في وقفته الطويلة والبديعة أمام التاريخ، ينتهي هيغل إلى أن الفرد لا يصنع التاريخ، بقدر ما يصنعه التاريخ نفسه، وصولاً بهذه الفكرة إلى فكرة أخرى أشدّ غموضاً وفرادة هي "مكر التاريخ"، ذلك أنه يعتبر أن العقل البشري الجمعي هو الذي يحكم هذا التاريخ وعياً بذاته ومن حوله في الوقت نفسه، في سبيل إثبات فكرته الأثيرة من أن "كل ما هو واقعي هو عقلاني، وكل ما هو عقلاني هو واقعي".
هذا ما يحدث اليوم تماماً في ليبيا، إنه مكر التاريخ يخالط الناس ويمشي في الأسواق. ذلك أن سيف الإسلام القذافي، العائد من سنوات السرية والمطاردة، يطل برأسه من جديد لحكم بلد حكمه والده عقوداً، وسط توقعات بأن يكون في مقدمة السباق الانتخابي المقرر عقده نهاية العام.
ولعل الجانب الآخر من صورة هذا المكر التاريخي المديد تبدو على شكل خيبة تلطخ وجه التيارات الإسلاموية، التي كان سيف القذافي يوماً ما حليفاً لها، بيد أنها نفضت يدها منه عشية 17 شباط (فبراير) 2011، وانقلبت الى المعسكر الآخر، وانتهت إلى السلطة بعد قتل والده بشكل غير مسبوق في تاريخ العرب المعاصر. ولعل هذا التاريخ الماكر يكمل دورته كاملةً، فيتحول الرجل الأكثر مطاردة في ليبيا خلال العشر سنوات الماضية إلى رئيس، فيما يأخذ خصومه الإسلاميون دور الطريد مرة أخرى.
قبل يومنا هذا بنحو عقد ونيف، وتحديداً صباح 23 آذار (مارس) 2010، دخل كل من أمير "الجماعة الليبية المقاتلة" عبد الحكيم بالحاج، المعروف باسم "أبو عبد الله الصادق"، والمسؤول الشرعي للجماعة سامي الساعدي، المعروف باسم "أبو منذر الساعدي"، والمسؤول العسكري والأمني للجماعة خالد الشريف، إلى قاعة المؤتمرات في فندق الودان في طرابلس، حيث جلسوا أمام مراسلي وكالات الأنباء الأجنبية والسفراء وكاميرات التصوير. كان سيف الإسلام القذافي يجلس هو الآخر ليس بعيداً. أما المناسبة فهي إطلاق سراح أكثر من 705 عناصر جهاديين تابعين للجماعة المقاتلة بعد حوار مع الدولة ومراجعات، اتضح في ما بعد أنها زائفة.
انطلق المؤتمر الصحافي. كان خالد الشريف ورفاقه حليقي الذقون ونزعوا عنهم الجلابيب الأفغانية ولبسوا اللباس التقليدي الليبي. خلال المؤتمر اعتذر أمير الجماعة، عبد الحكيم بالحاج، من العقيد القذافي قائلاً: "ننتهز هذه الفرصة لنكرر لكم اعتذارنا عن كل ما صدر منا بحقكم ابتداءً وفي حق من أخطأنا فيه من أبناء شعبنا". لم يمض عام واحد على الواقعة، حتى تحول القذافي من "ولي أمر شرعي لا يجوز الخروج عليه بالسلاح"، وفقاً للمراجعات التي نشرتها "الجماعة المقاتلة"، إلى "طاغية يجب قتاله"، وقُتل بأبشع الطرق. عام واحد كان كفيلاً باختبار مدى صدق المراجعات التي انتقل بها "الجهاديون الليبيون" من ساحات القتل والدم إلى المجتمع.
لم يفاجئ الحراك الليبي الذي اندلع عشية السابع عشر من شباط (فبراير) 2011 العقيد القذافي وحده، بل فاجأ خصومه الإسلاميين في ما بعد، فقد كانوا قد فرغوا لتوّهم من إنهاء الترتيبات السياسية والقانونية والفكرية حتى، للعودة إلى صف الولاء لسلطته بعد قطيعة دامت سنوات بين السجن والمنفى، فقد كان عام 2010 حافلاً بالتصريحات والنيات الإخوانية والجهادية المادحة للنظام، ومن جانبه كان النظام قد أنهى إطلاق سراح آخر دفعات المعتقلين الإسلاميين في سجون البلاد.
قبل ذلك بعقود، صدر في ليبيا القانون الرقم 71 لعام 1972، والذي يجرم الحزبية في البلاد في أعقاب إعلان سلطة الشعب، لتصبح "جماعة الإخوان المسلمين" تنظيماً محظوراً في البلاد، وأضحى أعضاؤها وقياداتها عرضة للاعتقال والمنافي بل وحتى الإعدام. لم تتخذ الجماعة سلاح النضال السياسي سبيلاً في وجه النظام، بل عمدت إلى خلفيتها الدينية ككل الجماعات الإسلامية وأطلقت حملات التكفير ضد النظام والمنتسبين اليه، وحتى للعاملين في الدولة كـ"طواغيت"، ثم خرجت من عباءتها بقية الجماعات الإسلامية الراديكالية. غير أن الأحكام الشرعية التي يطلقها الإخوان ضد الحكام – و هذه عادة إخوانية متواترة لدى كل فروع الجماعة في الوطن العربي – ليست أحكاماً ثابتة تحكمها نصوص واضحة، بل أحكام مزاجية تحكمها ظروف سياسية، في خلط واضح بين الديني المقدس الثابت الجوهري والسياسي المتحول العرضي، ففجأة سيتحول القذافي من ذلك "الطاغوت الكافر الزنديق" إلى "قائد الثورة والأخ الكبير".
تواصلت القطيعة السياسية والفكرية مع النظام حتى أواخر عام 1999 حين بدأت أولى إرهاصات الحوار مع مندوب ليبيا في الأمم المتحدة الذي كان يلتقي الجالية الليبية، وهنالك حدث اللقاء ابتداءً، ثم بعد تعثر دام سنوات توطدت العلاقة بين نجل العقيد القذافي سيف الإسلام والزعيم الإخواني علي الصلابي الذي عُيّن عضواً في مجلس أمناء مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية عام 2003، لتنطلق مرحلة جديدة من العلاقات بين الإخوان والنظام بطريقة غير مباشرة من خلال "نجل الزعيم" ومشروعه "الليبرالي الجديد" في البلاد، والذي كان محل معارضة من "الحرس القديم" في صفوف قادة ثورة أيلول (سبتمبر).
استطاع الصلابي إقناع قادة الجماعة الإخوانية بجدوى العمل مع سيف الإسلام ودعم مشروعه في مواجهة مراكز القوة داخل النظام، معتبراً أن المستقبل لسيف الإسلام قائداً للدولة في القادمات من الأيام، ليعلن قادة الإخوان في أواخر عام 2009، وبينهم قادة الإخوان السابقون داخل ليبيا، وقيادات الجماعة الليبية المقاتلة، "تأييدهم لمشروع سيف الإسلام القذافي، المعروف بمشروع "ليبيا الغد"، ودعمهم له، مشددين في الوقت نفسه على أن الإصلاح الذي يقوده نجل قائد الثورة الليبية معمر القذافي، من أجل بناء دولة القانون والمؤسسات، مهمة شاقة لا يمكن تحقيقها إلا بتضافر جميع القوى الإصلاحية الوطنية المخلصة".
بعدما فرغ علي الصلابي من رفاقه الإخوان انبرى، محاولاً استمالة القيادات الجهادية من أجل "دعم مشروع سيف الإسلام القذافي"، وقد وجد في قادة الجماعة الليبية المقاتلة ضالته، فهؤلاء كانوا في سجون النظام متهمين بالإرهاب وبتشكيل جماعة مسلحة، بل إن بعضهم قبضت عليه المخابرات الأميركية خارج البلاد مقاتلاً في صفوف "القاعدة" وغيرها من المجاميع الجهادية الدولية، لتنطلق المفاوضات السرية مع قادة الجماعة في السجون برعاية مؤسسة القذافي للتنمية، وتنتهي بمراجعات فكرية على الطريقة "المصرية" كما كانت الحال بالنسبة الى جماعة "الجهاد" و"الجماعة الإسلامية" في مصر في "مبادرة وقف العنف" و"وثيقة ترشيد العمل الجهادي".
مع بداية اندلاع الشرارة الأولى للحراك في الشارع الليبي في 17 شباط 2011، خرج القيادي الإخواني علي الصلابي، عضو مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية على شاشة قناة "الجزيرة"، معلناً أن "الشعب الليبي هو من بات يحكم ليبيا لا القذافي وأبناؤه"، داعياً الجيش والأمن الليبيين إلى الانشقاق على النظام واتخاذ "صفقة مع الله" بدلاً من صفقة مع "سيف الإسلام"، واصفاً حكم القذافي الذي كان في السابق "الأخ قائد الثورة" بـ"الغزو".
أما الجهاديون وقيادات "الجماعة المقاتلة"، فقد لزموا الصمت ولم ينخرطوا منذ اللحظة الأولى في الحراك، بل إن الجماعة دعت أنصارها وإلى حدود أواخر شهر آذار (مارس) 2011 إلى التزام الحياد حيال ما سُمّي آنذاك بالثورة، ولكن مع انطلاق الضربات الأولى لحلف الناتو على ليبيا، بعد تبني قرار مجلس الأمن القاضي بالحظر الجوي بدعوى حماية المدنيين، تغير خطاب الجماعة المقاتلة وانخرطت رسمياً في النزاع المسلح ضد النظام، وبذلك خرج عبد الحكيم بالحاج أمير الجماعة إلى الخارج، ليعود في أواخر آب (أغسطس) 2011 إلى "باب العزيزية" تلاحقه كاميرا قناة "الجزيرة" وخلفه عدد من ضباط القوات الخاصة القطرية، ليعود القذافي إلى ما كان عليه قبل عام 2010 في نظر الجماعة المقاتلة وقياداتها: "حاكماً طاغوتاً يجوز الخروج عليه بقوة السلاح"، ولتتبخر مئات الصفحات التي خطتها أيادي قادة الجماعة في السجون، والتي نظّرت لفكرة واحدة وهي أن "الأخ قائد الثورة، حاكم شرعي لا يجوز الخروج عليه"، لتنكشف الأحكام الشرعية "الهلامية والزئبقية" التي تصدر عن الجماعات السياسية المتدثرة بالدين.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
اقتصاد وأعمال
4/30/2026 9:14:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
نبض