لبنان: تعويم الحكومة مفهوم سياسي لتصريف الأعمال الدّستوري
غاب الكلام عن تعويم الحكومة المستقيلة عن الطرح السياسي، ولم يلبث أن عاد للتداول به بعد تكليف الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري تشكيل الحكومة العتيدة، برغم أن هذا الطرح لا معنى دستورياً له، بحيث يبقى على عاتق الحكومة المستقيلة أن تقوم بتصريف الأعمال لحين صدور مرسوم تشكيل الحكومة الجديدة، بالتالي تقتصر هذه العبارة على التفسير السياسي ليس إلّا.
ويشرح الخبير الدستوري رئيس منظمة "جوستيسيا"، الدكتور بول مرقص لـ"النهار العربي" أن مفهوم تصريف الأعمال للحكومة بعد اتفاق الطائف ليس كما قبله. ويعلّل أنّ "الفقرة 2 من المادة 64 في الدستور اللبناني تنصّ على أن الحكومة المستقيلة لا تمارس صلاحياتها بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا في المعنى الضيّق لتصريف الأعمال"، مضيفاً أنّ "حكومة الرئيس حسان دياب تعتبر مستقيلة عملاً بالفقرة هاء من المادة 69 في الدستور. وقد أضيفت عبارة المعنى الضيّق لتصريف الأعمال، أي الأعمال الضرورية لتسيير المرفق العام والتي لا ترتّب أعباءً على عاتق الحكومة الجديدة، لأن الحكومة المستقيلة قد أصبحت بعيدة عن رقابة مجلس النواب، ولا يجوز لها بالتالي أن تقوم بأعمال ذات شأن في ظل تعذّر هذه الرقابة". وبالعودة إلى ما قبل الطائف، يتبيّن، بحسب مرقص، أن هناك حكومتين على الأقل، وبرغم أن مفهوم تصريف الأعمال لم يكن بالمعنى الضيق آنذاك، اجتمعتا للتصدي لقضايا ضرورية، وهما حكومة الرئيس رشيد كرامي التي اجتمعت عام 1969 - وكانت في حالة تصريف أعمال دامت ستة أشهر - لإقرار الموازنة العامة لعام 1970، وأجاز مجلس شورى الدولة لها ذلك آنذاك. وحكومة الدكتور سليم الحص التي اجتمعت عام 1970 لإقرار مشاريع قوانين.
وإذا نظرنا في حقبة ما بعد الطائف، فإن مفهوم تصريف الأعمال ضاق بمقتضى النص الدستوري المذكور؛ فقد اجتمعت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2013 برأي من هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، وأقرت تشكيل هيئة الإشراف على الانتخابات النيابية، كما أقرت مراسيم التنقيب عن النفط. وبالتالي ففي الحالة الحاضرة، خصوصاً أنّ حكومة دياب قد طالت فترة تصريفها الأعمال، فإنه يعود لها الانعقاد والعمل في الحدود الضرورية اللازمة لعدم إحداث المزيد من الضرر الاقتصادي والمالي والنقدي والمصرفي في البلاد. كما أن الضرورة المعيشية للناس والحالة الاقتصادية العامة توجبان عليها التّصدي للأزمات المتلاحقة التي لا تحتمل التأجيل إلى حكومة جديدة يبدو أن تشكيلها متأخر. فكلما طالت فترة تصريف الأعمال، وهو أمر لم يتصوّره المشترع الدستوري إذ لم يتوقّع أن تنحدر الأخلاقيات السياسية الى حدّ يحول دون تشكيل الحكومة، كلّما أبيح لحكومة تصريف الأعمال مزيدٌ من الفاعلية ضمن هامش تصريف الأعمال، خصوصاً في أعمال الإدارة وليس في مجال أعمال التصرّف.
ويعني مرقص بأعمال الإدارة، الأمور الضرورية لتسيير المرافق العامة في البلاد، بينما الأعمال التصرفية التي تحظر عليها هي القيام بخطوات من شأنها أن تحدث تغييرات، وأن تترك نتائج كبيرة تلزم الحكومة المقبلة.
ولا يغيّر وجود رئيس حكومة مكلّف من هذا المبدأ، "خصوصاً أنّ مرسوم تكليفه لم يصدر ولم يطرح تشكيلة حكومية. فإن حصل ذلك واجتمعت حكومته لصوغ البيان الوزاري والتقدم لنيل الثقة من مجلس النواب، إذّاك لا يعود في إمكان حكومة دياب أن تجتمع وأن تتصدى للأعمال التي اعتبرت مجازة لها حاضراً".
ويؤيد مرقص أن عبارة تعويم الحكومة تندرج في المفهوم السياسي وحسب، "إلّا أنّه بالمعنى الدستوري، فهي تعني تصريف الأعمال الضرورية التي تقتضيها الإطالة في تشكيل الحكومة والأزمة المالية".
نبض