لا مساعدات للبنان قبل شروعه بالإصلاحات وإحداث تغييرات حقيقيّة
إرتفعت التحديات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نتيجة فيروس كورونا ما ادى الى زيادة معدلات الفقر وتدهور الأوضاع المالية وزيادة الاقتراض واستمرار تآكل الثقة بالحكومات، فارتفع حجم الديون الحكومية بشكل ملموس نظراً الى اضطرار حكومات المنطقة إلى الاقتراض بشدة لتمويل تدابير الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية الأساسية.
ازدادت التحديات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نتيجة فيروس كورونا، ما أدى الى زيادة معدلات الفقر وتدهور الأوضاع المالية وزيادة الاقتراض واستمرار تآكل الثقة بالحكومات، فارتفع حجم الديون الحكومية ارتفاعاً ملموساً، نظراً الى اضطرار حكومات المنطقة إلى الاقتراض بشدة لتمويل تدابير الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية الأساسية. هذا الواقع يحتّم على بلدان المنطقة مواصلة الإنفاق على الرعاية الصحية والتحويلات النقدية لذوي الدخل المحدود، وهو ما سيضيف عبئاً إلى أعباء الديون المتضخمة بالفعل، ما سيقودها إلى اتخاذ قرارات معقدة على مستوى السياسات بعد انحسار الجائحة.
في ما خص لبنان، تطالبه كل الجهات الدولية والدول المانحة والمؤسسات التمويلية بالإسراع في عملية تشكيل حكومة تنطلق مباشرة ومن دون تردد بتطبيق الإصلاحات المالية والهيكلية التي تعهدها لبنان خلال المؤتمرات الدولية، والتي وردت في الورقة الفرنسية وباتت معروفة من الجميع.
الضغط على الأطراف السياسيين في لبنان للإسراع في تشكيل حكومة إصلاحية لا يتوقف، وهو شرط أساسي لمساعدة لبنان على مواجهة أسوأ أزمة اقتصادية – مالية – اجتماعية يمر بها في تاريخه الحديث، وهذا ما عبرت عنه أيضاً المحادثات الهاتفية بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان اللذين أعربا عن تشاركهما الرغبة نفسها في رؤية حكومة ذات مصداقية في لبنان لإخراجه من أزمته الحادّة، مع تأكيد الطرفين ضرورة تشكيل حكومة قادرة على تنفيذ خريطة الطريق للإصلاحات المطلوبة للنهوض، والتي تعهدها القادة السياسيون اللبنانيون، ما يعتبر شرطاً أساسياً لحشد مساعدة دولية طويلة الأمد.
هذه المساعدات الطارئة يسعى للبنان للحصول عليها في أقرب وقت لمساعدته على منع الانهيار الذي يعاني منه، توازياً مع الشروع بإصلاحات أساسية لإعادة وضع البلاد الى سد التعافي. فالاقتصاد اللبناني الذي سجل نسبة انكماش قاربت 25% عام 2020، يشير وزير المال اللبناني في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني الى أن التوقعات في شأنه لعام 2021 ما زالت ضبابية، وتعتمد على وقت اتفاق السياسيين على حكومة وتأمين مساعدات خارجية، فمن دون إحراز تقدم، سينكمش الاقتصاد بنسبة إضافية تصل إلى 10%، أما في أفضل السيناريوات فقد ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي اللبناني بنسبة 2% إلى 5%، وهي نسبة يمكن تحقيقها في حال سلوك الأزمة السياسية طريق الحل وعودة السلطات اللبنانية الى طاولة المفاوضات مع خبراء صندوق النقد الدولي على برنامج تمويلي طارئ للبنان مشروط بإصلاحات. وتشير الأرقام المالية الصادرة عن وزارة المال اللبنانية الى توقعات تلحظ تقلص عجز الموازنة إلى نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي من 6% العام الماضي و11% في 2019، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى التخلف عن السداد وإلغاء ما يقرب من نصف الدين بالعملة المحلية الذي يحتفظ به البنك المركزي.
وفي ظل استمرار تعثر الحلول السياسية، وتعطل عملية تشكيل الحكومة وسلوك البلاد طريق الإصلاحات المطلوبة مقابل أي دعم أو مساعدة خارجية، خرج نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فريد بلحاج مؤكداً أنه يتعين على لبنان أن يكون على استعداد لتنفيذ بعض التغييرات الحقيقية للحصول على مساعدات تمويلية دولية، فلبنان بحاجة إلى مساعدة نفسه، حتى يتمكن المجتمع الدولي والبنك الدولي من مساعدته، ولسوء الحظ، حتى الآن، لم يكن لبنان مهتماً أو راغباً أو قادراً على مساعدة نفسه. هذا هو الموقف الرسمي للبنك الدولي تجاه لبنان. مسؤول البنك الدولي وصف ما يحصل في لبنان بأنه مأساة حقيقية. ما يسعى البنك الدولي أو ما يحاول القيام به في لبنان هو الالتفاف على الأنظمة الحكومية ومحاولة مساعدة الشعب مباشرة، من خلال التحويلات النقدية غير المشروطة. وبالفعل، أقر البنك الدولي لمصلحة لبنان قرضاً ميسراً بقيمة 246 مليون دولار لدعم الأسر الفقيرة والمتضررين من الأزمة الاقتصادية، في الوقت الذي تشير فيه الأرقام الى ارتفاع نسبة الفقراء في لبنان لتصل إلى 55 في المئة عام 2020، بعدما كانت 28 في المئة في 2019، وفق دراسة أعدتها لجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغربي آسيا (إسكوا). وأشارت الدراسة أيضاً إلى ارتفاع نسبة الذين يعانون من الفقر المدقع في البلاد، بـ3 أضعاف من 8 إلى 23 في المئة، خلال الفترة نفسها.
وقال مستشار رئيس الحكومة اللبنانية خضر طالب إن العمل حالياً ينكب على آلية ترشبد الدعم وحصره بالعائلات الأكثر حاجة، على أن تتم هذه العملية عبر البطاقات التموينية، وهناك توجّه الى حصول نحو 800 ألف عائلة في لبنان من أصل نحو مليون و150 ألف عائلة، وفق التقديرات، على البطاقة التموينية، والحكومة تدرس أصغر التفاصيل المتعلقة بهذه البطاقة وهذا ما يحتاج وقتاً، مشيراً الى وجود فرصة للعائلات المتوسطة الدخل للحصول على البطاقات التموينية، لأنّ إمكانات المواطنين تضاءلت، خصوصاً في ظل التضخم الاقتصادي الحاصل. ووصل معدل التضخم السنوي في لبنان إلى مستوى قياسي مرتفع، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة قياسية تخطت في بعض الأحيان الـ400% ما يسلّط الضوء على التأثير الجذري على المستهلكين والشركات جراء أسوأ أزمة مالية تشهدها البلاد منذ عقود.
اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
يلحظ أحدث تقارير البنك الدولي حول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعنوان "التعايش مع الديون: كيف يمكن للمؤسسات الحكومية أن ترسم مساراً للتعافي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، تفاصيل عن الأضرار الاقتصادية الجسيمة التي خلّفتها جائحة كورونا حتى الآن، وأيضاً عن التداعيات الطويلة الأجل الناجمة عن الزيادة الهائلة في الدين العام، والخيارات الصعبة التي ستواجهها الحكومات، حتى مع انحسار هذه الأزمة التي ضربت الصحة العامة في كل البلدان. فعلى سبيل المثال، يبين التقرير أن اقتصادات المنطقة ستنكمش بنسبة 3.8% عام 2020، بزيادة قدرها 1.3% عن توقعات البنك الدولي في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2020؛ لكن تقديرات النمو في المنطقة تقل بمقدار 6.4% عن توقعات النمو قبل تفشي الجائحة والتي نُشرت في شهر تشرين الأول 2019. وتُقدر التكلفة المتراكمة للجائحة لجهة خسائر إجمالي الناتج المحلي بنهاية 2021 بمبلغ 227 مليار دولار أميركي. ومن المتوقع ألا تتعافى اقتصادات المنطقة إلا جزئياً عام 2021، بنسبة 2.2%، ولكن هذا التعافي يعتمد في بعض جوانبه على توزيع اللقاحات على نحو عادل ومنصف.
وفي هذا السياق، اعتبر نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فريد بلحاج أن حكومات المنطقة اضطرت لزيادة حجم اقتراضها في مواجهتها جائحة كوفيد -19، ما مكّنها من إنقاذ حياة المواطنين وحماية سبل عيشهم، وهذا يعد استثماراً في رأس المال البشري. وبرغم أننا نشهد بوادر أمل، وبخاصة بعد إطلاق حملات التطعيم ضد فيروس كورونا، فإن الأزمة التي تعيشها المنطقة لا تزال مستمرة. وتحتاج بلدان المنطقة إلى مؤسسات قوية حتى تتمكن من استيعاب هذه الأزمة وإعادة إطلاق وبناء اقتصادات أقوى وأكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات مستقبلاً.
ووفقاً للتقرير، فإن الاقتراض الضخم الذي كان على حكومات المنطقة تحمّله لتمويل الإجراءات الأساسية للرعاية الصحية والحماية الاجتماعية زاد من حجم الدين الحكومي زيادة كبيرة، ومن المتوقع أن يرتفع متوسط الدين العام في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 8 نقاط مئوية، من نحو 46% من إجمالي الناتج المحلي عام 2019 إلى 54% في 2021. والجدير بالذكر أن الدين بين البلدان المستوردة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من المتوقع أن يبلغ في المتوسط نحو 93% من إجمالي الناتج المحلي عام 2021.
وستظل الحاجة قوية إلى مواصلة الإنفاق والاقتراض في المستقبل القريب، إذ لا تمتلك بلدان المنطقة خياراً آخر سوى مواصلة الإنفاق على الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية ما دامت الجائحة باقية. وعليه، وفي عالم ما بعد الجائحة، فقد تجد معظم بلدان المنطقة نفسها عالقة مع مدفوعات خدمة الدين التي تتطلب موارد مالية كان يمكن استغلالها في التنمية الاقتصادية.
وفي إطار عرضه لما يمكن لبلدان المنطقة أن تقوم به لحل معضلة التعارض بين الأهداف القصيرة الأجل والمخاطر الطويلة الأجل لارتفاع الدين العام، يناقش التقرير خيارات السياسات في ثلاث مراحل متميزة من التعافي الاقتصادي، وهي أولويات الإنفاق خلال الجائحة، برامج التحفيز المالي مع انحسار الجائحة وتخفيف التكلفة المحتملة لمتأخرات الديون في الأجل المتوسط، كما تبرز مسائل الحوكمة والشفافية بوصفها العناصر المركزية في كل المراحل.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة
4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
لبنان
4/22/2026 11:34:00 PM
انقطاع الاتصال بالصحافية آمال خليل بعد غارة على الطيري، فيما نُقلت زينب فرج إلى المستشفى وتستمر عمليات البحث رغم تجدد الاستهداف.
لبنان
4/22/2026 10:26:00 PM
ما حصل مع آمال خليل قبل الاستهداف: تسلسل يكشف "جريمة موصوفة" بحق صحافيين في الطيري
نبض