة وخطابات الكراهية والرأي العام الزائف والاخبار الكاذبة، واستطعنا أيضاً أن نخرج من "الفقاعات المفلترة" التي يحترف الإعلام الجديد وضعنا فيها، في حال لم نكن واعين له. اليوم، الجمهور الافتراضي بات بقوة الجمهور الحقيقي وقد يكون أقوى أحياناً، لا سيما وأننا نتحول، بشكل سريع جداً نحو الـ"ميتافيرس" metaverse الذي أضحى كوكباً يسكنه الأفراد الرقميين، خصوصاً أولئك المبتكرين الأوائل والمتبنين الأوائل. هم السابقون ونحن اللاحقون!
 
لن أطيل الكلام هنا، لأن هذا يسلتزم بحثاً معمقاً في التكنولوجيا والخطاب اللغوي والسلوك البشري. فأطروحتي حول الذكاء الاصطناعي واللغة وتكوّن السمعة الرقمية استغرقت 5 سنوات ونيف، ولم تكفني الغوص في هذا المجال.
 
ولكن هذا المقال دعوة لاستيعاب التحول في المجال العام السياسي، والمجال العام الإعلامي، من أجل عدم الاستهتار بالإعلام الجديد وحصره بالتفاهة والتسلية والتسوق المرَضي.
 
كما أن هذا المقال دعوة للجميع، للمشاركة في خلق محتوى بنّاء وإيجابي يكوّن مساحةً حرةً وسلميةً للتعبير عن الفكر المتفكّر وليس الفكر الهمجي.
فالإعلام الجديد مشبع بالتعبير الغوغائي عبر خلق الجيوش الإلكترونية والـtrolls الافتراضية، لذا التعبير بسلمية وعقلانية هو وجه من وجوه المقاومة الثقافية، مع أن ذلك المجاور قد لا يحظى باللايكات والمشاركات، ولا يشبع نزوات من يبحث عن الشهرة. ونحن نعلم جيداً أن الإعلام يميل دوماً الى نشر الدراما والتشويق والإثارة من أجل أن يستحصل اهتمامنا، وكذلك أصبحنا، دوماً مشدودين نحو الجنس والعنف والتفاهة.
 
أخيراً أقول إن الحرب الباردة لم تنتهِ، ولن تنتهي، والأجندات الإعلامية لن تنكفئ، لا في الحرب ولا في السلم.
ونحن المواطنين الرقميين لا يمكن أن نبقى معزولين عن الإعلام، إذ إن بصمتنا الرقمية لا تزول ولن تختفي، إنها تعبير لا متناهٍ عن قيمنا وأفكارنا وسلوكنا، لذا فلنختر أن نكون مواطنين رقميين واعين في المجال العام الإعلامي، فهو من دون شك يتقاطع مع كل المجالات في حياتنا العامة والخاصة.

الأكثر قراءة

أبلغ دونالد ترامب الكونغرس بأن الحرب مع إيران “انتهت”، في محاولة لاحتواء الجدل القانوني مع بلوغ مهلة الـ60 يوماً دون تفويض تشريعي
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
لبنان 5/1/2026 6:14:00 PM
أنباء أولية عن مجزرة في حبوش بعد إنذار إسرائيلي وغارات عنيفة: 10 ضحايا وعدد من الجرحى
لبنان 5/1/2026 8:38:00 PM
إسرائيل تنقل المواجهة إلى عمق لبنان… “المنطقة الصفراء” تشمل قيوداً على المدارس والتجمعات