07-12-2022 | 06:00

القمّة العربيّة - الصينيّة وصدام الأقطاب... "لا تضعوا البيض في سلة واحدة"!

بلا مبالغة، "الشرق الأوسط" إحدى البؤر الساخنة في العالم؛ منطقة صراع بين القوتين العظميين الولايات المتحدة والصين.
القمّة العربيّة - الصينيّة وصدام الأقطاب... "لا تضعوا البيض في سلة واحدة"!
Smaller Bigger
بلا مبالغة، "الشرق الأوسط" إحدى البؤر الساخنة في العالم؛ منطقة صراع بين القوتين العظميين الولايات المتحدة والصين؛ في إطار لعبة الأمم، كل منهما يحاول توسيع نفوذه في الإقليم. على خطى الرئيس الأميركي جو بايدن يحل الرئيس الصيني شي جينبينغ ضيفاً على القيادة السعودية، يعقد ثلاث قمم، ثنائية وخليجية وعربية. الصين قوة وازنة دولياً، نموها الاقتصادي الصاروخي أحد أسباب ارتجاف الغرب؛ خشية بسط سيطرتها الجيوسياسية، بينما يعتبرها العرب شريكاً مريحاً، لا تتدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، بذريعة حقوق الإنسان، مثلما يفعل الغرب... هذه القمة الفريدة حلقة من صدام الأقطاب في نظام عالمي يعاد تشكيله.
 
قلب العالم
 الشرق الأوسط قلب العالم ونقطة أساسية في الاستراتيجيات الكونية للقوى العظمى، انطلاقاً مما تمتلكه دول المنطقة من ثروات طبيعية، لا سيما النفط والغاز ترياق "الحضارة الحديثة" ومصدر طاقتها وسر حيويتها، يضاف إلى ذلك موقعها الاستراتيجي وتحكمها في الممرات الملاحية الرابطة بين بحار العالم ومحيطاته، ما يكسبها أهمية لا غنى عنها لحركة التجارة الدولية، وأيضاً حركة الجيوش والأساطيل الحربية على مسارح العمليات وتوزيعات القوة، بين الدول الكبرى، ومن أبرزها الولايات المتحدة وروسيا والصين ودول الاتحاد الأوروبي التي تتنافس إلى حد الصراع؛ من أجل بسط سيطرتها وحيازة "الأفضلية" في العلاقة مع بلدان المنطقة، والحصول على مواردها وحرمان الطرف الآخر منها، إنها مبارزة للسيطرة على العالم.
 
 في هذا السياق، تندرج زيارة شي جينبينغ السعودية، حيث يحظى الرئيس الصيني بحفاوة لم يحظ بها نظيره الأميركي بايدن، يعقد شي ثلاث قمم: صينية - سعودية، وصينية - خليجية، وصينية - عربية، كلها ترتبط بأولويات الصين في الشرق الأوسط، لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتكنولوجية والثقافية مع دولها، وهي حريصة على التمدد في الإقليم من خلال التجارة والاستثمار والديون والمعونات، الصين هي الشريك التجاري الأكبر لكثير من الدول العربية، تجاوز التبادل التجاري بين الطرفين 332 مليار دولار عام 2021، وقفزت الاستثمارات الصينية في هذه الدول إلى 20 ملياراً.
 
ومن المقرر أن تبحث القمة تطوير التعاون في الطاقة والاستثمار والصناعة والنقل والمواصلات والموارد الطبيعية والبيئة والزراعة والتكنولوجيا وصناعة السلاح والأدوية والطيران وغيرها، والارتقاء بالشراكة الاستراتيجية بين الجانبين إلى آفاق أكبر. وتعزيز مبادرة "الحزام والطريق" - مشروع القرن الصيني - يدفع التموضع الجيوسياسي للدول العربية في قلب العالم، الصين إلى الحفاظ على علاقات قوية مع التكتل العربي؛ لإنجاح مبادرة (طريق الحرير)، يملك العرب الجانب الجيوسياسي الأهم من المبادرة، بإطلالة واسعة على بحار العرب والأحمر والأبيض والخليج العربي. وتحاول الدبلوماسية الصينية عقد مؤتمر دولي لتسوية الصراعات في القرن الأفريقي، لتأمين العمق العربي - الأفريقي لمبادرة الحزام والطريق، على الصعد الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية.
 
استراتيجية مشتركة
 وتهدف القمة الصينية - العربية، بحضور عدد كبير من الزعماء العرب في ضيافة السعودية، إلى بناء استراتيجية مشتركة جديدة، تعكس الوزن الاقتصادي والسياسي والبشري والإنتاجي الهائل للصين، والثروات والموقع والمميزات النسبية والأهمية الجيوسياسية للبلدان العربية، في ظل أزمات عالمية، مثل كورونا وأوكرانيا والتصعيد الأميركي المتزايد ضد التنين. تسعى بكين والعواصم العربية إلى رفع التبادل التجاري من 332 مليار دولار إلى 500 مليار، بحيث يماثل الميزان التجاري الصيني مع الاتحاد الأوروبي الشريك الأول لبكين، والذي يبلغ 586 ملياراً.
 
الأهم أن دولاً عربية، وعلى رأسها السعودية ومصر والإمارات والجزائر، تقترب فعلياً من الإعلان عن انضمامها إلى تجمع تحالف دول "بريكس"، الذي تتزعمه الصين، والتي أبدت تأييدها لانضمام دول عربية بعينها إلى "التحالف"، ما يكسبه قوة وثقلاً إضافياً، يجذب هذه الدول العربية المؤثرة رويداً رويداً إلى معسكر التنين، ويعود بالفائدة على الطرفين، لدى كل طرف ما يحتاجه الآخر، الصين تملك الأموال والتكنولوجيا والسلاح والأسواق، والعرب الثروات الطبيعية والموقع والأسواق أيضاً.
 
ليست الصين مجرد دولة كبرى، بل قوة تنافس الولايات المتحدة على الزعامة وتخطط للهيمنة دولياً، لكنها لا تلجأ إلى الحروب أو الجيوش كما يفعل الآخرون من الروس والغربيين، إنما تعتمد خطتها على الاقتصاد، من يسيطر على الاقتصاد يسيطر على العالم، لكن هل تقف الولايات المتحدة متفرجة على الصعود الصيني؟!.. كل الدلائل تشير إلى أن أميركا لا يمكنها السكوت، وهي تشعر أن عرشها يؤخذ منها، لهذا أشعلت حرباً باردة مع الصين، سدد الرئيس ترامب أول طلقة في حرب تجارية معها، وأكمل الرئيس بايدن الطريق، قدّم ضمانة أمنية نادرة لتايوان، بالتدخل عسكرياً إذا قامت الصين بغزوها، ففي الوقت الذي تسعى فيه بكين لجذب حلفاء جدد من حولها كالعرب وبعض دول جنوب شرقي آسيا، تعمل واشنطن على إثبات قدرتها على الهيمنة ومهاراتها العسکرية والدبلوماسية لحماية حلفائها وأصدقائها، خلال التنافس مع الصين الصاعدة، يعترف آرون فريدبرغ الأستاذ في جامعة برنستون في دراسته "التنافس مع الصين"، بأنّ وضعية الصين كمنافسٍ صاعد لم يعد ممكناً احتمالها.
 
سيناريو المواجهة
نحن أمام سيناريو مواجهة بين أكبر اقتصادين في العالم. الأمر الذي يمکن أن يشکل تهديداً للأمن العالمي والإقليمي في الشرق الأوسط، باعتباره إحدى أکبر النقاط المحتملة للتصعيد، أثناء المنافسة على قمة الهرم الدولي، ومن ثمّ إعادة تنظيم حضور القوى الکبرى في الشرق الأوسط، ما قد يزيد فائض أزماته المستفحلة على نحو خطير.
 
لا شك في أن أي صدام بين واشنطن وبكين على الأرض العربية - إن حدث - أو في جوارها، سيكون كارثة بكل معنى الكلمة؛ لذلك ينظر العرب بعين إلى الشرق وأخرى إلى الغرب، تعلم القوم درساً مهماً، ألا يضعوا البيض كله في سلة واحدة، ومن مصلحة العرب لجم الصراعات والحد من التوترات الجيوسياسية في الإقليم. الطريق الوحيد إلى ذلك هو الإسهام في بناء "الثقة الاستراتيجية"، تأسيساً على نوع جديد من علاقة القوة الرئيسية بين بکين وواشنطن، حسبما اقترح هنري کيسنجر؛ عندما رأى أنه لا ينبغي اعتبار ظهور الصين المزدهرة والقوية بحد ذاته هزيمة أميركية بالنظر إلى الطبيعة غير الصفرية لعلاقاتهما الثنائية، فالتعامل مع الصين الصاعدة على أنها ضارة بالسلام الإقليمي، أو استنتاج أن العلاقات الصينية - الأميرکية ستتبع الحلقة المفرغة لصعود القوى العظمى وسقوطها؛ كل هذا سوف يعزز من سباق التسلح، ويفاقم المعضلات الأمنية.
 
للمرة الأولى في تاريخ البشرية يقع العالم في "حيص بيص"، يضرب أخماساً في أسداس حول ما يتربص به مستقبلاً... المستقبل يحوطه غموض التكهنات على الصعد كافة، مشهد يستحضر رأي صامويل هنتنغتون في كتابه "صدام الحضارات" حيث السلام البارد مقابل الحرب الباردة بين معسكر التنين الصيني وبيت الرجل الأبيض.. المفارقة أن هذا يحمّل للعرب قدراً هائلاً من الفرص التي يجب اغتنامها للاستحواذ على مفردات القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية والسياسية، من خلال استثمار علاقات العرب مع العملاقين في الوقت نفسه، بقدر ما يحمل أخطاراً جسيمة، حال التناحر بين الولايات المتحدة والصين على المستويات كافة، في سبيل "السيادة العظمى"، العرب مدعوون إلى مد الجسور مع الجميع والوقوف على مسافة واحدة منهم، إن أمكن، حفاظاً على مصالحهم، ولعل القمم الصينية في السعودية خطوة أولى في الاتجاه الصحيح!
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.