قيس سعيّد وسياسة "أكباش الفداء"
بعد أشهر طويلة من أزمة خانقة تشهدها الأسواق التونسية، تجلت في فقدان المواد الأساسية، واجهها الرئيس قيس سعيّد باتهام المحتكرين والمعارضين والمناوئين والخونة بتنفيذ "مؤامرة لتجويع الشعب"، قرر سعيّد أخيراً أن يُقيل وزيرة التجارة، في بلد قفز فيه العجز التجاري 55 في المئة إلى 8.18 مليارات دولار في 2022.
بعد أشهر طويلة من أزمة خانقة تشهدها الأسواق التونسية، تجلت في فقدان المواد الأساسية، واجهها الرئيس قيس سعيّد باتهام المحتكرين والمعارضين والمناوئين والخونة بتنفيذ "مؤامرة لتجويع الشعب"، قرر سعيّد أخيراً أن يُقيل وزيرة التجارة، في بلد قفز فيه العجز التجاري 55 في المئة إلى 8.18 مليارات دولار في 2022.
ولم ينتظر الرئيس التونسي حتى عيّن وزيرة جديدةً، وكأن الوزيرة هي سبب الأزمة. لكن سعيّد كان يحتاج شماعة يعلق عليها فشله، تكون على صلة بالأسباب التي حددها سلفاً للأزمة وهي "المؤامرة". لكن وزيرة التجارة المُقالة ليست أول كبش فداء يُضحى به في سبيل أن يكون الرئيس على صواب، وفي سبيل أن يجد أنصاره فيه القائد الحق الذي خانه من حوله.
لا يُبدع قيس سعيّد بوضع نهج جديد في استعماله لسياسة "أكباش الفداء"، فهذا الأسلوب راسخ وشائع لدى القادة منذ القِدم، وهو أكثر رسوخاً في النُظم الشعبوية، حيث يكون القائد الشعبوي، بصفته المهدوية - الخلاصية، شبه معصوم فيما تُعلق جميع أخطائه على من حوله من أكباش فداء يُختارون بعناية ويقومون بأدوار محدودة في الزمن ويذهبون ضحية أهواء القائد كأنهم قرابين يقدمهم في سبيل تحقيق رسالته.
"كبش الفداء": إنه الشخص الذي تُلقى عليه أخطاء الآخرين وفشلهم وغالباً ما يكون الضحية ضعيفاً أو غير قادر على التمرد، ويتحمل المسؤولية الجماعية المنسوبة إليه من دون احتجاج، ويقبل مستسلماً بـ"ارتداء القبعة". يجد هذا التعبير، الذي يستخدم سياسياً على نحو مجازي، مصدره الأصلي في الطقس الديني، كما يُستعمل بتعبير آخر وهو "آكل البشر" ككناية عن القائد الذي يستعمل بطانته ومستشاريه ووزراءه واحداً تلو الأخر ثم يتخلص منهم. ومهما اختلفت التعبيرات إلا أن هذا الأسلوب أو النهج السياسي هو نوع من العنف المعنوي الذي يجري داخل علاقة مختلة القوة بين رئيس ومرؤوس.
ومنذ العام 1982، عندما نشر عالم الأنثروبولوجيا والمؤرخ والفيلسوف الفرنسي رينيه جيرارد كتابه "كبش الفداء"، لم يعد هذا المصطلح تعبيراً بسيطاً بل أصبح مفهوماً في حد ذاته. نظرية "كبش الفداء" هي نظام تفسيري عالمي، وهي نظرية وحدوية تهدف إلى شرح أداء المجتمعات البشرية وتطورها. ينبع تأمل رينيه جيرارد من الدهشة التي تأخذ شكل سؤالين متتاليين: أين ينشأ العنف في المجتمعات البشرية؟ ما هو الدافع الأساسي له؟ و لماذا لا يؤدي هذا العنف إلى تدميرهم؟ لكن التوظيف السياسي لهذا الأسلوب الديني في التضحية لا يقوم أبداً على نزوع روحي أو تطهري بل على نهم نفعي نجد له صدى في "أمير" مكيافيلي الذي يشير بوضوح إلى أنه "يجب على الأمراء أن يفوضوا للآخرين تبني إجراءات لا تحظى بشعبية...". وهو ما فعله قيس سعيّد بوزرائه وحكومته، حيث وضعهم في فوهة المدفع ورمى داخله البرنامج الاقتصادي المعادي للطبقات الشعبية ثم علّق كل الفشل الذي تعيشه البلاد، عليهم.
