23-01-2023 | 14:31

تقدّم علميّ وانهيارٌ ثقافي... هل هو زمن "الهمجيّة" كما رآه الفيلسوف ميشيل هنري؟

نهضت الحداثة بإنجازات فائقة وغير مسبوقة في العلم والتكنولوجيا غيّرت سيرورة التاريخ الإنساني تغييراً جذرياً، لكنها في الوقت نفسه حملت أخطاراً تهدد المصير الإنساني في الصميم. هذه الإشكالية طرحها في فكرنا العربي الحديث منذ القرن التاسع عشر متنورون نهضويون هالهم التناقض الكبير بين تقدم العلم من جهة واستشراء إرادات الهيمنة والتسلط والإستئثار من جهة أخرى. وهي إلى اليوم، لا تزال تربك الفكر المعاصر، وفي الغرب بالذات، حيث تناول الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشال هنري إشكالية التناقض بين العلم والثقافة في "الهمجية، زمن علم بلا ثقافة" (ترجمة جلال بدلة، دار الساقي).
تقدّم علميّ وانهيارٌ ثقافي... هل هو زمن "الهمجيّة" كما رآه الفيلسوف ميشيل هنري؟
Smaller Bigger

نهضت الحداثة  بإنجازات فائقة وغير مسبوقة في العلم والتكنولوجيا، غيّرت سيرورة التاريخ الإنساني تغييراً جذرياً، لكنها في الوقت نفسه حملت أخطاراً تهدد المصير الإنساني في الصميم.

هذه الإشكالية طرحها في فكرنا العربي الحديث منذ القرن التاسع عشر متنورون نهضويون، هالهم التناقض الكبير بين تقدم العلم من جهة، واستشراء إرادات الهيمنة والتسلط والاستئثار من جهة أخرى. وهي إلى اليوم، لا تزال تربك الفكر المعاصر.

في الغرب تحديدًا، تناول الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشال هنري إشكالية التناقض بين العلم والثقافة في كتابه الشهير "الهمجية، زمن علم بلا ثقافة"، الصادر بترجمة عربية حديثة أنجزها جلال بدلة عن دار الساقي. وجاءت فكرته انطلاقاً من أننا نشهد اليوم تطوراً غير مسبوق للعلم يترافق مع انهيار دراماتيكي للثقافة، فكانت هي المرّة الأولى في تاريخ البشرية التي يفترق فيها مسارا المعرفة والثقافة إلى حدّ تعارضهما، في صراع يفضي فيه انتصار الأولى إلى اندثار الثانية.

هذه الحالة تعود في رأي المؤلف إلى القرن السابع عشر، عندما أعلن غاليلي أن المعرفة الحسية غير صحيحة، وأن العالم الفعلي مؤلف من أجسام مادية غير محسوسة ممتدة بأشكال وصور هندسية، وأن المعرفة العقلانية بهذه الصور، أي المعرفة الهندسية للطبيعة المادية، هي المعرفة الجديدة التي حلت محل جميع المعارف الأخرى، فيما رأى كانط أن جميع موضوعات العالم منذ الآن وصاعداً، ستُعطى لنا كموضوعات زمانية ومكانية.

 

 

 
 

افتراض غاليلي

إن اعتبار الافتراض الغاليلي الشرط الأول للحداثة ليس معناه إلا استبعاد الكيفيات المحسوسة، أي إلغاء حساسيتنا ومجمل انطباعاتنا وعواطفنا ورغباتنا وأهوائنا وأفكارنا، وباختصار استبعاد ذاتيتنا بأسرها، وهي التي تصنع جوهر حياتنا، بل هي المورد الحصري للثقافة. ما يؤول إلى الافتراق غير المعقول بين المعرفة والثقافة، أو بين العلم والثقافة، بمعنى أن العلم لا يواتيه نمط المعرفة القائم على الحساسية المتبدلة بين الأفراد، الأمر الذي حدا بالمؤلف إلى القول إننا ندخل الآن في زمن "الهمجية". 

كانت البشرية قد ذاقت مرارة هذه المغامرة مرات عدة، ولكن ثمة تطورات جديدة أبعد من السابق تواجه الإنسانية الآن. ففيما كانت جميع أشكال الفاعليات الاقتصادية والفنية والفكرية والدينية تسير جنباً إلى جنب، وكان ازدهارها يجري بصورة متزامنة، نشهد منذ بداية العصر الحديث تطوراً غير مسبوق للمعارف التي تشكّل "العلم" وتطالب من بين جميع أشكال المعرفة بالتسمية وحدها بالرصينة والموضوعية، نظراً لقوة براهينها وتجاربها، فضلاً عن النتائج الخارقة التي توصلت إليها وغيّرت وجه البسيطة.

لكنّ هذا التغير تساوق للأسف مع تغيّر الإنسان وانهيار جميع القيم الأخرى، انهيار بلغ من الخطورة حدّ الارتياب في وجودنا نفسه.

 
 

وإذا كانت المعرفة مع العلم الحديث قد قطعت أشواطاً هائلة، إلا أنها لم تطرح بعد أي رؤى للوجود الإنساني ومآله. وها نحن نشهد الآن انفجار العلم وهلاك الإنسان، وها هي ذي الهمجية الجديدة التي ليس من المؤكد التغلب عليها على منوال الحضارات السالفة.

فما السبب في أننا نرصد الآن طمساً وحشياً وتدريجاً للفن والإيتيقا والدين، وليس مجرد تضعضعها أو وهنها؟ أليس ذلك إلّا لأنّ المسألة فعلياً هي مسألة أزمة في الثقافة بل دمارها؟

إن الفهم التام للكيفية التي أفضى وفقها اعتبار صنف معين من المعرفة، كان قد ظهر مع غاليلي مصدر المعرفة الوحيد وأدى إلى تقويض سائر القيم والثقافات وإنسانية الإنسان، لهو أمر ممكن شريطة معرفة أساس القيم والثقافة وإنجازاتها. لقد استبعد العلم هذا الأساس، ولذلك نراه يهوي بعالمنا إلى الدرك الأسفل من دون أن يدري.

يرفض المؤلف الاعتقاد بأن المعرفة إنما تعني العلم فقط، أي المعرفة الرياضية بالطبيعة الموضوعة في عصر غاليلي، فالثقافة في نظره تتكئ على معرفة الحياة التي تشكّل بجوهرها قوام هذه المعرفة، وإلا كيف كان للبشرية قبل مجيء العالم الحديث أن تتطور، فضلاً عن تحقيقها نتائج خارقة في ميادين الفن والدين، لو لم يكن في حوزتها هذه المعرفة الأساسية التي هي معرفة الحياة؟

إن البلبلة التي تسود زمننا الحاضر إنما هي في رأي المؤلف نتيجة التطور الفائق للمعرفة العلمية التي ولدتها، ورفضها في الوقت نفسه لمعرفة الحياة ما تمثّل في ضمور الثقافة وتقهقرها في عالم انبجس فيه صنف من الهمجية أكثر خطورة من أي من الأصناف السابقة، صنف يتهدد الإنسان بالموت.

وباللجوء إلى معيار الفن يمكن تقدير حجم ما يعنيه استبعاد الحساسية عن عالم الحياة، لأن الفن يشتغل على الحساسية، ولأن العالم هو عالم محسوس، عالم عيش وليس عالم وعي محض.

إن السمة الحاسمة للحداثة وما يجعل منها هذه الهمجية غير المسبوقة، هي بالتحديد أنها مجتمع مفتقر إلى كل ثقافة ومستمر من دونها.

لقد حمل مشروع بلوغ معرفة موضوعية بالكائن الطبيعي مؤسسي الحداثة على إقصاء كل ما يحيل إلى الحياة، الأمر الذي أفضى إلى خراب البسيطة على يد الطبيعة اللاذاتية للتقنية، وهذا ما جهد المؤلف في دحضه عبر إعادة الحياة إلى الوثبة الأولى للعلم والأسس الثقافية التي رفدته.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية