02-05-2022 | 05:30

تونس في اختبار صندوق النقد الدولي مرةً أخرى

تتجه تونس نحو جولة جديدة من المفاوضات مع صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على قرض جديد للخروج من الأزمة المالية التي تعانيها، وفق ما أفاد عن ذلك مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد جهاد أزعور. هذه المرة، وخلافاً لتجارب تونس التاريخية مع الصندوق، ستكون مصيرية بالنسبة غلى الدولة التونسية ورئيسها قيس سعيّد، ذلك أن البلاد تعيش أسوأ ركود اقتصادي لها منذ استقلالها، ولم تعد تملك الكثير من الخيارات للخروج من أزمتها، وأيضاً بسبب عدم قدرتها على اللجوء إلى الأسواق المالية نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة، فلم يبق أمام تونس إلا هذا الصندوق، والذي بدوره سيشجع منحها قرضاً جديداً بقية المانحين، وذلك على الرغم من التبعات، التي يمكن أن تكون كارثية، للشروط التي وضعها.
تونس في اختبار صندوق النقد الدولي مرةً أخرى
Smaller Bigger
تتجه تونس نحو جولة جديدة من المفاوضات مع صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على قرض جديد للخروج من الأزمة المالية التي تعانيها، وفق ما أفاد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد جهاد أزعور. هذه المرة، وخلافاً لتجارب تونس التاريخية مع الصندوق، ستكون مصيرية بالنسبة إلى الدولة التونسية ورئيسها قيس سعيّد، ذلك أن البلاد تعيش أسوأ ركود اقتصادي لها منذ استقلالها، ولم تعد تملك الكثير من الخيارات للخروج من أزمتها، وأيضاً بسبب عدم قدرتها على اللجوء إلى الأسواق المالية نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة، فلم يبقَ أمام تونس إلا هذا الصندوق، والذي بدوره سيشجع منحها قرضاً جديداً بقية المانحين، على الرغم من التبعات، التي يمكن أن تكون كارثية، للشروط التي وضعها.
 
تواجه تونس تحديات هيكلية كبيرة تتمثل في الاختلالات العميقة في الاقتصاد الكلي، والنمو الضعيف للغاية على رغم إمكاناتها، والبطالة المرتفعة، والاستثمارات القليلة للغاية، والتفاوتات الاجتماعية. وإضافة إلى هذه التحديات الهيكلية، هناك الآن تأثير الأزمة الصحية والحرب في أوكرانيا، التي ساهمت بشكل مباشر في ارتفاع معدلات التضخم. وتسعى السلطات من خلال الاستعانة بصندوق النقد إلى مواجهة هذه التحديات على المدى القصير للتخفيف من تداعيات الحرب على الاقتصاد، وعلى المدى المتوسط لضمان نمو أقوى، عبر خلق حيز مالي من أجل تمويل مشاريع الاستثمار العام وزيادة الانفاق الاجتماعي.
 
في نهاية العام الماضي قدمت الحكومة التونسية موازنتها لعام 2022. وهي تنص على دين يقارب 6 مليارات يورو لانعاش اقتصادها المتأثر بشدة بالأزمة السياسية والصحية، ذلك أن العلل التي تعاني منها البلاد كانت قائمة قبل سيطرة الرئيس قيس سعيّد على السلطة وتعليق عمل البرلمان في تموز (يوليو) الماضي، لا سيما عجز الموازنة والدين العام، الذي ناهز 100 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2021. فبعد انخفاض بنسبة 9 في المئة تقريباً في الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020، عاد النمو إلى ما يزيد قليلاً على 3 في المئة عام 2021 كما كان متوقعاً لعام 2022. ومع ذلك،لا يزال ضعيفاً وغير كافٍ إلى حد كبير لتقليل معدل البطالة الذي يتجاوز 18 في المئة، وخاصة بين صفوف المتخرجين الشباب. هذا العجز تسعى الحكومة التونسية إلى تجاوزه من خلال قرض من صندوق النقد الدولي، لكن المؤسسة المالية الدولية تطالب في المقابل بما تسميه "إصلاحات هيكلية عميقة للغاية": تخفيض فاتورة الأجور الهائلة في القطاع العام، وإصلاح المؤسسات العامة، والتقليل من دعم المواد الأساسية والوقود.
 
لكن هذا البرنامج الذي يسميه صندوق النقد اصلاحياً ويحاول فرضه على الحكومة التونسية هو في الحقيقة تحميل للطبقات الشعبية والمتوسطة لتكاليف أزمة سياسية – اقتصادية تسببت فيها الطبقة الحاكمة وعمقتها مع حلفائها من أصحاب المال، الذين استفادوا على مدى عقد كامل من "حكم المنظومة الحزبية"... من تسهيلات وعقود وصفقات ومواقع في السلطة ونصيب من الثروة مقابل تمويلها هذه الأحزاب ورعايتها في حالة كريهة من تزاوج "البيزنس" بالسلطة.
 
وفي المقابل ستكون شروط صندوق النقد – التي ليس من بينها أي شرط يستهدف أصحاب الرساميل الكبرى – مرفوضة على نحو متوقع من الاتحاد العام التونسي للشغل، خصوصاً شرط تخفيض فاتورة الأجور الهائلة في القطاع العام، والذي يعني عملياً تسريح آلاف الموظفين في القطاع وضمنياً إضعاف قوة المركزية النقابية، التي تعتمد على قوتها في نقابات القطاع العام. وحتى إن فرضنا جدلاً أن النقابات قد وافقت على كل الشروط التي سيفرضها الصندوق على الحكومة، فإن القواعد النقابية من عمال وموظفين وعموم الطبقات الشعبية والمتوسطة سترفض ذلك بقوة وسيتجلى رفضها على نحو جذري في الإضرابات غير المؤطرة نقابياً والاعتصامات والمظاهرات. كما أن شرطاً مثل "رفع الدعم عن المواد الأساسية" سيكون بمثابة شعلة في موقد جاهز للإشتعال، وربما يقود البلاد إلى ثورة جديدة أشد قوة وأكثر عنفاً.
 
لكن ما يجب الإشارة إليه هو أن الأزمة في تونس لم تبدأ اليوم، بل هي نتيجة تراكمات وسياسات وصلت بالبلاد إلى حافة الإفلاس، وهذا ليس مبالغاً، حيث سيكون فشل المفاوضات مع صندوق النقد وعدم القدرة على الاستدانة من السوق العالمية، بسبب نزول التصنيف الائتماني للدولة، منذراً بعجزها عن الوفاء بتسديد ديونها الخارجية والداخلية أو حتى دفع أجور موظفيها وتمويل الخدمات العامة. ومع أن ذلك لا يزال بعيداً، إلا أن مواصلة السير في هذا الطريق من الفشل الذي يكلل عمل الحكومة منذ تسلمها مهامها خريف العام الماضي سيؤدي أخيراً إلى مسارات تعيد إنتاج أوضاع العام 2011 على نحو أكثر قوة وجذرية.
 
قد يستغرق إبرام الاتفاق مزيداً من الوقت للسماح بإجراء مفاوضات مع الاتحاد العام التونسي للشغل. في الواقع، يمكن لتونس أن تعيش من دون مساعدة صندوق النقد الدولي لأشهر عدة أخرى قبل المخاطرة بالتخلف عن السداد. لذلك، من الناحية النظرية، يمكن لقيس سعيّد أن يجد الوقت للمضي قدماً في مشروعه السياسي، إلا إذا وقعت حالة طوارئ اقتصادية بسبب انفجار اجتماعي يقلب الأوضاع.

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة