04-03-2021 | 10:43

نساء "داعش": من دمى جنسيّة إلى ماكينات للقتل!

عندما نأتي على ذكر المرأة في ظل حكم تنظيم "داعش" لأجزاء من الأراضي العراقية والسورية بين عامي 2014 و2017، فإنّ أوّل ما يمكن أن يتبادر إلى أذهاننا هي الصورة النمطية للمرأة المظلومة والمقهورة التي تُرجم وتُجلد في الشوارع وتُعدم بإطلاق النار أو حز الرأس، أو تُحرق حيّة، لدى ارتكابها أي هفوة أو مخالفة بسيطة تُصنّف على أنّها خروج عن الشريعة في "دولة الخلافة".
نساء "داعش": من دمى جنسيّة إلى ماكينات للقتل!
Smaller Bigger

عندما نأتي على ذكر المرأة في ظل حكم تنظيم "داعش" لأجزاء من الأراضي العراقية والسورية بين عامي 2014 و2017، فإنّ أوّل ما يمكن أن يتبادر إلى أذهاننا هي الصورة النمطية للمرأة المظلومة والمقهورة التي تُرجم وتُجلد في الشوارع وتُعدم بإطلاق النار أو حز الرأس، أو تُحرق حيّة، لدى ارتكابها أي هفوة أو مخالفة بسيطة تُصنّف على أنّها خروج عن الشريعة في "دولة الخلافة".

 

ومن المشاهد التي نستذكرها أيضاً سَوق النساء كسبايا باعتبارهنّ جزءاً لا يتجزأ من غنائم المعارك والحروب، وإرغامهنّ على الزواج من "مجاهدي" التنظيم الإرهابي، ليتحوّلن إلى دمى جنسيّة يُفجّر فيها المغتصب شهوته وملذاته بعد يوم طويل من القتل والترهيب.

 

ولعلّ الممارسات التي شاهدناها للتعذيب والإعدامات والانتهاكات في مقاطع مصوّرة، والشهادات التي سمعناها من ضحايا التزويج والاغتصاب والتنكيل، رسّخت لدينا هذه الفكرة. أضف إلى ذلك الوثيقة الشهيرة الصادرة عن "داعش" في بداية العام 2015، والتي تستعرض بالتفصيل دور النساء في التنظيم، حيث جاء فيها أنّ "السن الشرعية" لزواج الفتيات من المقاتلين هو تسع سنوات، مع التشديد على دورهن كزوجات وأمهات وربات منزل.

 

وتُشدّد الوثيقة على وجوب ملازمة المرأة لبيتها حيث تؤدّي دورها كربة منزل وزوجة وأم، مع توجيه انتقادات حادة للنساء الغربيات ومفاهيم حقوق الإنسان عن المساواة بين الرجل والمرأة، فاختصر التنظيم دور المرأة في مناطق سيطرته بجوانب محددة فقط لتصبح سلعة قابلة للتدوال في أسواق النخاسة.

 

أما المرأة المخالفة لهذه التعاليم فستواجه "كتائب الخنساء"، وهي مجموعات نسائية أسسها "داعش" وأتبعها لجهاز الحسبة (المحاسبة) ومهمتها مراقبة النساء على الحواجز وفي الأسواق واعتقالهن وضرب اللواتي يُعتبرن مخالفات.

 

 

التحوّل في الاستراتيجية

لكنّ هذا الواقع سيتبدّل لاحقاً مع دخول "داعش" مرحلة الخطر الوجودي، لينتقل التنظيم من الاستغلال الجنسي للمرأة إلى تحويلها لماكينة قتل بدم بارد!

 

في هذا الإطار يرى الصحافي المتخصص بالتنظيمات الإرهابية بيتر بيرغن أنّ "أهم ابتكار لتنظيم داعش كان في تجنيد النساء. لذا، قد يكنّ جيلاً جديداً من الإرهابيين قيد التحضير".

 

ويلاحظ الصحافي في صحيفة "الغارديان" جيسون بيرك أنّ هذه الاستراتيجية الجديدة بدأت في صيف العام 2016. ويقول: "في السابق، كان دور الإناث في داعش ينحصر في الدعم، بعيداً من ساحة المعركة. إلا أن هذا النهج يبدو أنه تغيّر مع ازدياد الضغط العسكري على معاقله الرئيسية في العراق وسوريا وليبيا، وخسارته مساحات واسعة من الأراضي".

 

وتشير دراسة أجراها الباحثان ديفيد كاريغا وأريانا تريسباديرني حول التطرّف النسائي داخل التنظيمات الإرهابية في إسبانيا، نُشرت في العام 2019، إلى حدوث تحوّل في استراتيجيّة "داعش" بعد هزيمته في الشرق الأوسط، ما انعكس على دور المرأة فيه، إذ لم يعد هذا الموقع "سلبيّاً" يتجسد في مجرد القرابة البيولوجية بينها وبين جهاديي "داعش"، بل انتقل إلى موقع "فاعل" يتجسّد في الانخراط المباشر في الوظيفة الإرهابية، من خلال التجنيد والتكوين والتحريض، وأنّ التنظيم يرفع شعار "من دون نساء لا يوجد مجاهدون"، ما يُثبت أهميّة المرأة داخل "داعش" في إعادة إنتاج جيل مقاتل جديد.

 

كما تؤكّد الدراسة أنّ لجوء التنظيم إلى تجنيد النساء في صفوفه راجع إلى كونه يسعى إلى "ضمان نجاح أكبر لعملياته الإرهابية".

 

 

خلاف على الدور بين "داعش" و"القاعدة"

ورغم أنّ النساء كنّ وما زلنَ عنصراً أساسيّاً في التنظيمات الإسلاميّة المتطرّفة، لمساعدتها على تخطي العقبات الأمنيّة في البلدان غير الخاضعة لهيمنة هذه التنظيمات، إلا أنّ خلافاً وقع بين "داعش" و"القاعدة" حول دور المرأة في التنظيم.

 

فالتنظيم الأم لطالما رفض استخدام النساء في العمليات العسكريّة والأمنيّة بشكل مباشر، لاعتبارات عدّة، منها عدم تعريضهن للاعتقال أو الاستجواب، كما رفض استجلاب "المهاجرات" من الخارج خوفاً من خسارة الأرض في المعارك مع الجيوش وبالتالي تعرّضهن للاعتقال. إلّا أنّ "داعش" نسف هذه المعايير، وتعامل مع هذا الأمر على أنّه "دولة"، فتوسع باتجاه استقدام عناصر نسائية كثيرة من الخارج، وسلّمهن لاحقاً أدواراً عسكريّة وإعلاميّة، عدا عن دور أساسي في الاستقطاب وتربية الأطفال على مبادئ التنظيم.

 

الإحباط والقمع

ما فعله "داعش"، يصفه الباحثون في شؤون التنظيمات المتطرّفة بـ"النقلة النوعية في الاستراتيجيات الإرهابية"، فمن الواضح أنّ التنظيم لعب على وتر الإحباط العميق السائد بين الأوساط النسائية في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة، وتعلّم كيفية استغلال هذا الإحباط لخدمة أهدافه.

 

ويرى المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية نورمان رول، أنّ "الإحساس بالقمع هو عامل حاسم في التطرف، وقد يكون هذا القمع مجرّد قرار صادر عن فرد أو أسرة أو متعلّق بمجال واحد من مجالات السياسة، لكنّه عاملٌ أساسي في نشوء التطرف، فما قد يبدو أنّه قمعٌ لشخص ما، يمكن أن يعتبره آخرون مجرّد قاعدة اجتماعية." وبالنسبة الى عدد كبير من النساء، فإنّ التعرّض الأكثر شيوعاً للقمع ينبع من داخل الوسط الاجتماعي الخاص بهن.

 

وعليه، فإنّ أحد الأسباب الرئيسية التي تختار بسببها تلك النساء الانخراط في الإرهاب هو البحث عن الإحساس بسلطة وقوة لم تتوفر لهن مطلقاً في مجتمعاتهن، من خلال الميل نحو أيديولوجية متطرّفة وقبول الأدوار القيادية الجديدة المتاحة لهن داخل تلك البنية، حتى وإنْ عاملتهن هذه المنظمات على أنهن مواطنات من الدرجة الثانية، وقد يصل الأمر إلى درجة الاتجار بهن جنسيّاً لكسب المال.

 

وإن كان هذا الأمر ينطبق على النساء المتواجدات في مجتمعات محصورة بحيّز جغرافي محدّد ومعروف، فما الذي يدفع الفتيات في أوروبا إلى الانخراط بـ"داعش"؟!

 

يقول خبراء في الحركات الجهاديّة إنّ العامل الرئيسي في اتخاذ هكذا قرار هو محاولة "التكفير" عن الذنوب والحياة الصاخبة التي عاشتها بعضهن في السابق من طريق "الجهاد"، ما دفع كثيراً منهن إلى ترك حياتهن الهانئة والذهاب إلى المجهول، بالإضافة إلى حب المغامرة والمشاركة في قتال الكفار، بحسب ما تصوّر لهنّ دعاية "داعش" عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

 

استغلال الأنماط الشخصية للمرأة

ويرى "مرصد الأزهر لمكافحة التطرّف"، في دراسة عن كيفية استقطاب النساء في "داعش"، أنّ التنظيم يضع مخططاً سيكولوجياً واجتماعياً لفنِّ التعامل مع ضحاياه، للزج بهم في براثن التطرف، مستغلاً تنوّع واختلاف أنماط الشخصيّة النسائيّة، وتنوع الاهتمامات المختلفة لكل امرأةٍ على حِده، لتجنيدها سواء عقليًاً بإقناعها بأفكاره السوداء، أو فعليّاً بانضمامها إلى صفوفه.

 

وتقسّم الدراسة الأنماط الشخصية للمرأة التي يجري استغلالها إلى أربعة أنماط:

 
  • 1- المرأة ذات الشخصية القيادية المستقلة: يعمل "داعش" على إعادة هيكلة عقلية المرأة المنتمية إلى هذا النمط النسائي، مستغلاً مميزاتها ونقاط ضعفها، إذ يقوم بإشباع رغباتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالثناء على آرائها التي تدل على قوة شخصيتها، وقدرتها التحليلية على فنِّ الإدارة والتوجيه، حتى تأتي الفرصة المناسبة ليقنعها المُستقطب أنّ شخصيتها تصلح لقيادة نساءٍ ضعيفاتٍ في المجتمع الإسلامي، قبل أن ينتقل إلى مرحلة تجنيدها "لتكون قائدة على نساء ضعيفات"، تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعاقب المذنبات بأكثر الوسائل ساديّةً.
  •  

    2- المرأة ذات الشخصية المتمردة: من أهم مميزاتها أنها تهوى المغامرة البعيدة من التقاليد الجامدة في مجتمعها، والتفرد بالأفعال والأفكار والسلوكيات، وكان إشباع رغبات تلك الشخصية على التنظيم أمراً يسيراً؛ فتوهُّم الزواج من البطل المغوار طُعمٌ سائغٌ يستهوي هذه الفئة من النساء.

  •  

  • 3- المرأة ذات الشخصية المحفزة: يستغّل "داعش" الصعوبات التي يواجهها هذا النوع من النساء في حياته الاجتماعية، كشغف الاحتواء والاهتمام بأموره الماديّة والمعنويّة واكتسابه خبرات جديدة تساعده على إدارة شؤونه بصورة أكثر نجاحاً. فيستقطب التنظيم الإرهابي المرأة المنتمية لهذا النوع من خلال إصداراته المتطرّفة التي تأخذ طابعاً توجيهيّاً، ليصار لاحقاً إلى التقارب بين متابعي هذه الإصدارات، وتبدأ معها مراحل الاقناع التدريجي بأفكار المهتمين بشأنها، وهو ما يمكن تفسيره عند رؤية المنقادين عقليّاً للأفكار المتشددة، من دون الانضمام العملي إلى الصفوف الإرهابية.
  •  
  • 4- المرأة ذات الشخصية المُسالمة: من أهم ما يميز ذلك النوع من النساء رقة القلب وتدفق العاطفة، الأمر الذي يجعلها تنساق وراء ظاهر الحديث وليس مضمونه، لذلك نجدها تُقْدِم على تصديق الأخبار الكاذبة والتشبث بها من دون غيرها، ذلك لأنها لامست القلب من دون العقل. لذا نرى بعض النساء المنضمات إلى "داعش" يرددن الجمل والعبارات ذات الصبغة المتطرّفة والمتشدّدة من دون تفهُّم أو تعقل لمعانيها.

 

 

المعضلة الأخطر

بناء على ما تقدّم، استخدم "داعش" النساء للعب دور حاسم في تلقين وتوجيه أسرهن، فالمرأة هي الحاضن الأساسي للأطفال، وقد تساهم بشكل فعّال ببناء جيل جديد من الإرهابيين. كما أصبح دورها أساسيّاً في التجنيد لقدرتها على التواصل ونشر الأفكار بين العناصر النسائية وإقناعهن بالانضمام إلى التنظيم المتطرّف، وساعدتها في ذلك القدرة على التحرّك في كافة المجتمعات.

لذا نلاحظ أنّ العمليات الإرهابية التي نفذتها المرأة اتسعت في السنوات الأخيرة كمّاً ونوعاً، إن كان في العراق أو تونس أو سوريا أو لبنان أو غيرها من البلدان التي تحوي تنظيمات متطرّفة.

 

وبالمحصّلة، يمثّل الإرهاب النسوي جانباً واحداً لمعضلة الأيديولوجيات المتطرّفة في الشرق الأوسط، وربما العالم، والتي تأبى أن تموت أو تنتهي، فنراها بعد كل ضربة تتلقاها تعيد تشكيل نفسها بطرقٍ أكثر عدوانيّة وقوّة. مع ذلك، من الأهمية بمكان التركيز على دور هؤلاء النساء اللاتي اخترن السير في ركب التطرّف، لقدرتهن الهائلة في التأثير في محيطهن الاجتماعي، إن كان باستخدام العاطفة أو العقل، فمشاركة المرأة في تنفيذ عمليات إرهابية، أو التحريض عليها ولعب دور أساسي فيها، يمكن بمكان ما تصنيفه على أنّه من أخطر الظواهر الاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة والأمنيّة في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 2:25:00 PM
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها