هل يقدم بوتين على مغامرة في أوكرانيا؟
تمثل أوكرانيا بالنسبة الى روسيا الحديقة الخلفية التي تشكل مخاطر كبيرة على امنها القومي ومجالها الحيوي، وبالتالي، فإن اللعب في نظر الروس في هذا المسرح وتغيير المشهد الجيوسياسي فيه لمصلحة الاميركيين والاوروبيين، يطال من دون أدنى شك موقع روسيا الاستراتيجي.
تمثل أوكرانيا بالنسبة الى روسيا الحديقة الخلفية التي تشكل مخاطر كبيرة على أمنها القومي ومجالها الحيوي. وبالتالي، فإن اللعب في نظر الروس في هذا المسرح وتغيير المشهد الجيوسياسي فيه لمصلحة الأميركيين والأوروبيين، يطال من دون أدنى شك موقع روسيا الاستراتيجي، ويؤثر في مكانتها ضمن النظام الدولي القائم. ولروسيا مصالح استراتيجية مختلفة في أوكرانيا التي يعيش فيها أكثر من ثمانية ملايين مواطن روسي، وتمتلك العديد من الأوراق القادرة على استثمارها لمنع أي تطورات تهدد أمنها القومي ونفوذها، بدءاً بالتفوق العسكري الذي تتمتع به والمخاوف التي تثيرها بإمكان الزحف نحو أوكرانيا وتهديد العديد من الدول الأوروبية، مروراً بصادرات الغاز الروسي الى أوروبا عبر الأراضي الأوكرانية، ووصولاً الى تأثيرها الكبير في تهديد وحدة أوكرانيا ودعم التوجهات الانفصالية في الأقاليم الشرقية والجنوبية الناطقة باللغة الروسية.
لذلك لم تتردد روسيا منذ عام 2013 في تقديم الدعم السياسي واللوجستي للمتمردين في شرق أوكرانيا، رداً على إطاحة الرئيس الأوكراني يانوكوفيتش الموالي لها بدعم من الولايات المتحدة الأميركية التي تؤيد بحزم ابتعاد أوكرانيا عن روسيا. وجاء قرار ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 ليؤكد مخاطر اللعب في المجال الروسي الحيوي، وتصميم بوتين على تجاوز العديد من الخطوط، حتى لو بدا الثمن باهظاً على الاقتصاد الروسي من خلال العقوبات الأميركية والبريطانية التي فُرضت على قطاعي الطاقة والمصارف رداً على هذا القرار.
من جهة أخرى، يلعب موقع أوكرانيا الجغرافي الممتلئ بالسمات الجيوسياسية في منطقة البحر الأسود، وتوجه غالبية الأوكرانيين (نحو 70 في المئة منهم) لتأييد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، دوراً بارزاً في احتلال أوكرانيا موقعاً هاماً في استراتيجية الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، بهدف بناء مشهد جيوسياسي جديد يمكنهما من تطويق روسيا والحد من تهديداتها للمسرح الأوروبي، وتدجين طموحات بوتين على المستوي الدولي.
فتح المشهد الجديد الذي أخذ يتشكل في أوكرانيا منذ إطاحة الرئيس يانوكوفيتش عام 2013 بمساعدة كبيرة من الأميركيين، باب الصراع على دور أوكرانيا، وموقعها في إعادة تشكيل النفوذ في منطقة البحر الأسود والذي يعتبره القادة الروس من التحديات الوجودية لبلدهم. لم ينجح الاتفاق السياسي الذي جرى عام 2015 لوقف الحرب في شرق أوكرانيا، ويبدو أن السياسات القومية التي ينتهجها الرئيس الأوكراني الحالي فلاديمير زيلنسكي، وتصميمه القوي على بناء القدرات العسكرية للجيش بالتعاون مع الأميركيين وحلف شمال الأطلسي وتركيا، أخذت تثير قلق الكرملين الذي لم يتردد مقابل الدعم الأميركي الكبير للرئيس الأوكراني، في استخدام ورقة التصعيد من خلال الحشود والمناورات العسكرية التي يقوم بها على الحدود الأوكرانية وفي منطقة القرم. ويبدو أن الفترة التي تسبق القمة الافتراضية بين بوتين وبايدن قبل نهاية السنة، ستكون حافلة بالمواقف والحوادث، ومفتوحة على العديد من التطورات، بما فيها الخيارات العسكرية.
بالطبع، ينفي المسؤولون الروس الاتهامات الأميركية والأوكرانية باستعداداتهم لشن الحرب على أوكرانيا، ويصفون المناورات العسكرية التي يقومون بها بالطبيعية للدفاع عن حدودهم. وفي هذا الإطار، يتهم الكرملين أوكرانيا بالاستعداد لشن الهجوم على مناطق الانفصاليين في الشرق، ويذهب الى وصف المناورات التي يجريها حلف شمال الأطلسي مع أوكرانيا في منطقة البحر الأسود بأنها تمثل تهديداً للأمن القومي الروسي، وقد انعكست هذه الاتهامات بشدة في تصريحات المسؤول في الرئاسة الروسية الذي اعتبر أن أي تصعيد يمكن أن يمثل "بداية النهاية لأوكرانيا".
على العكس، يرى عدد من المحللين أن احتمال قيام بوتين بمغامرة عسكرية لاحتلال جنوب أوكرانيا وشرقها واندلاع حرب واسعة ضئيل جداً، وما يقوم به بوتين من تصعيد سياسي وعسكري، هدفه تعزيز موقعه التفاوضي قبل القمة الافتراضية، والتوصل الى اتفاق سياسي يعطي الإقليمين الانفصاليين في شرق أوكرانيا الحكم الذاتي الذي يمنحهما حق الفيتو على قرارت السلطة المركزية، وذلك لمنع انتقال أوكرانيا الى الحضن الأوروبي والأميركي، والانضمام الى حلف شمال الأطلسي الذي يعتبره سيد الكرملين خطاً أحمر.
لا شك في أن القلق الروسي كبير جداً من دينامية التغييرات في أوكرانيا وخلفياتها، ومن النشاط الذي يقوم به حلف شمال الأطلسي في منطقة البحر الأسود، وكذلك من سلوك إدارة بايدن المتشدد تجاه روسيا في أوكرانيا، وفي ملف "ستريم 2" الهادف الى تصدير الغاز الروسي الى أوروبا عبر البلطيق. لكن سيد الكرملين يدرك بدقة أن الظروف الدولية الحالية مختلفة عن تلك التي جعلته قادراً عام 2014 على ضم شبه جزيرة القرم، وأن المنافسة الأميركية الصينية القائمة على زعامة العالم، لم تتحول بعد إلى صراع مفتوح يمكن استغلاله للقيام بمغامرات واسعة النطاق، تمكنه من استعادة النفوذ في ما يسميه المجال الحيوي للاتحاد السوفياتي السابق. كما يدرك أن توافق الحزبين الجمهوري والديموقراطي حول الوضع في أوكرانيا والتشدد في مواجهته، يشكلان ورقة قوية بين يدي إدارة بايدن للوقوف بحزم تجاه أي مغامرة يقوم بها بوتين. وبعكس التصريحات الروسية القوية، فإن بوتين يحسب بدقة التهديدات الأميركية بفرض عقوبات مالية واقتصادية إضافية على روسيا، وقد تستهدف هذه المرة كما يقال الديون السيادية الروسية. ويدرك بوتين أيضاً رغم الضوابط القائمة، احتمال انخراط حلف شمال الأطلسي وتركيا العضو في هذا الحلف في مواجهة أي مغامرة تستهدف احتلال أجزاء من أوكرانيا، وبالتالي تصبح الأمور أكثر تعقيداً ومفتوحة على اشتعال حرب واسعة النطاق.
لذلك، تبقى المناورات والحشود التي يقوم بها بوتين على الحدود الأوكرانية وفي القرم، والدعم الذي يقدمه للإقليمين الانفصاليين في شرق أوكرانيا، بمثابة الرسائل التي تهدف إلى تذكير الأميركيين والأوروبيين بأهمية أوكرانيا للأمن القومي الروسي، وبالخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه، وهو قبول طلب الحكومة الأوكرانية بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.
بايدن وقادة الاتحاد الأوروبي يديرون هذه المسألة حتى الآن بحسابات دقيقة، إذ لا يلقى هذا الطلب الأوكراني آذاناً صاغية لديهم، وبالتالي يتركون لبوتين فرصة التراجع وعدم التسبب بحرب واسعة، على غرار ما فعل الرئيس الأميركي جون كينيدي عام 1962 خلال أزمة الصواريخ الكوبية، إذ تخلى عن الخيارات العسكرية كافة لإزالتها، وأعلن الحصار على كوبا، تاركاً لرئيس الاتحاد السوفياتي آنذاك نيكيتا خروتشوف فرصة التراجع، فنجح في تجنيب العالم حرباً عالمية ثالثة. السؤال: هل يحسم الأميركيون والأوروبيون نهائياً هذه المسألة الدقيقة فيهدأ بوتين ويتراجع، أم تتغير الحسابات ويخرج الدب الروسي من مخبئه ليضع أوروبا أمام تهديدات غير مسبوقة؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض