03-12-2021 | 06:00

جدل حول الاستسقاء في تونس

لأن الجدل في تونس لا يتوقف، فقد طال هذه المرة " صلاة الاستسقاء"، ليس الصلاة في حد ذاتها، كتعبير عن ارتباط الإنسان بالمطلق في هواجسه وحاجاته، بل الدعوة الرسمية التي أطلقتها وزارة الشؤون الدينية الى عقد هذه الصلاة طلباً للغيث النافع بعد جفاف مديد. ​
جدل حول الاستسقاء في تونس
Smaller Bigger
يندلع الجدل في تونس من أبسط الأمور. يبدو لي هذا أمراً جيداً يدل على حيوية اجتماعية دؤوبة، لا تقهرها السلطات الدينية والسياسية التي تريد تأبيد سرديتها المستقرة حول الأشياء والظواهر، أي لا تريد بالنقاش أن يذهب إلى أقصاه، كي لا تجد نفسها أمام المساءلة. ولأن الجدل في تونس لا يتوقف، فقد طاول هذه المرة "صلاة الاستسقاء"، ليس الصلاة في حد ذاتها، كتعبير عن ارتباط الإنسان بالمطلق في هواجسه وحاجاته، بل الدعوة الرسمية التي أطلقتها وزارة الشؤون الدينية الى إقامة هذه الصلاة طلباً للغيث النافع بعد جفاف مديد.
 
فقد ذهب كثيرون إلى أن هذه الدعوة تبدو خارج التاريخ والمنطق، منطق العلم الحديث. فكيف لمؤسسة من مؤسسات الدولة "الحديثة" أن تدعو الناس الى عقد موكب صلاة لطلب المطر، مع أن قوانين العلم في المتساقطات لا تشير أبداً إلى الدعاء أو الاستغاثة في سببية نزول الماء من السماء؟ وإذ يبدو الاعتراض في ظاهره منطقياً فإنه يخفي وراءه تناقضاً لا يقل مفارقة عن تناقضات الدولة التي تسمي نفسها "حديثة". ذلك أن وجود وزارة للشؤون الدينية في حد ذاته يبدو مفارقاً للتاريخ والمنطق. فكيف للدولة أن تدير شأناً روحياً؟ وما معنى أن تضع الدولة الحديثة يدها على الدين؟ 
 
لم يُثر حاكم عربي جدلاً واسعاً في علاقته بالدين وبالشأن الديني، كالذي أثاره الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، طيلة ثلاثة عقود من حكمه المنفرد للبلاد. فمنذ استقلال تونس في العام 1956 نجح بورقيبة، مستعيناً بالشرعية التاريخية والنضالية، بصفته زعيماً لـ"حركة التحرر الوطني" التي افتكت الاستقلال السياسي من المحتل، في الهيمنة على كل مناحي الشأن العام في البلاد. وسار في سياسة تأميم كل مراكز القوة والسلطة المعنوية في المجتمع، من خلال شعارات ضرورة الاصطفاف وراء القائد الواحد والحزب الواحد لكسب معركة التقدم.
 
كانت الدولة في مشروع بورقيبة هي الأداة الراعية للمجتمع، لكنها في الآن نفسه المسيطرة عليه. ولذلك سعت الدولة البورقيبية منذ نشأتها إلى تحجيم كل القوى التي كانت تحمل جزءاً من مسؤولية إدارة المجتمع والثورة قبل الاستقلال، وبخاصة المؤسسة الدينية، المرتبطة في ذلك الوقت بالإقطاع وطبقة الأرستقراطية المحافظة في المدن. وأنشأت نمطاً اقتصادياً مهجناً، من خلال سيطرة الدولة على الثروة، وتشكيل طبقة وسطى عريضة على قاعدة ريعية - بما أن ثلاثة أرباعها تعيش على أجور من الدولة - وبالتالي يرتبط وضعها بل وجودها بأوضاع الدولة. وقد دأب النظام السياسي منذ الستينات من القرن الماضي، على إدامة شروط وجود الفئات المتوسطة في وضع جيد، كنوع من المقايضة الطبقية مع قطاعات واسعة ديموغرافياً ومحافظة سياسياً.
 
كما تم تعطيل كل الصحف، غير الحكومية، وحظر الأحزاب السياسية (1963)، وربط الروابط والاتحادات الأهلية والعمالية والمهنية بالحزب "الدستوري" الحاكم وبمؤسسات الدولة السياسية والأمنية، حيث لم تعد هناك أي مساحة للتعبير السياسي أو المدني خارج الدولة والحزب. وقد نجح الرجل في تفكيك هيمنة المؤسسة الدينية المرتبطة بالإقطاع والأرستقراطية المحافظة في المدن، من خلال العديد من الإجراءات التشريعية. وكان أولها إصدار مجلة الأحوال الشخصية (1957)، فمنع تعدد الزوجات وفرض الطلاق أمام المحاكم المدنية وأخرجه من سلطة الزوج. ثم قام بإلغاء المحاكم الشرعية ذات الصبغة الدينية وتوحيد التعليم العمومي (1958) وإلغاء التعليم الديني في جامع الزيتونة وفروعه، ودمجه ضمن التعليم العمومي، وإلغاء الأوقاف الإسلامية، العامة والخاصة وتأميمها لتصبح أملاكاً تابعة للدولة (1957). وقد أثارت هذه التوجهات العلمانية حفيظة الشيوخ ورجال الدين، لا سيما المؤسسة الدينية الرسمية، لأنهم وجدوا أنفسهم بلا دور اجتماعي ولا موارد اقتصادية ومن دون نفوذ أو سلطة على الشأن العام، قياساً الى ما كانوا يتمتعون به من امتيازات ونفوذ واسع، حتى في ظل وجود الاستعمار الفرنسي.
 
لكن سياسة بورقيبة في تفكيك المؤسسة الدينية التقليدية ونفوذها المجتمعي والاقتصادي والمعنوي، لم تكن شبيهة بما حدث في تركيا الكمالية لمصلحة الفراغ، أي إلغائها تماماً، بل كانت في إطار إعادة إنتاج سياسة دينية جديدة تحت رعاية الدولة. فقام بتأميم تعليم القرآن الكريم، من خلال إنشاء جمعية حكومية لها فروع في كل البلاد تقوم بهذه المهمة. كما أعاد تسمية خطة الإفتاء (1962)، ووضع في المنصب الشيخ الفاضل بن عاشور، لكسب تأييد قطاع واسع من المحافظين، لكنه في النهاية حوّل المفتي من شخص ذي نفوذ وسلطة إلى مجرد موظف لدى الدولة. كان بورقيبة يرمي الى احتواء مؤسسة الإفتاء. وليس أدل الى ذلك من قوله في احد خطاباته الحماسية: "وللإمام في الإسلام منزلة عظيمة تجب طاعته فتقرن بطاعة اللّه ورسوله رفعاً لشأنه وتنويهاً بقدره. وقد قال جل من قائل، وأطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم". لذلك يمكن وصف الدولة التونسية الحديثة وعلاقتها بالدين، بالالتباس، والتي يطلق عليها المفكر المغربي طه عبدالرحمن، تسمية "الدولة المشتبهة"، وهي الدولة التي تعيد تسييس الدين من خلال الجمع بين صفتها الحداثية العلمانية والإيمانية في الوقت نفسه.
 
وفي هذا السياق يبدو لي نموذج منصب المفتي في تونس ذا دلالة إلى هذا التناقض، حيث لا تتوافق الامتيازات المعنوية والمادية التي ترصدها الدولة للمفتي مع المهمات التي يقوم بها. فالمفتي التونسي يحتل رتبة وزير دولة، ويٌخصص له راتب شهري يقدّر بعشرة أضعاف الدخل الأدنى في البلاد إلى جانب امتيازات مالية أخرى. كما يُشغّل ديوان الإفتاء عدداً من الموظفين ويُخصص له مقرّ إداري في قصر الحكومة. في المقابل تبدو مهامه شكليةً إلى أبعد الحدود، فيما تمنحه النصوص القانونية منصب "مستشار الدولة في شؤون الشريعة وأصول الدين والمراسم الإسلامية، ويضطلع بكل ما يسند إليه من مهمات دينية أخرى".
 

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة