كلّنا نحب أن نكون أحراراً. يُفرِحُ كثيرين منّا أن يقولوا ما يشاؤون، أن يعملوا ما يرغبون في عمله، وأن يتواصلوا مع الناس بالطريقة التي تريحهم.
تحضر في ذهني ظاهرة "الهيبّيز" في ستّينات القرن الماضي التي ثارت خصوصاً على قيم أميركا العائليّة وتمرّدت عليها. احتجّ الـ Hippies على الحرب، وطريقة عيش الآباء. طالبوا بإطلاق الحرّية الجنسيّة، وبعدم حظر عقار الـ LSD فتناولوه وسواه على نطاق واسع. من منّا ينسى شعارهم الأقوى Make Love Not War أي "مارسوا الحبّ لا الحرب" كردّ صاعق على حرب فييتنام والحرب الباردة؟ ماذا كانت النتيجة قبل أن تخبو الظاهرة في الثمانينات؟ لا شكّ في أنّ هذه الظاهرة ساهمت في إعادة تشكيل أميركا اليوم، لكنّها لم تذهب قبل أن تترك وراءها آلاف الأطفال الذين حُمِلَ بهم خارج إطار الزواج، وأعداداً أكبر من المدمنين. من يتحمّل مسؤوليّة هؤلاء؟
الفعل كان التمرّد. التداعيات تمثّلت بجيل مدمن على المخدّرات، وبجيل وُلد من دون أن يعرف من هم آباؤه. لكن ماذا عن المسؤوليّة؟ المسؤوليّة بقيَت ضائعة حتّى الآن.
خذ مثلاً ظاهرة المثليّين في سبعينات القرن الماضي. أراد هؤلاء الحرّية الجنسيّة الكاملة بين أعضاء الجندر نفسه. حصل لهم ما أرادوا. هذا كان الفعل. التداعيات كانت عديدة لعلّ أبرزها انتشار مرض الإيدز انتشاراً مريعاً بين المثليّين الرجال بدءاً من ثمانينات القرن الماضي. ماذا عن المسؤوليّة؟ لم نعرف الكثير عنها.
لنأخذ الموضوع إلى نطاقنا الشخصي العملي اليومي. أنت تقرّر أن تحكم المؤسّسة التي تديرها بيد من حديد، أو أن تتحكّم بالموظّفين في الدائرة التي تديرها في شركة ما. هذا هو الفعل. التداعيات شملت إحباطاً لدى الموظّفين، وتراجعاً في الإنتاجيّة. أين تكمن المسؤوليّة ومن يتحمّلها؟ المدير يلقي باللّائمة على الموظّفين وهؤلاء يلومون المدير على ما حصل.
هناك مئات الأمثلة في مسار حياتنا الشخصيّة والمهنيّة والاجتماعيّة، منذ أن تكوّن الوعي لدينا وحتّى الآن تقع على خطوط "الفعل والتداعيات والمسؤوليّة".
من الأخطاء القاتلة عند الناس عدم القبول بتحمّل المسؤوليّة. منها مثلاً في عالم المؤسّسات أن يرفض المدير قبول المسؤوليّة الشخصيّة عن الخطأ الذي يقع فيه فيبرّر لنفسه وأمام الجميع هذا الخطأ بدل أن يبادر إلى الاعتذار عنه. وفي عالم التربية والطفل، وتحديداً في مسألة الألعاب الإلكترونيّة، يحصل ذلك عندما يرفض الأهل تحملّ المسؤوليّة عندما يوفّرون لأولادهم الـ IPad والهاتف الذكي والـ PS في عمر مبكر ومن دون ضوابط، فيدمن أولادهم الألعاب الإلكترونيّة ويصطدم الأهل بهم. وفي عالم الإعلام والسياسة، نرى ذلك حاصلاً عندما يطلق سياسيّون في وقت الذروة، من على شاشات التلفزيون، كلاماً غير مسؤول فيه تحريض وحقد واتّهامات غير موثّقة.
ما هي هذه المسؤوليّة التي نتحدّث عنها؟ هي التزام، التزام الشخص بما يصدر عنه من قول أو فعل، وهذا يتطلّب قدرةً لدى هذا الشخص على تحمّل عواقب أقواله وأفعاله، التي تصدر عنه باختياره، سواء كانت هذه النتائج جيّدة أم سيّئة. هي ليست بالمسألة السهلة. طبعاً هناك أسباب تجعلنا نرفض تحمّل المسؤوليّة تجاه بعض الأمور والأفعال، مثل الكسل وضعف الهمّة، أو تنشئة خاطئة من أهلنا، أو اعتيادنا إلقاء اللوم على الآخرين. كذلك لا يتحمّل البعض المسؤوليّة لأنّهم لا يرون التداعيات السلبيّة لأفعالهم أو هم يستخفّون بها.
الموضوع هو موضوع تربية بيتيّة بالدرجة الأولى والثانية والثالثة، ومن ثمّ يأتي دور المدرسة والمجتمع. إذاً لا بدّ للأهل من أن يقوموا بثلاث خطوات محتومة مع أولادهم لئلّا يدفع هؤلاء أثماناً كبيرة. أولاً، أن يشرحوا للولد معنى المسؤوليّة ويناقشوه فيها ويتأكّدوا من مدى فهمه لهذه المفاهيم عبر سؤاله عنها. ثانياً، أن يعلّموا ولدهم ويدرّبوه على المهارات اللّازمة ليكون قادراً على الاستقلاليّة الـ Autonomy وتحمّل المسؤوليّة من مثل مهارات اتّخاذ القرارات. ثالثاً، ولعلّها الفكرة الأهم وهي أن يساعد الأهل ولدهم على فهم الارتباط الوثيق بين تحمّله المسؤوليّة الآن والعلاقة المستقبليّة بين السلطة التي سيختبرها كمدير وكوالد أو والدة وكشخص يتعاطى الشأن العام، وبين المساءلة.
بوب ديلُن الموسيقي والكاتب الأميركيّ قال مرة: "بالنسبة إلي فإن "البطل" هو الشخص الذي يدرك تماماً درجة المسؤوليّة التي تترتّب عليه بسبب الحرّية التي يتمتع بها". هذا كلام صحيح. هل تكون أنت وأكون أنا ذاك البطل؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض