"انجلينا 19" مُستمرّ... ومنظمة الصحة غاضبة
يقول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في مقدمة كتابه "التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول": "إن التلفزيون يكشف عن خطر كبير جدًا يهدّد مجالات مختلفة على مستوى الإنتاج الثقافي من فنّ وأدب وعلم وفلسفة وقانون".
ولو كان بورديو بيننا اليوم وشهد برامج المقالب في بعض القنوات العربية لأضاف الى جملة المخاطر التي يتسبب فيها تلفزيون، أمرًا آخر هو "تهديد حق الانسان في الصحة والحياة".
فلنبدأ من تونس، وتحديدًا مع برنامج مقالب جديد عنوانه "انجلينا 19" (يُعرض خلال هذا الموسم من رمضان). وقد استدعى عرض البرنامج تدخّل منظمة الصحة العالمية للمطالبة بإيقافه، وهو موقف عمادة الأطباء التونسيين أيضًا.
تقوم فكرة "أنجلينا 19" على إيهام الضيوف بأن الممثلة العالمية أنجلينا جولي (تجسد دورها شبيهتها)، جلبت معها اللقاحات إلى تونس، ليتبيّن بعد التطعيم أنها قاتلة عبر بثّ مشاهد صادمة تظهر موت كل من يجرّبها.
مقالب... بمشاركة أطباء
وما زاد الطين بلّة، أن برنامج المقالب "أنجلينا 19" حظي بمشاركة طبيبين، ما منحه المشروعية في كمّ المعلومات والمغالطات التي رُوِّج لها على لسان أهل الاختصاص ليعمّق بالتالي مخاوف التونسيين من التلقيح ويؤدي إلى عزوفهم عنه.
يأتي هذا البرنامج في ظروف حرجة جدًا، بحيث تمرّ تونس في وضع صحي كارثي، في ظلّ رفض كثيرين للتطعيم، ما يؤدي إلى انتشار عدوى "الكوفيد".
ورغم الانعكاسات السلبية لهذا البرنامج وتنديدات المنظمة العالمية للصحة، يصرّ المنتج على بثّ برنامجه، معتبراً أنّه "عمل فنّي"، بل قال في تصريح إذاعي إنّ العمل الفني لا يخضع لشروط ولا يمكن إخضاعه لأي شروط.
وكانت بعض المنظمات في تونس قد تحركت لإيقاف هذا البرنامج، مثل منظمة "أنا يقظ"، وتحرّك عدد كبير من المتابعين لها لإيقاف البرنامج كما تمّ التنديد به على مواقع التواصل الاجتماعي. كان ذلك قبل الاحتجاج الرسمي لمنظمة الصحة العالمية لدى السلطات التونسية، والاستياء من الزج بشعار المنظمة بغية الترويج لمفاهيم ضارة حول حملة اللقاح. كما استغربت المنظمة في بيانها مشاركة أطباء في البرنامج والمساهمة في الترويج لمغالطات.
بيان منظمة الصحة العالمية تلاه بيان العمادة الوطنية للأطباء، يوم الاثنين الفائت، والتي احتجت أيضًا على بث هذا البرنامج لما له من تأثير سلبي على الرأي العام.
ودعت عمادة الأطباء إلى "عدم الانسياق وراء هذا التيار والمشاركة في برامج يمكن أن تسيء إلى مهنة الطبّ وتحطّ من قيمة الأطباء مما يوجب عقوبات، بحسب مجلة واجبات الطبيب". وأكدت العمادة "أنها تتابع بقلق شديد الوضع الوبائي الحرج في تونس والأرقام المتزايدة من الإصابات والوفيات جراء فيروس كورونا المستجد".

أنجلينا... والشارع التونسي
خلال إعداد هذا المقال، سألنا عيّنة عشوائية من الجمهور المتابع عن رأيه في برنامج المقالب "أنجلينا 19"، فكانت الإجابات بمعظمها مختزلة في الكلمات التالية: "سخيف، سطحي، جهل، قلة مواطنة، قلة وعي، هؤلاء هم سبب فساد البلاد، يستحق أقصى العقوبات لأنها جريمة"...
في شكل عام، ينقسم الجمهور التونسي الى قسمين: الأول يتابع البرنامج وهذا ما نراه في نسب المشاهدة المرتفعة لكنّه في الوقت عينه ينتقده على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما القسم الثقافي لا يتابع البرنامج أبداً، رافضًا الفكرة من أصلها.
جولة صغيرة على مواقع التواصل الاجتماعي تكفي لكي نفهم رأي الجمهور، انطلاقاً من الصفحة الرسمية لبرنامج "أنجلينا 19".
ولم يتعرض البرنامج للهجوم من المشاهدين فقط، وانما أيضًا من بعض العناصر المشاركة فيه كالطبيبين اللذين أكّدا في تصريحات إعلامية أنّه تمّ حذف جزء كبيرة من مداخلتهما حول اللقاحات.
الإعلامية هالة الذوادي انتقدت وليد الزريبي وعبرت عن استيائها منه، بينما اكتفى الإعلامي المعروف سمير الوافي بنشر صورة للبرنامج ووضع علامة استغراب لتنهال التعليقات السلبية من متابعيه على هذا البرنامج قائلين: "لو تمّ توظيف مثل هذه الأموال في أمور أخرى كان أفضل"، و"يا حسرة على كاميرا رؤوف كوكة الخفية"، علمًا أن رؤوف كوكة هو أول من أدخل الكاميرا الخفية الى التلفزيون التونسي وكانت مقالب حقيقية تقوم على الاضحاك عوض بث الرعب ونشر العنف.
هذه النوعية من المقالب مرفوضة في تونس، لكنها في المقابل تحظى بنسب مشاهدة عالية، خصوصًا وأنها ارتبطت باسم ممثلة من أهمّ نجوم العالم وهي انجلينا جولي. والغريب أنّ اسم جولي وشخصها استُخدما من دون أي ترخيص أو استشارة، ما قد يضع البرنامج في مأزق جديد.
شبيهة انجلينا جولي هي لينا ساندس، الممثلة وعارضة الأزياء الاسبانية الأصل، كانت قد صرّحت بأنها سعيدة بهذه التجربة، علمًا أنّ أجرها في حدود المائة ألف دينار تونسي. ووصفت وليد الزريبي بالعبقري، من دون أن ندرك مفهومها لمعنى العبقرية... لعلّها العبقرية في اللهاث خلف نسب المتابعة بمعزل عن خطورة الوضع الصحي في البلاد!
متلازمة" رامز جلال؟
وإذا عدنا الى بدايات الزريبي مع برامج المقالب لوجدنا أنّه في كل مرّة يورّط نفسه أكثر، ويضطر الى إيقاف برامجه بعد توجيه تهم خطيرة له.
في أحد حواراته الإذاعية، اعتبر وليد الزريبي نفسه أفضل من رامز جلال. هذا يأخذنا الى التفكير في مدى تأثير رامز جلال الذي صار "قدوة" بعض المنتجين العرب في ابتداع أفكار وتصورات برامج المقالب المبنية على العنف والتنمّر والترهيب، وهو نوع من التبعية والتقليد، بصرف النظر عن خطورة الفكرة، وسخافتها.
عشر سنوات وعشر مواسم تعرّض خلالها رامز جلال- ومازال- لأقسى الانتقادات، لكنه مستمرّ. وفي هذا الموسم، تعرض برنامجه "رامز عقله طار"، للتنديد من قبل الطب النفسي، والتهديد بإيقافه.
رامز جلال بدّل لغة الكاميرا الخفية من "الكوميديا"، التي تقوم على الاضحاك كهدف أساسي، الى لغة عنف ورعب تقوم على الترهيب. فأصبح مشهد واحد من برنامج مقالب يوازي مشهد من فيلم رعب. واللافت أيضًا، أن برامج المقالب فقدت عفويتها وصارت تقوم على الحقيقة المزيفة عبر دفع الأموال للمشاهير من أجل قبولهم المشاركة. وهو ما لا يصرّح به منتجو هذه المقالب، وإن كان الأمر في تونس بات مفضوحاً، لا سيما بعدما صرّح حمادي غوار أحد أبطال برامج المقالب أنها "مفبركة".

بالعود الى بدايات برامج المقالب، سنجد أن أول برنامج مقالب عُرض قبل سبعين عامًا لآلن فونت على قناة CBS، وكان الهدف منه الاضحاك فقط. وبعد ثلاثين سنة، نُقلت التجربة عربيًا مع الفنان فؤاد المهندس، وفي لبنان أيضا اشتهرت برامج المقالب عبر الايقاع بالمارّة في الشارع مثلا بأساليب مسلية وخالية من كل أشكال العنف والتنمر والتعسف، وكانت تحظى المقالب بمشاهدات مرتفعة جدًا.
ظلت برامج المقالب حتى بداية الألفية الثالثة تقوم على التسلية والترفيه الى حين ظهور موجة جديدة من برامج المقالب التي تقوم على تعذيب المشاركين. ولم نعد اليوم أمام برامج مقالب مسلية أو مضحكة، وإنما مجرّد أفكار خالية من الفكاهة والابداع والمنطق.
تتسابق المحطات على تقديم برامج تُسمّى "مقالب"، لمنتجين ومقدمين يستمتعون وهم يعذبون ضحاياهم من رامز جلال في مصر الى وليد الزريبي في تونس، ما يكشف عن سادية متخفية وراء وهم "التراند". وكلّما تألّم الضيف وارتعب، ارتفع منسوب النشوة عند مقدمي هذا النوع من الأعمال.
ورغم الانتقادات الكثيرة، قد يستمتع بعض المتفرجين أيضاً بهذه النوعية من المشاهد كنوع من تلبية رغبته في مشاهدة أفلام الرعب. ولكن مهما ارتفعت نسب المشاهدة، ستظل مثل هذه البرامج مخالفة للأخلاقيات العامة. إنها ظاهرة يمكن تسميتها ب "متلازمة رامز جلال".
هذا النوع من البرامج يتلاعب بعقول الناس ويُقدّم الربح المادي على أي قيمة إنسانية ويشيّئ المشاهد ويسلبه ثقافته ليستبدلها بما يسمى الفكر السريع...
كل هذه المخاطر حذّرنا منها بيير بورديو ولكن هذا كله لا يهمّ في مجتمعات يُبنى فيها التلفزيون على نظرية الهيمنة المالية واستثارة العواطف على حساب الفكر والثقافة، وهذا ما أوصلنا حتماً الى عمل مثل "انجلينا 19"، يستغل قلق الناس وخوفهم في زمن الوباء من أجل إثارة "الجدل" وتحقيق المشاهدات.
نبض