18-03-2022 | 05:00

التكفير والهجرة وجهاً لوجه (2)

زعم بعض تلاميذ شكري مصطفى عصمته ووضعوه في منزلة الأنبياء والمرسلين، وتحول كلامه وأفعاله إلى أحكام مقدسة، وكأنها أوحيت إليه من السماء، فلا يمكن مناقشته أو الاعتراض على ما يفعل، إذ أنه إمام آخر الزمان الذي جاء ليرفع الراية ويسلمها للإمام المنتظر (المهدي).
التكفير والهجرة وجهاً لوجه (2)
Smaller Bigger
تحدثنا في المقالة السابقة عن مراجعات رجب مدكور التي انتقد فيها الإطار العقائدي والحركي، لـ"جماعة المسلمين"، المعروفة بجماعة "التكفير والهجرة" التي تزعها شكري مصطفى عام 1971.
 
قبل قراره الانشقاق عن صفوف جماعة "التكفير والهجرة"، تأثر مدكور بمنهجها الفكري، وشهد ممارستها ودعواتها الى الهجرة والتعايش في الكهوف والدروب الصحراوية، اعتزالاً للناس، في إطار "العزلة الشعورية" عن المجتمع باعتباره كافراً وجاهلاً وخارجاً عن ملة الإسلام.
 
زعم بعض تلاميذ شكري مصطفى عصمته ووضعوه في منزلة الأنبياء والمرسلين، وتحوّل كلامه وأفعاله إلى أحكام مقدسة، وكأنها أوحيت إليه من السماء، فلا يمكن مناقشته أو الاعتراض على ما يفعل، إذ إنه إمام آخر الزمان الذي جاء ليرفع الراية ويسلمها للإمام المنتظر (المهدي).
 
رغم تمكن شكري مصطفى من السيطرة على عقول مريديه، فإن الخلافات دبت داخل أركان جماعته وفقاً لما أورده مدكور في مراجعاته، وذلك بعدما وضع قاعدة "البيعة المطلقة" للأمير، والتي أثبت بها حقه في الطاعة العمياء، سواء في طاعة الله أم معصيته، (طالباً من أحدهم أن يقتل نفسه)، اتساقاً مع "فقه الضرورة"، ما تسبب في نقاش حاد مع خلية في محافظة المنيا، انتهت بتكفيرها وطردها من التنظيم نهائياً بحجة التمرد على الأمير ومخالفة أوامره.
 
في إطار حالة الانغلاق والتسطيح الفكري والثقافي المعممة على مختلفة التيارات الأصولية والتكفيرية، فرض مصطفى على تلاميذه مطالعة أبحاثه الشرعية والفكرية فقط، مثل "دليل التائهين" و"دليل الجندي"، مُفتياً بتحريم الاستماع الى غيره، والنظر في أي كتب شرعية أخرى، تحت لافتة توحيد المنهج والرؤية، واصفاً المخالفين لمنطقه بالمجادلين وعلماء السلطة، في محاولة لصناعة سياج حديدي حول أتباعه وضمان انقيادهم وخضوعهم وولائهم.
 
خلال محاولات تكميم الأفواه وإرهاب مخالفيه، توسع مصطفى في تكفير كل أتباع التيارات الأصولية الأخرى، وعمل على تصفية بعضهم، مثلما فعل أتباعه مع حسن الهلاوي (القيادي في تنظيم الجهاد المصري)، بسبب تحريضه المستمر على جماعته، فاقتحموا منزله في هيئة ضباط في جهاز أمن الدولة، وطعنوه 17 طعنة في أنحاء متفرقة من جسده، وفقاً لما ذكره محامي الجماعات الإسلامية مختار نوح في كتابه "موسوعة الحركات الإسلامية المسلحة... 50 عاماً من الدم".
 
عن جماعة "التكفير والهجرة" 
زاد عدد أعضاء جماعة "التكفير والهجرة" على 5000 عضو وفقاً لما وثّقه الباحث الباكستاني دليب هيرو، في كتابه "الأصولية الإسلامية في العصر الحديث"، وقد تعرض عدد من المنشقين عنها إلى محاولات التصفية الجسدية، أمثال عبد السلام مصطفى، ورفعت أبو دلال، وأحمد عرفة، ومحمد سعد الدين، بناءً على تحقيق مطول نشرته مجلة "روز اليوسف" في تموز (يوليو) 1977، استناداً إلى تحقيقات النيابة العامة في القاهرة.
 
كان شكري مصطفى شاعراً ساخطاً وناقماً على الحياة، ومتمرداً على المجتمع وما فيه، فامتزجت ضلالاته بأشعاره التي سُجلت في ديوان حمل اسمه وطبعته "مكتبة مدبولي" في القاهرة، تلك الضلالات التي تشرّبها من معين الأسرة التنظيمية الإخوانية التي أشرف عليها سيد قطب، وضمت ثلاثة أشخاص تعلموا أصول التكفير على يديه، وهم شكري مصطفى، ومحمد قطب، وعبد المجيد الشاذلي (مؤسس جماعة القطبيين في محافظة الإسكندرية). 
 
في محاولة لإثبات صحة منهجه في تكفير عوام المسلمين، ذهب مصطفى في رسالة "التوسمات" التي وضع فيها السياسات الشرعية لواقع "جماعة المسلمين"، (رفض طباعتها وظلت مخطوطة بحجة بدعة الطباعة)، إلى أن "الناس أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، كانوا عرباء فصحاء يفهمون معنى لا إله إلا الله، ومدلولها ومقتضياتها فهماً كاملاً، ومن أجل ذلك كانت كافية للحكم بإسلام قائلها، أما الآن فقد أصبح الناس يقولونها ولا يفهمون معناها فهماً كاملاً، ومن أجل ذلك أصبحت هذه الشهادة لا تكفي للحكم بإسلام قائلها".
 
لم تتوقف انحرافات شكرى مصطفى عند هذا الحد، بل جعل التعليم سبة في جبين العالم الإسلامي والعربي، داعياً أنصاره إلى ترك التعليم باعتباره شركاً وصنماً يُعبد من دون الله، يقول: "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، فلا بد من أن نكون أميين نوجه كل جهدنا ووقتنا لتعلم الكتاب والحكمة، وما دون ذلك فهو ضلال مبين، ومن أجل هذا نقول إن الدعوة إلى محو الأمية فكرة يهودية لشغل الناس بعلوم الكفر عن تعلم الإسلام".
 
كان من ضمن المناوئين بقوة لفكر جماعة "التكفير والهجرة" وزير الأوقاف المصري الدكتور محمد حسين الذهبي، الذي اغتالته في تموز (يوليو) 1977، بعدما ألف كتاباً بعنوان "قبسات من هدي الإسلام" عام 1975 فنّد فيه أسس الجماعة ومدى بعدها عن جوهر الإسلام. يقول في مقدمة كتابه: "يبدو أن فريقاً من المتطرفين الذين يسعون في الأرض فساداً، ولا يريدون لمصر استقراراً، قد استغلوا في هذا الشباب حماسة الدين، فأتوهم من هذا الجانب، وصوروا لهم المجتمع الذي يعيشون فيه بأنه مجتمع كافر، تجب مقاومته ولا تجوز معايشته، فلجأ منهم من لجأ إلى الثورة والعنف، واعتزل منهم من اعتزل جماعة المسلمين، وآووا إلى المغارات والكهوف، ورفض هؤلاء وأولئك المجتمع الذي ينتمون إليه لأنه في نظرهم مجتمع كافر".
 
استقر الشيخ الذهبي على أن أحكام الإسلام تجري على كل من ينطق بشهادة لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وليس لنا أن نبحث في مدى صدق شهادته، فذلك مرتبط بما استشعر بقلبه، وهو أمر لا سبيل للكشف عنه أو التثبت منه، فهو من شأن الذي يعلم السر وأخفى.
 
وكسراً لقاعدة التكفير بالمعصية التي أقرها شكري مصطفى في انحرافه الفكري، شدد الشيخ الذهبي على أن مرتكب الكبيرة ليس كافراً، وأن على الذين يوزعون الإيمان والكفر على الناس، أن يراجعوا أنفسهم مرات ومرات، وأن أفكار تلك الجماعة ضالة وخاطئة، وأن هؤلاء الشباب حديثو السن، وقليلو المعرفة والخبرة، ويتعين أن نعرّفهم بحقيقة الإسلام وسماحته.
 
في النهاية وضع زعيم جماعة "التكفير والهجرة"، منهجاً وشرعاً جديدين، يخالفان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، امتزجت فيه العلل النفسية بهلوسات الخيال، لصناعة صورة أقرب إلى الزعامة المطلقة التي لم يجدها شكري مصطفى، في حياته الطبيعية، بسبب تعثره منذ طفولته وتلطمه بين قرى صعيد مصر ونجوعه.
 
ورغم الجهود التي تبذلها الدولة المصرية على المستوى الأمني، لا تزال الروافد الفكرية لجماعة "التكفير والهجرة" ممتدة ومتشعبة وضاربة بجذورها في عمق بعض الدوائر المجتمعية، وملتحمة بتيارات السلفية الجهادية، الممثل الرسمي الحالي للجماعات الأصولية فكراً وتنظيماً، فظهر الكثير من الخلايا المتأثرة بمنهج هذا التيار التكفيري على مدار السنوات الماضية، ما بين عام 2007، و2011، و2014، و2016، وحملت لافتات متعددة تؤمن بالفكرة وتدين بأبجديات المشروع شكلاً ومضموناً.