على الرغم من تعرض المصارف اللبنانية لإرباكات واهتزاز الثقة بها نتيجة فقدانها للسيولة بالعملة الأجنبية وتورطها لفترة طويلة بشراء سندات دين على الحكومة اللبنانية التي تمنعت عن تسديدها للمصارف نتيجة الانهيار الاقتصادي والمالي الذي يعاني منه لبنان منذ سنة تقريباً، إلا أن ذلك لا يخفي حقيقة أنها معروفة تاريخياً لدى العملاء العرب والأجانب بجودة أدائها وتمرسها في الصناعة المصرفية لما لها من باع طويلة تمتد الى أكثر من قرن في العمل المصرفي.
والواقع أن الأزمة الحالية للمصارف اللبنانية لا تحجب الضوء عن النجاحات التي تحققها مصارف شقيقة مملوكة لها كلياً أو جزئياً في العالم العربي وأوروبا وصولاً حتى أميركا، وهذه الوحدات المصرفية لا تزال تعمل بقوة وتحقق أرباحاً سنوية مرتفعة نسبياً وترفد المصرف الأم في لبنان بجزء كبير من هذه الأرباح. هذه النجاحات وثقة المستثمرين في القطاع جذبت العديد من مصارف أجنبية إضافة الى عروض صينية لمحاولة شراء هذه المصارف او غالبية أسهمها وخصوصاً في أسواق واعدة كالسوق المصرية والأردنية والعراقية وغيرها.
ففي مصر تحديداً، ثمة اهتمام خليجي بالمصارف اللبنانية هناك، إذ يُرجَّح أن تبادر مصارف خليجية إلى شرائها بهدف تعزيز حضورها في أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وفقاً لما ورد في تقرير صادر عن قسم المعلومات عن الأسواق العالمية لدى "ستاندر أند بورز" (S&P Global Market Intelligence).
إذ يبدي مصرف بنك الإمارات دبي الوطني (Emirates NBD Bank PJSC)، وهو شركة مساهمة عامة، اهتماماً بشراء فروع المصرفَين اللبنانيين، بنك لبنان والمهجر (بلوم) وبنك عوده، في مصر، وفقاً لما أشارت إليه وسائل إعلام مصرية، فيما بدأت المؤسسة العربية المصرفية (Arab Banking Corporation)، المرحلة الأولى من المباحثات لشراء فرع بنك لبنان والمهجر في مصر.
وكان بنك أبو ظبي الأول (First Abu Dhabi Bank PJSC)، وهو المصرف الأكبر في الإمارات من حيث حجم موجوداته، قد أوقف المحادثات الحصرية التي كان يجريها لشراء فرع بنك عوده في مصر في أيار (مايو) الماضي بسبب الالتباس الذي رافق تفشّي فيروس كورونا، ولكنه ينظر الآن في إمكانية استئناف المحادثات لاتمام الصفقة التي قد تصل قيمتها إلى700 مليون دولار.
إلا أن مصادر بنك عوده في بيروت أوصحت أن المفاوضات لم تبدأ على نحو رسمي بعد، مؤكدة أن ثمة اهتماماً كبيراً من المستثمرين للاستحواذ على البنك خصوصاً أن الأرقام التي يحققها لافتة، وليده شبكة انتشار واسعة، ويعتمد التكنولوجيا الحديثة. وأكد المصدر أنه منذ 5 سنوات حتى الآن يحظى "عوده" - مصر بالاهتمام من المستثمرين وثمة عدد كبير من المصارف تتواصل معه على اعتبار أن السوق المصرية ليست سوقاً مفتوحة لدخول المصارف الأجنبية اليه، وتالياً فإن كل من يرغب بدخوله مضطر لشراء مصرف موجود فيه، او عليه انتظار الحصول على رخصة يصعب الحصول عليها بسهولة. لذلك تختار المصارف الأجنبية التي ترغب بدخول السوق المصرية المصارف الناجحة وبنك عوده واحد منها".
وفي هذا الإطار، علّقت إيلينا سانشيز كابزودو، مديرة بحوث الأسهم المالية لدى شركة الخدمات المالية EFG-Hermes في دبي: "ثمة فرص للنمو في مجال الخدمات المصرفية للأفراد، وكذلك في مجال إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة، والمصارف لم تركّز على هذه الفرص". وأضافت: "لطالما استهدفت المصارف في دول مجلس التعاون الخليجي السوق المصرية لأنها تُقدّم أموراً غير متاحة في دول الخليج باستثناء السعودية، نظراً إلى الأعداد الكبيرة من السكان في مصر وتوافُر فرصة هيكلية للنمو. تضم الإمارات والبحرين والكويت وقطر وعدداً كبيراً من المصارف بحيث إنها لا تتسع لمصارف إضافية، ونسبة الإقبال على الائتمان مرتفعة في هذه البلدان، لذلك آفاق النمو محدودة. والفرصة سانحة كي تبادر المصارف الخليجية إلى تعزيز عملياتها القائمة في مصر أو دخول السوق للمرة الأولى".
يُشار إلى أن مصر تحتل موقعاً متأخّراً مقارنة ببقية بلدان الشرق الأوسط على صعيد الانخراط المالي في مجالات أساسية، وفقاً لبيانات جمعتها S&P Global Market Intelligence. يمتلك نحو ثلث المصريين وصولاً إلى الحسابات المصرفية أو الخدمات المالية بواسطة الهواتف المحمولة، في حين أن المعدل في الشرق الأوسط هو واحد على اثنَين، أما عدد الفروع المصرفية في مصر فهو 6 لكل 100000 نسمة علماً أن المعدل في الشرق الأوسط هو نحو 14 فرعاً.
وقد حقق بنك عوده- مصر، وفقاً لما ورد في التقرير الصادر عنه، أرباحاً صافية قدرها 651 مليون جنيه مصري في النصف الأول من عام 2020، بعدما كانت هذه الأرباح قد بلغت 701 مليون جنيه في الفترة عينها من العام الماضي، علماً أن القطاع المصرفي ككل سجّل تراجعاً بنسبة 9 إلى 10 في المئة في أرباحه في النصف الأول من العام الجاري، وفقاً لحسابات شركة EFG.
وفي هذا الصدد، يقول الرئيس المشارك لقسم الأبحاث لدى مجموعة CI Capital للخدمات المالية في القاهرة منصف مرسي: "بنك عوده- مصر هو مصرف متوسط الحجم ذو استراتيجية ائتمانية أكثر هجومية مقارنةً بالمصارف الأجنبية الأخرى في مصر. إنه يمتلك محفظة ناشطة إلى حد كبير في مجال القروض للأفراد"، مضيفاً: "أن المقاييس متشابهة بين بنك لبنان والمهجر وبنك عوده، ومنسجمة مع الأرقام المسجّلة لدى بقية المصارف. يمتلكان حافظة جيدة نسبياً في مجال الإقراض للأفراد، لا سيما في ما يتعلق بقروض السيارات".
وبلغت قيمة أصول بنك لبنان والمهجر 44.68 مليار جنيه في أواخر الربع الثاني من عام 2020، وقيمة حافظة القروض 12.8 مليار دولار. ويُشار في هذا الصدد إلى أن نحو 43 في المئة من مجموع المكاسب التي حققتها الشركة الأم اللبنانية في عام 2019 مصدرها فرعها في مصر.
وقد أشارت سانشيز كابزودو إلى أن "ليس هناك من عامل اختلاف أساسي بين المصرفَين، فكلاهما يملكان تراخيص دولية ويقدّمان خدمات مصرفية للأفراد والشركات. وحجمهما صغير في سوق مجزّأة حيث حصتهما من الأصول تتراوح من 1.0 إلى 1.5 في المئة. ويتمتع كلاهما بمكانة راسخة".
وفي ما يتعلق بأوضاع المصارف وتأثير جائحة "كوفيد 19" عليها، قال مرسي: "كانت المصارف المصرية تستعد لدورة ائتمانية قوية جداً في عام 2020، وبدأت العام مع خطة نمو راسخة ومتفائلة. وكانت تمتلك الإمكانات اللازمة لتمويل هذا التوسّع، سواءً على مستوى السيولة أو الرسملة أو قوة الميزانية. عندما تفشّت جائحة كوفيد -19، عُلِّقت الخطط، لكن هذه الإمكانات ساعدت المصارف على الصمود في خضم الجائحة. ليست ثمة مخاوف أساسية في ما يختص بالقطاع المصرفي".
وفي السياق عينه، علم "النهار العربي" أن الاتفاقية التي وقعها "عوده" مع بنك المال المعروف باسم "CAPITAL BANK" في الأردن للاستحواذ على الأعمال المصرفية لفروع الأردن والعراق للبنك أصبحت في خواتيمها خصوصاً حيال "الفحص النافي للجهالة للوحدتين في البلدين المذكورين".
نبض