16-03-2022 | 04:00

الفقر زمن الحرب

الإجراءات التقشفية المقترحة من صندوق النقد الدولي وغيره غير مأمونة العواقب، لجهة انعكاساتها المحتملة على القدرة الشرائية للمواطن. يعرب الكثير من المراقبين هذه الأيام عن مخاوف من أن تكون للحرب في أوكرانيا ارتدادات اجتماعية في المنطقة العربية نتيجة ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية، وبخاصة الحبوب، إضافة الى الزيادة في أسعار الوقود التي ستنعكس بلا ريب على كل شيء آخر.
الفقر زمن الحرب
Smaller Bigger
يعرب الكثير من المراقبين هذه الأيام عن مخاوف من أن تكون للحرب في أوكرانيا ارتدادات اجتماعية في المنطقة العربية نتيجة ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية، وبخاصة الحبوب، إضافة الى الزيادة في أسعار الوقود التي ستنعكس بلا ريب على كل شيء آخر.
 
التونسيون على وجه التحديد يخشون أن تكون بلادهم عرضة لمطبات محتملة نتيجة هذه الحرب، وذلك اعتباراً لهشاشة الوضع الاجتماعي للكثيرين منهم.

هذه المخاوف كان يشاطرهم إياها العديد من الأطراف الأجانب حتى قبل الحرب. مسؤولو البنك الدولي على سبيل المثال، كانوا يحذرون دوماً من المخاطر التي تنبه إليها جملة من المؤشرات، وخاصة منها تلك المتعلقة بتفاقم ظاهرة الفقر.

كانت هذه المسألة دوماً تبدو كأنها الهاجس الرئيسي لفريد بلحاج، نائب رئيس البنك لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط خلال زياراته لتونس، وآخرها في شهر شباط (فبراير).

بلحاج تونسي قبل أن يكون مسؤولاً سامياً في البنك الدولي. وليس مفاجئاً أن يعرب عن انشغاله بالأوضاع في بلاده. فدقة الوضع الاجتماعي في تونس لا تخفى على أحد، سواء كانوا أفراد النخبة الحاكمة أم مخاطبيهم الأجانب. هؤلاء ينظرون إلى عدم الاستقرار الاجتماعي في تونس من منظور مفاقمته عدم الاستقرار في منطقة شمال أفريقيا ككل، بخاصة أن ليبيا المجاورة لا تزال تبحث عن مسار سياسي وانتخابي يكفيها شر النزاعات المسلحة.

 هناك خشية من توسع رقعة الفقر في تونس، بعدما أهملت الحكومات المتعاقبة إنجاز أي انتقال اقتصادي أو اجتماعي، وبقي اهتمام الساسة مركزاً على مصالحهم الضيقة في العملية السياسية. في نهاية المطاف ازداد المسار السياسي تعقيداً بحكم الأوضاع الاجتماعية الصعبة، ما يعقّد مهمة الساسة الباحثين عن مسلك آمن نحو تحقيق الإصلاحات الاقتصادية العميقة التي يطالب بها الأطراف الدوليون المانحون، ولكنهم يخشون أن يِؤدي ذلك إلى تقويض التوازنات الاجتماعية الهشة.

والإجراءات التقشفية المقترحة من صندوق النقد الدولي وغيره غير مأمونة العواقب، لجهة انعكاساتها المحتملة على القدرة الشرائية للمواطن المحدود الإمكانات وتداعياتها الواسعة على بقية المجتمع، حيث تتزايد نسبة الفقر تزايداً لافتاً.

صرح وزير الشؤون الاجتماعية التونسي في مطلع شهر آذار (مارس) بأن 963 ألف عائلة، أي  قرابة 4 ملايين مواطن تونسي، من نحو 12 مليوناً يشكلون إجمالي سكان البلاد، يشكون من الفقر. ليس من الأمور المطمئنة البتة أن يعاني ثلث التونسيين من الفقر. أمام أوضاعها الاقتصادية المتأزمة لا تستطيع السلطات أن تفعل الكثير، حتى وإن أعلنت أنها سترفع المساعدات المالية لأكثر من 300 ألف أسرة معوزة. الكل يعرف أنها مسكنات إلى حين.

زادت نسبة الفقر بالتوازي مع زيادة نسبة البطالة (التي تتجاوز الآن 18%) وتباطؤ نسبة النمو الاقتصادي منذ 2011. وزادت جائحة كورونا في اهتراء النسيج الاقتصادي للمؤسسات الخاصة (التي أفلس الكثير منها)، وضمور المداخيل الأساسية للدولة من العملة الصعبة بتراجع السياحة خلال السنتين الماضيتين على وجه الخصوص.

 قد يكون التونسيون بقوا إلى حد كبير بمنأى عن الجوع بحسب معاييره العالمية، ولكن السلوكيات المجتمعية توحي أحياناً بخوف حقيقي من الجوع. خوف قد تكون جذوره تعود إلى قرون خلت كانت المجاعات لا تغيب خلالها عن حياة الناس في تونس. وقد يكون مرد هذا الخوف أيضاً وعياً جماعياً بأن الآليات الاجتماعية التي من المفروض أن توفر ملجأ للفرد، مثل الأسرة (بمفهومها الواسع والضيق) أو الدولة أو منظمات المجتمع المدني، هي آليات غير كافية لدرء انعكاسات الظروف الصعبة إذا ما استشرت.

وما يفاقم مشكلة الفقر اليوم هو أن الكثيرين ممن تشملهم هذه الظاهرة كانوا ينتمون حتى ماض قريب إلى الطبقة الوسطى حيث كانوا تعودوا، هم وعائلاتهم، على نمط عيش أفضل. وعليهم اليوم أن يخفضوا من سقف تطلعاتهم ومستوى معيشتهم.

في ظل أجواء الأزمة الأوكرانية، صار الوضع أكثر تعقيداً. اليوم تحاول السلطات تقديم التطمينات للناس الى توافر مخزون الحبوب لأشهر مقبلة. ولكن التوقعات بزيادة الأسعار نتيجة الحرب الروسية وما نتج منها بعد من ارتفاع في أسعار المحروقات، غذّت نزعات الاحتكار والمضاربة، وذهبت بالتطمينات الحكومية عرض الرياح.

حتى قبل تطبيق أي إجراءات تقشفية أو ارتفاع في الأسعار، هناك خوف من عدم توافر المواد الغذائية مستقبلاً، وزاد التهافت على هذه المواد الغذائية وسط مؤشرات الى فقدان بعض هذه المواد من الأسواق.
 
تجد السلطة اليوم نفسها أمام جملة من التحديات، بعضها قائم منذ سنين وأخرى طارئة. تعرف أنها لا بد من أن توفر الحاجات الغذائية للمستهلكين، بخاصة أن التهافت على هذه الحاجيات سيزداد خلال شهر رمضان. والمواطن الذي لا يجد حاجاته من مشتقات الحبوب لا تعنيه التفسيرات السياسوية للأزمة. ولا يهمه إن كانت الأزمة حقيقية أم مصطنعة.
 
وتعرف السلطة حق المعرفة أن نجاحها (أو فشلها) في معالجة مسألة التزود بالمواد الغذائية بأسعار في متناول المحتاجين سوف يوظف سياسياً. وتلك معركة أخرى صامتة في الأفق.

وأكثر من أي وقت مضى، قد يكون التحدي الأساسي نتيجة تدهور مستوى المعيشة هو خوف الأغلبية وليس فقط الفقراء، مما يخبئه المستقبل. الخوف من المجهول.

وأسوأ سيناريو هو أن يحصل للعموم انطباع بأن السلطة قد وهنت ولن تتجرأ (أو هي لن تستطيع حتى إن شاءت) إنفاذ القانون على الجميع أو ضمان الحاجات الدنيا لمواطنيها. رغم كل الأزمات تبقى السلطة خلال الظروف الصعبة الحالية والمقبلة هي الملجأ الذي لا تستقيم الحياة الاجتماعية من دونه. وسوف تكون الصراحة والشفافية سلاح الحكومات للحفاظ على ثقة الناس، إذ ليس هناك أفضل من مصارحة المواطن بالإكراهات التي قد تحتّم اتخاذ قرارات مؤلمة قد لا يكون هناك بد منها.

وفي هذا الظرف بالذات قد تحتاج السلطة للتفكير خارج الصندوق. ربما قد يكون الوقت قد حان لتتخلى الدولة مثلاً، عن احتكارها لاستيراد الحبوب ومنتجات غذائية أخرى، وذلك حتى يتحمل القطاع الخاص جانباً من العبء، مع الحرص على أن لا يكون ذلك مدعاة لمزيد المضاربات.

ولكن السؤال القائم اليوم هو: هل بقي للطبقة السياسية، بما فيها النخبة الحاكمة، شيء من المصداقية يسمح لها بمحاولة شحذ الهمم وإحياء قيم العمل والجد والمسؤولية داخل المجتمع؟ وهل بإمكانها، بعد كل ما تحملته شرائح واسعة من الناس من شظف العيش وتفاقم للفقر، أن تطلب من التونسيين مزيداً من التضحيات، بعدما ضحى الكثيرون بأكثر من طاقتهم؟

وسيحتاج أصحاب القرار والتكنوقراط بالخصوص الى تجاوز رؤاهم الإدارية الضيقة في هذه اللحظة الحرجة بالذات. سوف يحتاجون بالذات الى كثير من الحكمة والواقعية في تحديد من لا يزال يستطيع تحمل التضحيات ومن أثقلت كاهله بعد المصاعب المتراكمة.

يعرف الجميع أن التقشف صار كلاماً لا معنى له بالنسبة الى قرابة الثلث من المواطنين الذين لم يبق لهم الكثير مما يمكن أن يضحوا به. ولكنهم يعرفون أيضاً أن العالم مشغول عنهم اليوم بحروبه وسيناريواته المخيفة. ولن يحمل وزر التصدي للحاجة والفقر غير التونسيين ولا أحد غيرهم.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.