توسّم جوزف أبي ضاهر الفرح، في وجوه حفرت فيها التجاعيد أخاديد، راسمة عليها لوحات تراثية، قبل أن تبلغ من العمر عتيًّا، وشاركنا سعادتهم مسرّة حبرٍ، في كتاب بعنوان "حكاية كلّ يوم" والتي كانت مادّته، فقرات متتالية، من برنامج "دغوش الدني"، عبر أثير إذاعة "لبنان الحر"، عام 1986.


هذا الكتاب، هو من الكتب التي اعتمدت اللغة المحكيّة أساسًا للسرد. أبطاله زوجان مهضومان: (حنّة وبو جرجي). والكتاب متعدد الألوان، شهيّ الثمار. فيه الجدّ من حكمة نوادره، كما فيه الهزل من تعابيره اللاإرادية عن الحب.
إذا كان الأدباء، مارون عبّود، ومخايل مسعود، وفؤاد سليمان وغيرهم...قد أتحفوا القرّاء بكل ما هو جميل، في حقل أدب الريف، فإنّ جوزف أبي ضاهر نقله محكيًا بلغة العامّة، مرصعًا بالأخبار المضحكة، والطرائف الممتعة، والنوادر المسليّة.
أدب ترتاح له النفس، وتسمو به العاطفة، ويهفو إليه الفؤاد؛ لأنّه صوّر لنا عصرًا لقِّب بالزمن الجميل، ونقل إلينا أحوال الذين مرّوا به، مع مواقفهم وبيئتهم، ورصد لنا ثقافة وحضارة أصحابه، مع الإبقاء على نكهة الأصالة فيه، من خلال اللغة العاميّة. فكان نهرًا من التعابير الجميلة والطريفة، نابعًا من صميم القرية والتراث والأصالة اللبنانية، برغم الفقر الذي كان يسود.
وأنت تقرأ الكتاب، تشعر بسعادة، منبعها وجنات طُبعت عليها حكايات وحكايات. وتلمس في أقدام كبار السّن، الكثير من الجهد خلال الزمن القديم في وعورة الأرض. وتسمع من أفواه الزوجان روايات الماضي، التي يهمسان بها إليك. ويرنو المدى، حتّى تود أن يعود بك الزمن، لتتعرّف أكثر إلى الجمال الكامن في البساطة، البعيدة عن زخرفة الدنيا.
لا تقرأ في الكتاب، سوى القصص التي تُخرجك من واقعك المزدحم: "هي تنهّدت، وهوّي تنهّد... وتنينهن مش مصدقين كيف الايام بتتغيّر، وكيف هنّي بيتغيّرو." وتشعر بأنّك في محطّة حبور، تتزود منها للغد العابس: "إذا انتي ما خافو منّك العصافير، الفزّيعة شو رح تعمل معهن... يا حنّة؟". أو أنّك أمام زوج يختصر لك الحياة الزوجيّة الريفيّة التي يزيّنها (النقار) ويقدّم لك خلاصة تجربته: "... انتي بتروحي تعملي زياره يمّا بتروحي تعقدي مؤتمر انتي وصابات ولوسيّا، تَ تحكو ع جميلة، ويا ريت جميلة وبس، اي ما بتعود وحده من نسوان الضيعة تخلّص من لساناتكن المتل منشار السقالي."
وعندما تتابع الحبور مع السرد، يرفرف قلبك فرحًا، كطير في الفّضاء. ولا ينتهي الشغف إلّا حين تطوي الكتاب. في كلّ قصّة من صفحاته، ترتسم بذهنك حياة الأرياف ببساطتها وروعتها، وقد كان الهمّ الوحيد الزراعة والمحصول والطرشات والدجاجات: "استفقدت القرقة قبل ما تفوت ع البيت، سكّرت ع الدجاجات، حملة القندول نزّلتها ع الجلّ الكعباني، درت مكسر المي ع دقرونة الخضرا، بركه وصلت المي وكنت بعدك نايم..."
ارتجل جوزف أبي ضاهر لصمت الحاضر نوادر من أرق الزمان، وأصبحت الذكريات فرحة كأنّها تقول: نعم لكل نشوة حياة مرّت بسعادة، وضحكة قلب كلّما استطاع صاحبها إليها وصالا. وأصبحت أعماقنا مفتونة بحكايات رواها خارج السطور كتاب: "حكاية كلّ يوم".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض