القضاء جزء من الفشل التونسي في مكافحة الإرهاب
لا أحد يعرف على وجه التحديد حتى اليوم من وقف خلف المئات من شبكات تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر والحرب في سوريا وليبيا والعراق بين 2012 و2016. ولا أحد وصل إلى الحقيقة في قضايا الإغتيالات السياسية التي هزت البلاد وكادت تعصف بها الى المجهول.
لا أحد يعرف على وجه التحديد حتى اليوم من وقف خلف المئات من شبكات تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر والحرب في سوريا وليبيا والعراق بين 2012 و2016. ولا أحد وصل إلى الحقيقة في قضايا الإغتيالات السياسية التي هزت البلاد وكادت تعصف بها الى المجهول. ولا أحد يستطيع حتى اليوم أن يحسم جدلاً طويلاً منذ نحو ثماني سنوات حول الجهة التي وقفت وما زالت خلف موجة العنف الديني التي طالت البلاد لسنوات. لكن ما كشفته هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، في الآونة الأخيرة حول كواليس الجهاز القضائي وما يدور خلف أسوار العدالة من فساد وتجاوزات تتعلق أساساً بالمؤسسة القضائية المتخصصة في القضايا الإرهابية، يمكن أن يضيء جوانب مخفية ويجد أجوبة منطقية لهذه الأسئلة التي اعتقد قطاع واسع من التونسيين أنهم لن يجدوا لها جواباً.
بدأت القصة في 15 شباط (فبرارير) الماضي عندما قرر رئيس الحكومة الحالي، هشام المشيشي، المدعوم من "حركة النهضة"، عزل محمد بوستّة وزیر العدل المقرب من الرئيس قيس سعيد بشكل عاجل، في أعقاب اتخاذه قراراً بإحالة تقریر للتفتيش القضائي إلى المجلس القطاعي العدلي، في حق النائب العام السابق المقرب من "حركة النهضة" بشير العكرمي ورئيس محكمة النقض الطيب راشد. لاحقاً وبشكل يثير الدهشة قامت وزیرة العدل الجديدة حسناء بن سلیمان بمراسلة المجلس القطاعي العدلي لاسترجاع التقریر بحجة إصلاح بعض الھفوات الإداریة التي تعلقت به. ليحاط محتوى التقریر بسریة مطلقة ويوضع تحت رقابة مشددة. حتى أن أعضاء المجلس القطاعي العدلي لم یتمكنوا من الاطلاع علیه إلا في شكل تلاوة جماعية،كما رفض المجلس الأعلى للقضاء تسلیم النائب العام نسخة من التقریر ومَاطَلَه رغم تكلیفه فتح أبحاث جنائية.
ومن ضمن محتويات التقرير الذي أخرجته هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي إلى العلن أرقام ومعطيات صادمة حول تعاطي جهاز "وكالة الجمهورية" (النيابة) مع ملف الإرهاب، إذ قامت ھیئة التفتيش التابعة لوزارة العدل بإجراء جرد عیني للمحاضر والملفات الجارية في قطب مكافحة الإرھاب، وأنتجت ھذه العملیة 6268 محضراً جزائياً في الإرھاب غیر منجز و 1361 محضراً متخلى عنھا للصبغة الارھابیة غیر المضمنة في الدفتر، و المحاضر المذكورة غیر مضمنة وغیر مفصولة ویرجع بعضها الى سنة 2016. إلى جانب محاضر أنجزتھا الوحدات الأمنیة ولم یتخذ العكرمي أي قرار في شأنها، منھا 20 محضر سفر الى بؤر التوتر. وعدم الفصل في بعض المحاضر المحالة من طرف محاكم الحق العام. كمثال لتلك المحاضر: المحاضر الواردة من المحكمة الابتدائیة للقصرین (المنطقة الأكثر استيعاباً للجماعات الإرهابية) وهي: 64 محضراً متعلقاً بالجماعات الإرھابیة و9 محاضر متعلقة بمداھمة مجموعات إرھابیة منازل مواطنین والقیام بعملیات سرقة وتھدید بالقتل ومحضر متعلق بمحاولة قتل رجل أمن من طرف مجموعة إرھابیة بإطلاق النار على سیارته أحیل على القطب في 18 نيسان (أبريل) 2019 للصبغة الإرھابیة للأفعال ولم یقع اتخاذ أي إجراء في شأنھا منذ ذلك التاریخ.
ويضيف تقرير التفتيش أنه بعد إجراء جرد على مكتب المساعد الأول للنائب العام، أنیس الغربي لوحظ وجود محاضر تتضمن قرارات ولا تتضمن تاریخ اتخاذ تلك القرارات، كما أنھا غیر موقعة ولم یتم ارجاعھا للكتابة لإتمام الإجراءات أو توزیعھا على مكاتب التحقیق، على غرار: 56 محضراً وقع اتخاذ قرار في شأنھا بفتح بحث تحقیقي غیر مؤرخة وغیر موقعة و43 محضراً صدرت في شأنھا قرارات حفظ و54 محضراً اتخذت في شأنھا قرارات بإتمام بعض الأعمال والأبحاث لم توجه للوحدات الأمنیة لإنجاز المطلوب (تاریخ المحاضر یرجع الى عامي 2017 و2018). و29 محضراً لم یقع اتخاذ أي قرار في شأنھا مؤرخة في أعوام 2016 و2017 و2018 و2019. وعدد من القضایا المحالة من المحاكم العسكریة والسوابق والإضافات المتعلقة بھا، من بينها 118 قضیة محالة من المحكمة العسكریة بموجب التخلي للصبغة الإرھابیة لم یتم تضمینھا ولم یقع اتخاذ أي قرار في شأنھا.
وكذلك عدید الإضافات الواردة من المحكمة العسكریة (تقاریر اختبارات فنیة وطبیة وأبحاث تكمیلیة) لم تتم إضافتھا الى الملفات التحقیقیة وھي إضافات ھامة تتعلق باختبارات فنیة سواء على الأسلحة أم على الذخیرة أم على متفجرات واختبارات تتعلق بتشریح جثث بعض الارھابیین، كما أن ھذه الإضافات غیر مضمنة. كما أن بعض القضایا المحالة من المحكمة العسكریة أو الإضافات یرجع تاریخھا الى عام 2015. وكذلك عدید القضایا ذات الصبغة الإرھابیة الواقع التخلي عنھا من المحكمة العسكریة وتتعلق بانفجار ألغام ووجود معدات عسكریة وساعات یدویة تستعمل في التفجیرات وشرائح ھواتف جوالة ومواد قابلة للانفجار بخاصة في منطقتي جبل السلوم والمغیلة وسمامة (الجبال الغربية على الحدود مع الجزائر) تحتوي على اختبارات فنیة ھامة قابلة للاستغلال ولم یقع فتح أبحاث فیھا.
يبدو هذا القليل مما تسرب من تقرير التفتيش القضائي دالاً بعمق الى أحوال القضاء في تونس بعد أكثر من عشر سنوات من الثورة، فيما تلوّح هئية الدفاع بمزيد من التسريبات التي ستشمل بقية أجزاء التقرير الطويل الذي يدين رئيس محكمة النقض بتهم الفساد المالي، اذ تترنح العدالة التونسية أمام سقوط جناحيها ''النقض والنيابة" بتهم مخلّة بمصفوفة القيم القضائية. وهذا يعطي صورة لما ستكون عليه البلاد مستقبلاً من فوضى وانهيارات في انتقال ديموقراطي تتساقط أركانه واحداً فآخر: اعلامياً وسياسياً واقتصادياً وقضائياً.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
اقتصاد وأعمال
4/30/2026 9:14:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
نبض