رمزياً تعني عملية التضحية بكبش الفداء إيجاد حل لمشكلة الشر - إما إزالته أو إصلاحه - من خلال طقوس سحرية ينفذها المجتمع أو القائد على هذا النحو. إن تحديد حامل الشر ثم طرده من الجسم الاجتماعي يسمح بــ"إعادة الأمور إلى نصابها"، أو هكذا يعتقد من يقدم كبشه للفداء. وهذا ما يتوهم قيس سعيّد فعله. يتم تقديم فساد النخب ونشاط المعارضة على أنهما السبب الأساسي للأزمة الاقتصادية، ولا حلّ لهذه الأزمة غير تحييد النخب والمعارضة المتآمرة، باعتبار التحييد وسيلة فعالة وضرورية وكافية لتحقيق أحلام الشعب وشعارات القائد الشعبوي. لهذا، فإن أوهامه تتطور وفقاً لتطور مستوى الفشل، ويصبح أكثر جذرية في الوقت نفسه الذي تتضخم فيه الأزمة. إنه يعمل من مركز السلطة، ولأن هذا المركز في موقع قوة، فهو قادر على امتلاك التقنيات اللازمة لنشر خطابه الخاص، وجذب وربط نفسه بأولئك الذين "يتفق معهم" لتقاسم المشروع والشعارات، من خلال إعادة تنشيط أساطير الماضي، والتي أصبحت ترجمتها العاطفية، في التجارب الاجتماعية التي يعيشها الأفراد، عبر مقارنة وضعهم الراهن بوضعهم السابق.
في حالة الوزيرة المُقالة حديثاً، دأب الرئيس منذ توليه السلطة منفرداً في 25 تموز (يوليو) 2021 على القول إن كل المواد الأساسية متوافرة في البلاد ونسق الإنتاج عادي جداً، متهماً المحتكرين بإذكاء الأزمة، ثم أضاف لهم المعارضين المتآمرين الذين يريدون تجويع الناس وإسقاط حكمه. وفقاً لهذا التفسير كان على الرئيس وحكومته أن يلاحقوا هؤلاء المحتكرين لكنه بدلاً من ذلك قرر إقالة الوزيرة، التي حملت وزر الأزمة بمفردها. لم يكن ذلك عشوائياً، حيث أدرك قيس سعيّد أن خطابه بشأن "الاحتكار" لم يعد يجدي نفعاً لإقناع عموم المحكومين ولا بد له من تغيير الأسلوب فتوجه نحو "أكباش الفداء" كي يجدد شباب خطابه، مع أن جذر الأزمة الأساسي يتعلق بفراغ خزائن الدولة من العملة الصعبة الضرورية لتوريد الكثير من المواد المفقودة من الأسواق والمواد الأولية الموجهة للتصنيع، وثانياً تعطيل آلة الإنتاج الصناعي والزراعي نتيجة فشل حكومته في تطبيق برنامج إنقاذ اقتصادي، وثالثاً بسبب نهج التقشف الذي فرضه صندوق النقد الدولي وقبل به قيس سعيّد رغماً عن معارضة القطاع الأوسع من الشعب والمنظمات النقابية له.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
اقتصاد وأعمال
4/30/2026 9:14:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
نبض