14-07-2022 | 05:10

أنتَ، أنتِ والـ Street-smarts

اللغة العربيّة، على جمالها وغِناها، لا تخدُمُك دائماً. تقرأ مثلاً عبارةَ Street-smarts. ترْجِمها ترجمةً حرفيّة. "بْتِطْلَعْ مَعَكْ" ما معناه "ذكاءات الشارع"، لكنّها عبارة لا تفي المعنى حقّه. في اللغة الإنكليزيّة تعني العبارةُ: "نوع الخبرة الحياتيّة والمعرفة الضرورية للتعاطي مع الصعوبات المحتملة أو المخاطر الناتجة من العيش في مجتمعٍ مُدُني".
أنتَ، أنتِ والـ Street-smarts
Smaller Bigger
اللغة العربيّة، على جمالها وغناها، لا تخدمك دائماً. تقرأ مثلاً عبارةَ Street-smarts. ترْجِمها ترجمةً حرفيّة. "بْتِطْلَعْ مَعَكْ" ما معناه "ذكاءات الشارع"، لكنّها عبارة لا تفي المعنى حقّه. في اللغة الإنكليزيّة تعني العبارة: "نوع الخبرة الحياتيّة والمعرفة الضرورية للتعاطي مع الصعوبات المحتملة أو المخاطر الناتجة من العيش في مجتمع مُدُني".
 
حتّى هذه الجملة لا تؤدّي المطلوب منها بالتمام. البعض الآخر يعتبر أنّ الـ Street-smarts تعني "أن تعرف كيف تحمي نفسك من الغرباء إذا كنت وحدَك أو مع أشخاص آخرين". وينطبق هذا المعنى بنوع خاص على الأولاد، فيعطيهم بُعدَ الحذاقة في التعاطي مع المخاطر. فإذا كان ولد ذاهباً إلى مدرسته أو عائداً منها، أو إذا كان يستقلّ باصاً للنقل العام، أو إذا كان يلعب كرة القدم مع أولاد غرباء، أو إذا كان راكباً درّاجته الهوائيّة على الطريق العام، فإنّ الـ Street-smarts تحميه من الأذى. لنتّفِق على إطلاق عبارة "ذكاء الشارع" كمرادف للـ Street-smarts. بذلك أتجنّب استعمال عبارة "إبن شارع" لما لها من ارتباط في أذهاننا بالولد النزق أو الشخص "الأزعر". 
 
لكن كيف تعرف أنّك تملك مهارات "ذكاء الشارع" المطلوبة في كلِّ بلد في العالم، وخصوصاً في المناطق الأقلّ أماناً والأقل احتراماً للحرّيات الشخصيّة؟ 
 
أنتَ تملك "ذكاء الشارع" إن كنت واعياً بالتمام ما يحيط بك، فلا تتفاجأ بسهولة، ولا تبدو ساذجاً في ملاحظة ما يدور حولك. الشخص الذي لا يملك مهارات "ذكاء الشارع" تسمعه يردّد عبارات مثل: "آااااا ما كنت عارف إنّو هيك عم بيصير"، أو "أنا شفتو بس ما خطر ببالي إنّو هوّي هيك". أنتَ تملك مهارات "ذكاء الشارع" عندما لا يستطيع أحد إحراجك بسهولة. تستطيع أن تنظر في عينيه وتقول له: "ما حبّيت أبداً يلّلي قلتو". من يملك ذكاء الشارع لا يُظهر علامات الضعف. قد تكون خجولاً بطبعكَ، أو متردّداً، أو طيّب القلب أكثر من اللّازم، لكنّك تستطيع دائماً أن تخفي نقاط الضعف هذه من دون الوقوع في القساوة أو الوقاحة. وتستطيع بالتالي أن تبدي في لحظات الإحراج تماسكاً وجرأةً وحزماً. من يملك مهارات "ذكاء الشارع" لا يخوض معارك كثيرة بل ينتقي معاركه، وتكون المواجهة من خلال المعركة آخر خيار له. هو لا يهرب من المواجهة لكنّه لا يهوى المنازلات التي تنتج عداوات مجّانية.
 
من يملك مهارات "ذكاء الشارع" لا يُكثر من استعمال "السوشال ميديا" بل ينتقي متى وكيف ومن أجل ماذا يستعملها. هذا الشخص لا يترك نفسه للصدف وللمفاجآت. فإذا دُعيَ إلى اجتماعٍ يذهب مستعداً، ولا يترك مجالاً لأيّ مباغتة من أيّ شخص، شعاره في ذلك هو الشعار الكشفي "كُنْ مُستعداً". هو لديه القدرة على ملاحظة ما يدور حوله، وصنع الحكم الجيّد بخصوص الأشخاص والحالة. الشخص الذي يتمتّع بذكاء الشارع غالباً ما يعرف أهل المنطقة بالأسماء، ويعرف البائعين والكلّ يعرفه. "ذكاء الشارع" يمكّن الشخص من التعاطي الحذِق مع أوضاع عمليّة تواجهه في حياته اليوميّة، ويعطيه قدرةً "إنّو يدبّر حالو" حتّى ولو لم يكن متعلّماً تعليماً عالياً. في بعض المرّات نُطلق على هذا الشخص عبارة "زُبِطْ"، أو حَذِق، أو "ما بيتّاكَلْ"، أو "قدّا وقدود". لعلّه عندما كان تلميذاً لم تكن علاماته عالية. 
 
أمّا الشخص الذي لا يُنمّي فيه مهارات "ذكاء الشارع"، فهو يترك نفسه عرضةً للتنمّر أو الهزء من قبل أشخاص يتمتّعون بقدرة على فهم الوضع المجتمعي الذي هم فيه حتّى ولو كانوا أقلّ تعليماً منه. 
 
لكن ما الفرق بين الـ street smarts أي "ذكاء الشارع" والـ common sense؟ الفرق بسيط وهو أنّ الأوّل تعلّمك إيّاه الأيام وتطوّره، بينما الثاني يولد معك وهو يشبه الفطنة.
 
إذا قرّرتَ اليوم، أمتعلّماً كُنتَ أم لا، أن تكتسب مهارات "ذكاء الشارع"، فما عليكَ إلّا أن تحرّر نفسك من لوم الآخرين بسبب مشكلاتكَ، وألا تخدع نفسك بأنّك غير منحاز ولو بدرجة بسيطة، وأن تتوقّف عن تبرير نفسك معتقداً في كلّ آن أنّك لا تخطئ، وألا تختار ما تعتقده أنت صائباً بل تختار ما هو عقلانيّ ومنطقيّ، وأن تتوقّف عن تبسيط الأمور أكثر من اللازم وأكثر من الحدود العقلانيّة للتبسيط.
 
"ذكاء الشارع" هو مجموعة مهارات لا تولد معك، أنتَ تطوّرها. كلّنا بحاجة إليها وإنْ بنسب متفاوتة. هي لا تجعل منّا "ولاد شارع". هي تساعدنا على فهم هذا الشارع، والقدرة على التعاطي معه، حتّى ولو كان هذا "الشارع" حالة في المؤسّسة التي نعمل فيها، أو جيرة نعيش معها، أو بلداً "صعباً" لا نرغب في هجرانه.
 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية