28-11-2022 | 22:11

الخطاب العربي في مرحلة ما بعد الثورات العربية

​ برهنت المآلات الخائبة للانتفاضات العربية في السنوات الماضية عن خلل عميق في بنية الخطاب السياسي العربي وتصوراته الايديولوجية، إن للدولة والأمة والوحدة أو للثورة والديموقرطية والجماهير. من ذلك ما دأب عليه هذا الخطاب في أشكاله التاريخية كافة، القومية والاشتراكية والدينية والليبرالية من رفض للدولة القائمة، باعتبارها تجزئة بغيضة لوحدة الامة في المفهوم القومي، أو طبقة مسيطرة مستغلة في المفهوم الاشتراكي، او تسلطاً على الجماهير ومصادرة حرياتهم في المفهوم الليبرالي، او كياناً مصطنعاً هشاً في المفهوم الديني المتشبّث باولوية الامة الاسلامية في كل زمان ومكان.
الخطاب العربي في مرحلة ما بعد الثورات العربية
Smaller Bigger

برهنت المآلات الخائبة للانتفاضات العربية في السنوات الماضية عن خلل عميق في بنية الخطاب السياسي العربي وتصوراته الايديولوجية، إن للدولة والأمة والوحدة أو للثورة والديموقرطية والجماهير. من ذلك ما دأب عليه هذا الخطاب في أشكاله التاريخية كافة، القومية والاشتراكية والدينية والليبرالية من رفض للدولة القائمة، باعتبارها تجزئة بغيضة لوحدة الأمة في المفهوم القومي، أو طبقة مسيطرة مستغلة في المفهوم الاشتراكي، او تسلطاً على الجماهير ومصادرة حرياتهم في المفهوم الليبرالي، او كياناً مصطنعاً هشاً في المفهوم الديني المتشبّث باولوية الامة الاسلامية في كل زمان ومكان.

 

إلاّ أن مآلات "الربيع العربي" وتحولاته ما لبثت أن انتقمت من هذه التصورات وعاثت فيها من دون هوادة، إذ أكدت استحالة اي تحوّل ديموقراطي لا ينطلق أساساً من الدولة القائمة، كونها الجامعة لشتات التكوينات الطائفية والمذهبية والإثنية والطبقية.

 

فإسقاط هذه الدولة على الضد مما تصوّر القوميون أو الاشتراكيون أو الليبراليون لم ولن يذهب بها الى ما هو أعلى منها، أي الى دولة الوحدة القومية  أو الى الدولة الاشتراكية أو الى الدولة الديموقراطية. بل الى ما هو ادنى من "الدولة" أي الى القبيلة أو الطائفة أو الاثنية وما بين هذه المكوّنات من صراعات ونزاعات.

 

إن محاولة الإطاحة بالدولة أو تقويضها والإجهاز على بنيتها، وهو ما انحدرت اليه الانتفاضات العربية، لم يكن السبيل المفضي الى الحرية والخلاص من الاستبداد، بل الى استبداد الأصوليات التكفيرية النابذة للآخر، وهو استبداد أشد ضراوة من استبداد الانظمة التسلطية العتيدة أو على شاكلتها، الأمر الذي يؤكده ما جرى ويجري في العراق وسورية واليمن وليبيا.

 

هذا المآل الخائب يحتّم إعادة النظر في مقولة الدولة في خطابنا السياسي على نحو يعيد اليها اعتبارها ومركزيتها في الوجود السياسي والاجتماعي ويسقط التعامل معها كـ "مضاف" يمكن إلغاؤه او الإستغناء عنه تبعاً لمنظوراتنا الايديولوجية.

 

من المنحى نفسه، يجب اعادة النظر في مفهومي الامة والوحدة فنكف عن اعتبار الأمة كياناً واحداً موحداً في انتمائه وهويته جرت تجزئته في ظروف تاريخية ملتبسة، والتعامل معها على العكس كوحدة متناقضات، كهوية قيد التشكّل الدائم وفي تفاعل حي مع حركة التاريخ.

 

ومن هذا المنظور بالذات يجب التعامل كذلك مع الإنتماءات الفرعية الطائفية والإثنية والجهوية، لا ككيانات تهدد وحدة الأمة، بل كمكونات تؤسس لهذه الوحدة، بإغفالها، تبقى الأمة مهددة بالتمزّق عصائب متنافرة.

 

كذلك يجب التعامل من منظور مختلف مع مقولة الديموقراطية وإجراء مراجعة نقدية لموقعها ودورها في خطابنا السياسي. فقد اعتبرت الديموقراطية، وبخاصة منذ ثمانينات القرن الماضي، الحل السحري والوحيد لكل إشكالياتنا التاريخية من إشكالية التوحيد القومي الى إشكالية التقدم والتنمية مروراً بإشكالية الحرية والخلاص من الاستبداد. إلا أن الديموقراطية التي أخذ بها مفرغة من مضمونها الليبرالي لم تكن لتنجب سوى ديكتاتوريات مقنّعة بالاحتكام الى الجماهير، ذلك أنّ الجماهير التي يحتكم اليها لا تؤمن في غالبيتها اصلاً بالوحدة ولا بالاشتراكية ولا بقيم الحرية وحقوق الإنسان، بل هي في الغالب مأخوذة بفكر ديني أصولي رسّخه حكم الاستبداد، وطالما أثبتت الديموقراطية الانتخابية ان التيارات السياسية التي فرضت نفسها على الساحة العربية بصورة ديموقراطية لم تكن إلا تلك المغرقة في ماضويتها وأصوليتها وعدائها لحقوق الإنسان، من "إخوان" مصر الى "داعش" ونصرة العراق وسورية مروراً بالحركات السياسية الاصولية التي تمخضت عنها الانتفاضات الجماهيرية في الجزائر وتونس.

 

من هنا يجب أولاً اعادة النظر في مفهوم "الثورة" بالذات، فقد ذهب بعض كتابنا السياسيين، في رؤية تبجيلية لانتفاضات ما دعي بـ "الربيع العربي" الى حدّ وصفها بـ "انقلاب جذري في القيم والمفاهيم والتصورات، شبيه بذلك الذي عرفته ثورات أوروبا الليبرالية إبّان القرنين الماضيين وما حملته من مبادئ وأفكار جديدة وغير مسبوقة في التاريخ، مؤسسة لمستقبل جديد. إلّا أن انتفاضاتنا أعادتنا الى الماضي وقيمه ومفاهيمه بدل أن تحملنا الى ذلك المستقبل الموعود. لقد شدّتنا الى الوراء بدل أن تشدنا الى الأمام ولذلك من المفارقة اعتبارها ثورات حقيقية.

 

لقد بات من الضروري اذاً إعادة النظر في كل المفاهيم السائدة والمتداولة في الخطاب السياسي العربي بعد أن بان فواتها من أجل تصويب الرؤية الى المستقبل وبنائه على اسس عقلانية، وليس على ذرائع ايديولوجية لا تلبث ان تتهافت ويسقطها عبث التاريخ وأسئلته وتحدياته. من هنا يجب ان نبدأ، ومن هنا يبدأ التحول المأمول في واقعنا العربي.     

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية