06-06-2022 | 06:10

الرئيس في متاهته

الرجل الذي كان يحظى بدعم شعبي وسياسي كبير مساء 25 تموز (تموز) 2021، بات اليوم شبه وحيد. فالمسار الذي سلكه قيس سعيد خلال هذه الشهور العشر، لم يكن ضمن أفق التوقع لدى قطاع واسع من النخب السياسية المحلية ولا القوى الدولية. عندما أعلن سعيد في ذلك الوقت حالة الخطر الداهم واضعاً جميع السلطات في يد قصر قرطاج، كان الجميع يعتقدون أنه ماضٍ في مسار إصلاحي وربما تعديلات جذرية تطال الدستور، وإجراءات اقتصادية عاجلة لفائدة السديم الواسع من الطبقات الوسطى والشعبية، التي ساندته في الإنتخابات وفي 25 تموز. لكن شئياً من ذلك لم يحدث.
الرئيس في متاهته
Smaller Bigger
الرجل الذي كان يحظى بدعم شعبي وسياسي كبير مساء 25 تموز (تموز) 2021، بات اليوم شبه وحيد. فالمسار الذي سلكه الرئيس التونسي قيس سعيد خلال هذه الشهور العشرة، لم يكن ضمن أفق التوقع لدى قطاع واسع من النخب السياسية المحلية ولا القوى الدولية. عندما أعلن سعيد في ذلك الوقت حالة الخطر الداهم واضعاً جميع السلطات في يد قصر قرطاج، كان الجميع يعتقدون أنه ماضٍ في مسار إصلاحي وربما تعديلات جذرية تطال الدستور، وإجراءات اقتصادية عاجلة لفائدة السديم الواسع من الطبقات الوسطى والشعبية، التي ساندته في الانتخابات وفي 25 تموز (يوليو). لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.
 
منذ ذلك التاريخ وأوضاع هذه الطبقات تزداد سوءاً وتدهوراً، فيما تواصل الأقلية المسيطرة جني الأرباح من دون مشاكل. ومنذ ذلك التاريخ لم يقم الرئيس إلا بالسيطرة على السلطة قطعة قطعة، حيث تحول ما كان مفرقاً على أيدي أحزاب الائتلاف الحاكم، مجمعاً بيد الرئيس في قصره. فبدلاً من إصلاح المؤسسات في اتجاه الحياد النسبي قام الرجل بتحويل هذه المؤسسات من ولاء لفائدة خصومه إلى ولاء لحسابه. حيث قام بحلّ المجلس الأعلى للقضاء بتهمة الولاء لأطراف سياسية كانت سائدة ثم أعاد تشكيل مجلس جديد يدين له بالولاء، يعزل أعضاءه ويعينهم كما يشاء من دون اعتراض. ثم عمد إلى تغيير تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بدعوى ولائها لحركة "النهضة"، مع أن الهيئة نفسها هي التي نظمت الانتخابات التي أوصلته إلى السلطة، لكنه في الوقت نفسه أعاد تشكيلها بنفسه معيناً أعضاءها كما يشاء، وواضعاً نفسه في موقع الخصم والحكم. وهو سيكون محل استفتاء شعبي في 25 تموز (يوليو) على شرعيته من خلال الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد.
 
بموازاة هذا الجهد الحثيث الذي يبذله الرئيس في إعادة تشكيل مؤسسات الحكم على قاعدة الولاء، والسيطرة عليها بدعم واضح من أجهزة الدولة القمعية، لا تحرك "جمهورية قيس سعيد" ساكناً أمام موجة التضخم الهائل التي تضرب البلاد ولا أمام تدهور خدمات الدولة العمومية في قطاعات الصحة والنقل والتعليم. لكنها تحاول في الوقت نفسه الظفر بقرض جديد من صندوق النقد الدولي رغم الشروط التي يحاول الصندوق فرضها، والتي لن تزيد أوضاع الطبقات الشعبية إلا تدهوراً، ولن تزيد المنظمات النقابية إلا تصلباً في مواجهة مشروع التفقير المديد الذي تقوده حكومة نجلاء بودن. ذلك أن خطاب الرئيس سعيد السيادي المفعم بشعارات السيادة الوطنية لا يغادر مواقع القول نحو الفعل، بل إن أفعال حكومته متعارضة تماماً مع شعارات السيادة المزيفة.
 
أدخل الرئيس سعيد نفسه في متاهة معقدة من اللهاث خلف التعديلات الشكلية القائمة على نوع من "المثالية" الشعبوية، معتقداً أن مشاكل البلاد تتعلق أساساً بنصوص القوانين والدستور، متجاهلاً أن الداء الحقيقي يكمن في طبيعة الحكم وأساليب إدارة السلطة ونماذجها الاقتصادية، التي تعيد إنتاج نفسها في كل مرة لمصلحة القلة المهيمنة، مدعومةً بالبيروقراطية العسكرية والأمنية. ظن الجميع أن قيس سعيد سيكون فاصلة تغيير تاريخي في البلاد، وانعطافة في مسار السلطة في تونس المعاصرة. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.
 
لكن ما بدا واضحاً اليوم أن قيس سعيد ليس إلا استمراراً للنظام. ذلك النظام  الذي تشكل في أعقاب ما يمكن اعتباره تجاوزاً والذي جرب كل النسخ الممكنة للحكم: الحزب الواحد في الستينات ثم الجملوكية في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، حيث كان الرئيس الحبيب بورقيبة رئيساً مدى الحياة بنص دستوري، ثم النظام البوليسي في عهد الجنرال زين العابدين بن علي، حيث كانت السطوة للأجهزة الأمنية وحدها، ثم عندما ظن الجميع أن النظام قد سقط في 2011، أعاد هذا الوحش ذو الأصابع الكثيرة تشكيل نفسه في أشكال جديدة حاكماً البلاد في صيغة الديموقراطية المزيفة من خلال التوافق بين جناحي الطبقة المهيمنة المتصارعين. واليوم يصل هذا النظام العجوز إلى درجة من الوهن ضمن نسخة كاريكاتورية فاقدة لأي هوية تريد الديموقراطية المباشرة بإشراف "الدولة الإله" حيث "الشعب يريد" ما يريده الرئيس مدعوماً بالبيروقراطية العسكرية والأمنية، بكل ما يحويه مصطلح "الشعب" من غموض لكأن طبقات هذا الشعب تحمل الأشواق والمصالح نفسها وتعيش الأوضاع نفسها. لكن الدرس التاريخي الواضح في كل هذا المسار هو أن الدولة في أشباه المستعمرات ليست جهازاً طبقياً بذلك المعنى الكلاسيكي المقصود في الأدبيات الماركسية بقدر ما هي جهاز لتنظيم التبعية مهما كان النظام السياسي الذي تتبناه. 
 
وما يبدو أكثر وضوحاً أن الرئيس قيس سعيد يتحرك ضمن حيز ضيق الأفق من الأمنيات الشخصية، التي طالما حلم بها منذ شبابه، حول الديموقراطية المباشرة غائمة الملامح والأهداف، يريد تطبيقها، مهما كانت العواقب والسياقات. فالمتاهة التي يحيا داخلها الرئيس اليوم ليست فقط متاهة سياسية وإنما متاهة نفسية، حيث يعيش الرئيس داخل قوقعة نفسية من الإسقاطات، ذلك أنه يعتقد أن أي فشل في سياسته - وأغلبها فاشل فعلاً - يعود إلى تآمر أطراف ما في مكان ما، وليس لعلة في جوهر هذه السياسة، أي أنه ليس مسؤولاً عن أي فشل. والحقيقة أن هذا السلوك قديم وراسخ في تونس، حيث كان بورقيبة يعيد أي فشل لوزيره الأول - وقد افترس خلال ثلاثة عقود من الحكم حفنة من الوزراء الأولين تحت شعار "الرجال الذين خانوا ثقة الرئيس"، ومع بن علي تواصلت سياسة أكباش الفداء وقد ذهب ضحيتها وزراء ومدراء مخابرات وأمناء عامون في المركزية النقابية لكن دائماً من داخل معسكر النظام أو الولاء. وبعد الثورة احترفت النهضة الصنعة ذاتها وعلقت فشلها الذريع على أكتاف الخصوم من اتحاد الشغل وبقايا اليسار و"جرحى الانتخابات" وغيرهم من لفيف "أعداء الإسلام والثورة". أما مع قيس سعيد فالنسخة أقرب للنموذج البعثي التقليدي فالنجاح والده الشرعي النظام والسيد الرئيس، أما الفشل فله أكثر من أبّ من "أعداء الأمة والعملاء والمخربين والخونة"، ولعل أكبر برهان على ذلك حركة التعيين والإقالة التي يقوم بها الرئيس منذ صعوده السلطة، وفشله الأكبر في اختيار الأشخاص في مواقع السلطة والقرار، فليس أكثر دلالة من ذلك تصعيده هشام المشيشي رئيساً للحكومة، وغير المشيشي كثيرون. وأعتقد أن دروس التجربة التاريخية كافية لمعرفة مصائر من يمشي في هذه الدروب عندما لا ينفع الإنكار أصحابه أمام الواقع.
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة