08-09-2021 | 08:30

القاهرة وإشكاليّة تجديد الخطاب الدّيني

منذ ثلاثينات القرن الماضي، تعيش الدولة المصرية تحديداً والمنطقة العربية عامة، أزمة بناء مكونات الإسلام الحركي ونظرياته التي تشربتها الدوائر المجتمعية، وأحدثت تغييراً وتبديلاً في العقلية الجمعية على المستوى الفكري والسلوكي.
القاهرة وإشكاليّة تجديد الخطاب الدّيني
Smaller Bigger
منذ ثلاثينات القرن الماضي، تعيش الدولة المصرية تحديداً والمنطقة العربية عامة، أزمة بناء مكوّنات الإسلام الحركي ونظرياته التي تشرّبتها الدوائر المجتمعية، وأحدثت تغييراً وتبديلاً في العقلية الجمعية على المستوى الفكري والسلوكي.
 
ثمة واقع مرير يعصف بالبشرية كلها أمام منهجية أيديولوجية استقت أدبياتها الفكرية من قوالب تراثية مقدسة جامدة، اتّخذت منها الجماعات الأصولية مرتكزاً في فهم النصوص الدينية، وصنعت لنفسها أطروحات وضلالات تشريعية حادت بها عن الطريق المستقيم، فشطرت الحياة بين طرفي الإيمان والكفر، وبين دار الإسلام ودار الحرب.
 
 بداية من قضايا "أسلمة المجتمع" و"الحاكمية" و"جاهلية القرن العشرين" و"العزلة الشعورية" و"حتمية الصدام"، والتوسع في مفردات التكفير، وإشكالية إقامة "الدولة الدينية"، ومسارات "التمكين"، وتصورات العمل الحركي، ومصوّغات الانتماء التنظيمي، والتي وضع محتواها حسن البنا وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي وشكري مصطفى، وثبّتت أركانها في العمق المصري، وصنعت أجيالاً تلقّت المنهجية الدينية على أنها التطرف والعنف والإقصاء واستحلال الدماء.
 
مساعي أسلمة "المجتمع"، التي طُرحت على يد جماعة "الإخوان المسلمين"، والتيارات السلفية، من خلال لافتة "سقوط الخلافة"، والادعاء ظناً بسقوط الإسلام تباعاً (جهلاً منهم)، والتي اتخذت ذريعة لنظرية "الحاكمية"، والانتقال بوضعية "الأمة" من  المرحلة المدنية إلى الحالة المكية، التي يتربع فيها المجتمع في دائرة "الجاهلية"، انطلاقاً نحو التنظير لأبجديات التكفير الصريح وتوظيف القوة في التغيير، سواء بالمواجهة المباشرة أم غير المباشرة.
 
الدولة المصرية الآن في حاجة عاجلة لتحديد ماهية خطاب ديني متماسك، يعلي "العقلية النقدية" على "العقلية النقلية" في تحرير النص الديني، ويضع في أولوياته تفكيك الأيديولوجيا الفكرية للجماعات الأصولية، التي قامت على منطلقات الصراع السياسي السلطوي للأمم الإسلامية عبر محطات تاريخية وزمنية متعاقبة ومتلاحقة.
 
الوقوف أمام النصوص وتقديسها تركا الأبواب مفتوحة أمام المتنطعين في إقامة حجتهم ونشرها في ربوع الوطن العربي، من دون مواجهة حقيقية شاملة لمعاني الاجتهاد في قراءة الضوابط الفكرية المتفقة مع مقاصد الشريعة واستخراجها، والانتقال بها من حيّز ضيق إلى حيّز أكثر رحابة واتزاناً مع معطيات الحياة المعاصرة.
 
الكثير من الجماعات الأصولية وظَّفت الدِّين لأغراض سياسية، ما نَتَجَ منه حدوثُ صراعات دامية بين أتباعها، وبات تحرير النص الديني فرضية حتمية في القضاء على كلِّ أشكال التعصب الديني وكراهية الآخر المختلف دينياً ومذهبياً وعرقياً، على نحو ينسجم مع المفاهيم والأوضاع الجديدة التي أوجدتها العولمة، ولا يقتصر على رجال الدين، بل يشمل المجتمع ككل، ويصبح ضرورة حين يدرك العقل البشري حقائق الوجود والأشياء، ومقوّمات النهضة والتغيير والتطور على سبيل التدرج. 
 
لن يستقيم تجديد الخطاب الديني من دون فك الاشتباك مع الماضي ومصطلحاته وأطروحاته الفكرية التي تكوّنت في نطاق سياسات مغايرة لما تعيشه الأمة العربية والإسلامية، ويختلف نهجاً وفقهاً مع واقعيتها المعاصرة، فما يصلُح في القرن الثاني الهجري ربما لا يصلُح في القرن الخامس عشر الهجري، والأسلوب الذي كُتب به الخطاب الديني في عصر ما، ليس صالحاً بالضرورة لكل العصور، وبخاصة العصر الحديث، مع ضرورة التمييز بين "الإسلام" وتاريخ المسلمين، فالتاريخ السياسي للمسلمين، هو تاريخ بشري حافل بما يوجب النقد والنقض.
 
خطاب ديني لا يضع المدنية في إطار الإلحاد، ولا يضع التفكير في مساحة التكفير، ولا يضع التطور الفكري في نطاق الردة والخروج من الملة، خطاب يعتمد على المنطق في استنباط الأدلة الشرعية، وليس الانحصار في دائرة الإتباع والجمود على موروث الماضي، ومنحه سلطان القوة والقداسة على الحاضر المتغير.
 
القرآن الكريم بليغ في تعبيراته وتصوراته ومفرداته، والبلاغة في ذاتها تعني مراعاة مقتضى الحال، أي أن البلاغة القرآنية معبّرة عن مخلتف الأزمنة السابقة والراهنة والمستقبلية، ما يمنحها القدرة على التجدد والعطاء المستمر في توصيف الواقع، والتماس المباشر مع الحاضر، من دون التوقف والجمود على منحيات الماضي وإشكالياته الاجتماعية، وهفواته التاريخية، وصراعاته السياسية. إذ إن القرآن زاخر بمعاني التجديد والحرية والعقل والتقدم والعدالة والشورى واحترام الآخر.
 
اشتمل القرآن الكريم على مئات الآيات التي ختمت بضروة إعمال "العقل" ومشتقاته، من التفكير والتدبّر والتعلم والتّفقه، وغيرها من المنح الربانية التي ميّزت البشرية، واصطفتها عن جميع المخلوقات، واستدلت بها على قدرة الله وحكمته في خلقه.
ومن بديهيات التسليم والإيمان بما جاء به خير البريّة محمد صلى الله عليه وسلم، يكمن جوهره في إعمال العقل والإدارك الفكري، القائم على المعرفة قبل الإتباع، فلم يكن مصادفة أن تكون أولى رسائل الوحي الإلهي، "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، ولم يجعلها في بادئ الأمر "ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ"،لما للعلم من تأثير فاعل في تغيير حياة الفرد والمجتمع.
 
الدين صالح لكل زمان ومكان، ما يعني أنه متجدد دائماً، والتجديد يستوعب الاجتهاد ومناهجه، ويقدم فهماً أوسع له بما يتناسب مع مفاهيم العصر، وهذه الحالة تجعل صفة الاجتهاد لديه مستمرة ومقرونة بمقاصده الفكرية في تحقيق مصالح الناس ورعايتها، لا سيفاً مسلطاً على رقابهم وحياتهم، وعلى مدار تاريخ المسلمين تطوّرت علوم الفقه واللغة والكلام، وتميّزت كل مرحلة زمنية بمددها المعرفي والتأويلي في قراءة النصوص وتفسيراتها وضوابطها، وفي العصر القريب ابتُليت الأمة بـ"منهجية التقليد"، وتوقّفت مدارك علمائها على اجتهادات السابقين وتأويلاتهم وميراثهم الفقهي والفكري، وانغلقوا والتصقوا بالدعوة الوهابية في بلورة علوم الشريعة وأحكامها، فانحرفت نحو مسالك التكفير والتفجير، وتحوّل تطبيق الحدود مقصداً في ذاته.
 
يشير الدكتور محمد يوسف موسى، في كتابه "كفانا تقليداً في الفقه"، إلى أن التطور قانون من قوانين الحياة، فالحياة لا تعرف التوقف والجمود، وتتغير أنماطها باستمرار، وتتبدل معها النظم والمعاملات، وتجد المشكلات التي تتطلب حلولاً جديدة تتفق وشرع الله، ومنها أن تطوير الفقه يعدّ مقدمة ضرورية قبل المناداة بأن تكون الشريعة هي مصدر القوانين في الدولة، وأنه يجعل منه فقهاً حياً ويجعلنا في غنى عن اقتباس الفقه الغربي والتبعيّة له في تشريعاتنا وقوانيننا.
 
الكثير من المدارس الفكرية المستنيرة نادت بمحاولات الخلاص من إشكالية جمود النص، والاستناد إلى المنطق والعقل، ابتداءً من مدرسة جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده، والشيخ أمين الخولي، والشيخ مصطفى عبد الرازق، والشيخ علي عبد الرازق، والشيخ عبد المتعال الصعيدي، وخالد محمد خالد، وحسين مروة، وغيرهم، والذين نادوا بتقديم قراءة عصرية جديدة للمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، بعيدةً عن الجمود الفكري والتأويل المقدس للنصوص الدينية، التي تلتزم ضوابط السابقين في تفسيراتهم ورؤيتهم إغفالاً للحاضر الزمني المعاصر، وتعارضاً مع ديمومة التجديد الذاتي للإسلام في نظرته الى مقتضيات الواقع الحياتي للبشرية.
 
بعيداً من الصراعات المذهبية بين الأشاعرة والوهابية، والإبحار في إشكالية الذات والصفات الإلهية في فهم النصوص الدينية، واتساع دائرة الجدل الكلامي بين اليمين الديني واليسار الإسلامي، واشتعال أتون معارك أنصار الدولة الدينية والدولة المدنية، ثمة ضروة ملحّة مجتمعياً لتفكيك الأيديولوجية الفكرية للتنظيمات الأصولية، وتفنيد قضاياها والرد على مزاعمها من دون الدخول في جدل فلسفي، تضيع فيه الحقوق ومقاصد الشرع الحنيف، وينتقل بالجميع من حيّز مشروع "أسلمة الدولة"، واغتصابها سلطتها، إلى مشروع تجديد الفكر والعلوم الإنسانية.
 
تصحيح المفاهيم يستلزم في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ الوطن، الاهتمام أولاً بقضايا "الفقه السياسي"، وليس بـ"فقه العبادات"، إذ إن الجماعات الأصولية في إطار تأصيل أفكارها ومشروعها، وصناعتها للعقول المتطرفة، تعتمد على إشكاليات الحاكم والمحكوم، وتزكية العصبة المؤمنة، وتكفير الفئة الممتنعة، والاستغراق في معاني الاستعلاء الإيماني، وفرضية العمل المسلح والانتماء التنظيمي، واستنطاق آيات القتال والجهاد، ومفردات دفع الصائل، وغيرها من أبجديات وآليات بناء مكوّنات الإسلام السياسي والحركي، ومن ثم تنطلق معركة الوعي من مراجعة القضايا الفكرية والفقهية التي تتكئ عليها الجماعات التكفيرية في تزييف القلوب والعقول.
 
تصحيح الخطاب الديني لن يتحقق إلا في إطار مشروع قومي فاعل، تشارك فيه مختلف مؤسسات الدولة المصرية، فضلاً عن مشاركة المؤسسات الرسمية العربية لإثراء التجربة والمشروع ككل، بدلاً من الحالة الراهنة التي تبدو فيها المؤسسات المعنية بقضية تجديد الخطاب في جزر منعرلة بعضها عن بعض.
 
كما لا يمكن أن يتحقق هذه المشروع في إطار إقصائي للنماذج التي تمثل فكرة الإسلام العلماني، أو اليسار الإسلامي، لصهر مختلف التوجهات الفكرية، مع الاستعانة بخبراء علم الاجتماع السياسي والطب النفسي، للوقوف على الأزمات المجتمعية ومدى تمحورها حول مكوّنات الإسلام السياسي وارتباطها الوثيق بالعزلة الشعورية التي تسيطر على رواد هذه المساحات الفكرية المتناقضة، مع ضروة تقديم وعاء فكري مطبوع وشامل، يضمّ مؤلفات المستنيرين السابقين ومنهجيتهم في قضية تجديد الفكر الإسلامي، وتوظيف وسائل الإعلام الحديثة في إلقاء الضوء على المضامين الفكرية الجديدة.
 
كثيراً ما تعامل أنصار مكوّنات الإسلام السياسي بالرفض الشديد لمصطلح تجديد الخطاب الديني، لكونه يهدم مخططهم ومشروعهم الفكري، فصوّبوا مدافع الطعن والتكفير تجاه الداعين إليه، قديماً وحديثاً، وحاولوا ربطه دائماً بفكرة المستعمر الغربي، في استمالة واستقطاب للعقلية الإسلامية وإخراجها عن كينونتها الثقافية والفكرية.
 
ومن أبرز الكتابات الغربية التي يستشهد بها في هذا الشأن، كتابان، الأول: كتاب "الإسلام والتجديد في مصر"، لشارلز آدمز من الجامعة الأميركية في القاهرة، والصادر عام 1933، والثاني: كتاب "الاتّجاهات الحديثة في الإسلام" للمستشرق البريطاني هاملتون جيب، عضو المجمع العلمي العربي في القاهرة، والصادر في الأربعينات من القرن العشرين.
 
ولعلّ أكثر من عبّر عن هذا الاتجاه الدكتور محمد البهي، في كتابه "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي" الصادر عام 1957، وبحسب قوله "فالتجديد في رقعة الشرق الأدنى منذ بداية القرن العشرين هو محاولة أخذ الطابع الغربي، والأسلوب الغربي في تفكير الغربيين، سواء في تعبيرهم عن الدين، أم في تحديدهم لمفاهيمه، ومفاهيم الحياة التي يعيشونها، أو في تقديرهم للثقافات الشرقية الدينية والإنسانية".