تعيشُ حياتَكَ اليوميّة وسط الناس. تختبرُ معهم وبسببِهم مشاعر من كلّ نوع. فيها فرحٌ وحزنٌ، أملٌ وقنوط، جُرأةٌ وتردّد، وزِدْ على ذلك ما شئتَ. في مرّات كثيرة ننسُبُ مشاعرَنا الإيجابيّة إلى ما نسمّيه "طيبة قلبنا" أو إلى مزيّة أخرى من مزايانا الجميلة، فيما نعزو مشاعرنا السلبيّة إلى ما فعلهُ آخرٌ أو آخرون بنا.
يسألُكَ أحدُهُم "لمَ أنتَ متوتّر"؟ تجيبُه قائلاً إنّ سبب توتّرك هو مديرُكَ في العمل الذي لا يُقدّركَ. يسألكِ شخصٌ ما "لماذا أنتِ صامتة، وما الذي يُقلِقكِ"؟ تُجيبينَه على الفور قائلةً إنّك تعانين من عصبيّة زوجِكِ في البيت.
تكثُرُ الأسباب والشروحات والوضع على حاله وهو يُختصَرُ بكلماتٍ قليلة: "أنتَ تعيش حالةَ مشاعر سلبيّة". ليس الأمر مُقلقاً إنْ هو وصلَ إلى هذا الحدِّ. كُلّنا نختبر حالاتٍ كهذه من مشاعر لم نتمنّاها لأنفسنا. "المشكلة مِشْ هون". المشكلة تأخذُ بُعداً آخر مختلفاً ومقلقاً إن أنتَ توغّلتَ في لوم الآخرين واتّهامهم بالتسبُّب بهذا الكمِّ من الحزنِ، وإنْ أنتَ أصرَرْتَ على التمسُّكِ بقناعتكَ بأنّ ما يحصلُ مردُّه إلى أنّكَ إنسانٌ طيّب القلب ليس إلّا، وأنّ الناس تستغلُّ طيبتكَ فتجرحكَ. وإذا حاولَ أحدُهم أن يلفتَ نظركَ إلى سلوكٍ معيّن أنتَ تنتهجُه أو طريقةَ تواصل معيّنة أنتَ تعتمدُها والتي قد تُسبِّب لكَ بعضاً من هذا الحزن على الأقل، فإنّكَ سريعاً ما تنتفضُ و"بتنرفِزْ" وتُسمِع هذا الصديق الذي كُنتَ قبل قليلٍ "عَمْ بِتْفشفشلو قلبَك"، تُسمعه كلاماً فيه عتبٌ ولومٌ متبوعاً بحرَدٍ.
لعلّكَ لم تنتبِه بعد إلى أنّكَ أصبحتَ شديد الحساسيّة، وباتت أعصابُكّ "مهتريّة"، ولم يعد رأيُكَ بالنسبةِ اليكَ وجهةَ نظر، فقد صار رأيُكَ بنظرِكَ هو الحقيقة. باتت مخاوفُكَ أقوى من رزانتكَ، وصارت قلّة توازنكَ في التفكير والكلام أوضحَ من سدادِ رأيكَ. ترى نفسَكَ بعد جولةٍ كهذه من كلامٍ قليل وحساسيّة مفرَطة وحردٍ كبير، ترى نفسكَ جالساً لوحدِك ترثي وضعكَ معتقداً بشكلٍ متزايد أنّ الناس الذين حولكَ يراوحون بين مرتبة "الذين لا يفهمونَكَ" وبين مرتبة "الأشرار" الذين يريدون لكَ الأذيّة.
هذه ليست كلّ المشكلة. هذه نصف الطريق. الأخطر لم يحصل بعد. المشكلة في بُعدِها الأخطر تحصل عندما تصبح هذه الأفكار عفويّةً وكأنّها طبيعةٌ ثانية، وعندما تبدأ تجنّبِ الكلام أو حتّى اللقاء مع من تعتبره مؤذياً لكَ، وعندما يُصبح الغضبُ حالةً عاديّةً بالنسبة اليكَ، و"الخِلْق الضيّق" مثل الطبق اليوميّ، وعندما لا تعود قادراً على البقاء لوحدكَ لأكثر من ربع ساعة، وعندما تتحدّث بتوتّرٍ عن أيّ موضوع، وعندما تنسف وبسبب التوتّر جسوراً من المودّة مع بعض الناس الذين قد يقولون لكَ كلاماً من نوع "كَبِّر عقلَكْ يا زلمي" أو "ما بدْها هالقدْ"، وعندما تُصدّق أنّ لا حلَّ لهذه الأزمة، وأنّها أي الأزمة لم تعُد سوءَ تفاهمٍ بل باتت مصيريّة في تحديد مستقبل العلاقة مع هذا الشخص. عندها تبدأ استعمال كلماتٍ من هذا النوع: "مَرَق العمر" أو "راح العمر وما انبسطنا فيه" أو ما شابه.
يوماً بعد يومٍ تبدأ تجنّب التواجد مع الناس، ولا تعود تفرح إلّا بوجود شخصٍ أو شخصين أو ثلاثة. في كلّ يوم تشعر بصداعٍ وبأوجاعِ جسمٍ مختلفة بعضها حقيقي وبعضها الآخر من نوع الـ Psychosomatic Pain. لا تعودُ قادراً على أن ترى نعمَ الله عليك من الصحّة إلى الاكتفاء المالي إلى نجاح الأولاد إلى وجود زوجةٍ فاضلةٍ في حياتكَ، بل تُصبحُ نظرتُك سلبيّة إلى كلّ شيء وتتمسّك بها أكثر من أيِّ وقتٍ مضى. شيئاً فشيئاً تضع نفسكَ في شرنقةٍ لكنّ هذه الشرنقة لن تولدَكَ فراشةً.
اليوم هو يوم الخروج من أفكارِكَ. لا يتطلّب الأمرُ جهداً إستثنائيّاً. لعلّكَ بحاجةٍ إلى دعمِ أخصّائي لمرّاتٍ قليلة. أنتَ لستَ بحاجةٍ إلى أكثر من ذلك. المهم أن ترى أنّ ما أنتَ فيه بات خطِراً، وأنّ قرار الخروج منه محتومٌ، وأنّ الآخر أو الآخرين الذين دخلتَ بسببِهم إلى شرنقة صغيرة معتمةٍ لا يستحقّون هذا العناء، هذا إذا كانت فعلاً أفكارُكَ عنهم واقعيّة، فكيف إذا كان نصفُها وهماً. صدِّق أنّكَ لستَ دودةً وأنّكَ لن تصبح في شرنقتِكَ فراشةً. أنتَ أنت. أحبِب نفسكَ. أنقِذْها الآن من نفسِكَ وليس من سِواك.
قال جون ماكسويل أحد روّاد ثقافة القيادة إنّ "عشرة في المئة فقط من الحياة هي الأحداث التي أعيشُها، وإنّ تسعين في المئة منها تتمثّل في كيفيَّة تعاملي معها".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض