25-07-2022 | 22:34

معنى الجمال في وطنٍ مُنهك!

ما الذي يدفع بشعبٍ مُتعبٍ، منهكٍ، مفلسٍ، إلى الاهتمام الشديد بحدثٍ جماليّ؟ ما معنى أن يتصدّر وسم ملكة جمال لبنان مواقع التواصل في بلدٍ غارقٍ في أزماته؟ وكيف نُفسّر حماسة اللبنانيّ تجاه انتخاب ملكة جماله الجديدة ؟ منذ يوم أمس، صار اسم ياسمينة منصور، ملكة جمال لبنان الجديدة، "تراندًا" بين اللبنانيين الذين اعتادوا متابعة هذا الحدث السنوي وارتبطوا به على مدار سنواتٍ طويلة. ومع أنّ لبنان ليس البلد العربيّ الوحيد الذي يُنظّم مثل هذه الحفلة، غير أنها لا تحظى بهذا المقدار من المتابعة والاكتراث كما في لبنان. وإذا أردنا تعداد الأسباب، سنجد أنّها كثيرة ومتنوعة. فمنها ما هو ثقافيّ وما هو اجتماعيّ وما هو متعلّق أصلاً بطبيعة اللبنانيّ المهتمّ بفكرة الموضة والجمال.
معنى الجمال في وطنٍ مُنهك!
Smaller Bigger

 

ما الذي يدفع بشعبٍ مُتعبٍ، منهكٍ، مفلسٍ، إلى الاهتمام بحدثٍ جماليّ؟ ما معنى أن يتصدّر وسم ملكة جمال لبنان مواقع التواصل في مثل بلدنا المأزوم؟ وكيف نُفسّر الارتباط اللبنانيّ بالمسابقات الجمالية؟

 

منذ تتويجها، صار اسم ياسمينة زيتون، ملكة جمال لبنان الجديدة، "تراندًا" بين اللبنانيين المعتادين على متابعة هذا الحدث الجماليّ. ومن الصعب أن نجد بلدًا عربيًا آخر ينشغل بقضية انتخاب ملكة جمال كما هو الحال في لبنان. وهذا مردّه إلى أسبابٍ كثيرة ومتنوعة. فمنها ما هو ثقافيّ، وما هو اجتماعيّ، ومنها ما هو متعلّق أصلاً بطبيعة اللبنانيّ المهتمّ بمسألة الموضة والجمال.

لكنّ العامل الأهمّ يبقى نفسيًّا، وهو الذي يُحرّك الوعيّ اللبنانيّ الجماعيّ في تعاطيه مع فكرة "ملكات الجمال". وقد يمكن البحث الدائم عن جورجينا رزق جديدة. وليس المقصود هنا جورجينا الملكة فقط، وإنما جورجينا الذاكرة والهويّة والانتماء. إنّه البحث عن زمنٍ ذهبيّ مفقود، عن انتصارٍ ضائع، وعن بهجةٍ شاردة.

 
 

ففي العام 1971، لم يكن العالم قد تحوّل الى قريةٍ صغيرةٍ بعد. ولم يكن اسم لبنان، البلد العربيّ الصغير، معروفًا في كلّ مكان. لكنّ الصبيّة الجميلة التي مثلّته آنذاك، على مدرّج ميامي بيتش في فلوريدا، تمكنّت رفع علمه عاليًا بعد فوزها بلقب ملكة جمال الكون.

الاعتراف العالميّ بجمالها صار اعترافٌ بجمالنا نحن، وبجمال وطننا، وبقدرته على تحقيق الفوز، مهما بدت التحديات صعبة. هكذا، وُضعت صورة جورجينا رزق بجانب صور العظماء من كتّابٍ وفنانين ومفكرين. وصارت رمزًا لحقبةٍ ذهبية، عُرفت ب"مرحلة قبل الحرب الأهلية". وهذا يعني ضمنًا مرحلة الغليان الفني، والانفتاح الثقافي، والحريّة الصحافية.

 

منذ ذلك الحين، صار اللبناني يرى الى ملكة الجمال سفيرةً قادرةً على صناعة الفرح والبهجة والانجازات العالمية. ثمّ جاءت الحرب الأهلية الدامية لتعمّق هذه النوستالجيا الى لبنان الجمال والفرح والانجازات "الكونية". وبعدما انتهت الحرب، توحد اللبنانيون المنقسمون طائفيًا ومذهبيًا ومناطقيًا حول الحدث الجمالي ليتابعوا سنويًا انتخاب ملكة جمال لبنان، من دون أن تغيب المصطلحات الطائفية عن ألسنتهم التي اعتادت تصنيف الناس جميعًا بحسب انتماءاتهم الدينية والمناطقية. "من أين هي هذه المشتركة؟ مسيحية؟ مسلمة؟ من الجنوب؟ أم من الجبل؟".

ومع ذلك، فإنّ الرغبة مشتركة في البحث عن نسخة جديدة من جورجينا، لعلّها تحمل معها انتصارًا جديدًا يُعيد إلى لبنان صورته "البرّاقة".

 
 

ولعلّ هيفاء وهبي هي أول من عبّرت عن هذا الهاجس اللبناني الجماعي، حين اشتركت- بُعيد انتهاء الحرب- في إحدى مسابقات الجمال، لتتوجه الى لجنة التحكيم قائلة: "ما بدكم جورجينا رزق تانية؟".

هيفاء وهبي صارت أيقونةً للجمال. ضربت شهرتها العالم العربيّ من محيطه الى خليجه. لكنّها لم تصبح جورجينا الثانية. لأنّ الأولى تجاوزت صورتها الجمالية لتغدو رمزًا راسخًا في الذاكرة اللبنانية ومعادلاً للحقبة الذهبية في تاريخ لبنان.

 

بعد أربع سنوات من العذاب اللبناني المتواصل، عادت المباراة الجمالية الى المشهد اللبناني، بالتزامن مع انجازات منتخب لبنان في كرة السلة، ليطغى بذلك النقاش الرياضي والجمالي على الأخبار الأخرى، وإن جاء الانبهار اللبنانيّ ب"ملكات الجمال" أقلّ بكثير من انبهارهم بأبطال كرة السلّة. فالمشاركات، منذ دورات عديدة سابقة، صرن غالبًا أقلّ من توقعات الناس بكثير. أو لعلّه السأم من الراهن والحنين الدائم إلى الماضي. 

الماضي أجمل، بملكات جماله كما بزعمائه ومفكريه ومبدعيه. هذا ما يردده كثيرون. لكنّ المتباريات الجدد غير معنيات بهذه النوستالجيا. جميعهن مولودات بعد الحرب، ولا شكّ أنهن غير مهتمات بتلك المقارنات. ولا مشغولات بتحقيق ما يتمنّأه المشاهدون. لكنهنّ نجحن على الأقلّ في فتح نقاشٍ جديد، ليومٍ أو يومين، قبل أن يعود اللبنانيّ إلى أحاديثه المعتادة عن غلاء الأسعار وطوابير الخبز وارتفاع عدد المهاجرين.

 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية