22-08-2022 | 21:50

شيرين عبد الوهاب... وصدمة الجمهور التونسي!

لا توجد قاعدة تُحتّم على الفنان عدم التحدّث مع جمهوره فوق الخشبة. وليس هناك قانون يمنعه من البوح بما يخصّ حياته الشخصية وهو على المسرح. لكنّ المخيال الجمعي يلزمه بذلك. الصورة المعيارية للفنان لا تخرج عن مفردتي الالتزام والجدّية. في المقابل، فإنّ أخبار الفنانين وتفاصيل حياتهم الخاصّة معروضة على صفحات المجلاّت والصحف وفي برامج التلفزيون. ومع انتشار مواقع التواصل الإجتماعي انكشفت حياة المشاهير وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام الجمهور، من صباحهم إلى ليلهم.
شيرين عبد الوهاب... وصدمة الجمهور التونسي!
Smaller Bigger

 

لا توجد قاعدة تُحتّم على الفنان عدم التحدّث مع جمهوره فوق الخشبة. وليس هناك قانون يمنعه من البوح بما يخصّ حياته الشخصية وهو على المسرح. لكنّ المخيال الجمعي يلزمه بذلك. الصورة المعيارية للفنان لا تخرج عن مفردتي الالتزام والجدّية.

 

في المقابل، فإنّ أخبار الفنانين وتفاصيل حياتهم الخاصّة معروضة على صفحات المجلاّت والصحف وفي برامج التلفزيون. ومع انتشار مواقع التواصل الإجتماعي انكشفت حياة المشاهير وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام الجمهور، من صباحهم إلى ليلهم.

 بين ما يجب أن يكون عليه الفنان وما تحمله الصورة الذهنية وبين ما هو موجود بفعل السوشيال ميديا، بين العالم الواقعي والإفتراضي، هل "تلخبطت" شيرين بين العالمين فباحت بما لديها وأقحمت حياتها الخاصة في حفلة قرطاج أمام الآلاف؟ هل كان على الجمهور التّونسي تفهمها؟ وكيف نقرأ تصرفات شيرين عبد الوهاب على المسرح خلال الفترة الأخيرة؟

 

لا أعتقد أنّ شيرين عبد الوهاب ستنسى أيّ تفصيلة من تفاصيل حفلتها في الدّورة السادسة والخمسين من مهرجان قرطاج الدّولي. لن ينسى هذا التّاريخ لا النجمة العربيّة ولا جمهورها، لأنّها حوّلت الخشبة إلى فضاء فجّرت فيه كل إنفعالاتها: غنت حتى النشاز. رقصت حتى الدوران. بكت حتى الضحك. الكثير من الإنفعالات والإنفلاتات الشعوريّة أكدتها بتصريح ثبّتت من خلاله عدم قدرتها على التحكم في نفسها والسيطرة على مشاعرها.

بعد شكرها للجمهور وللسفير المصري في تونس الذي خصّها بالدعوة، قالت إن قرطاج أحياها وهي كانت ميتة. ومن ثم خاطبت طبيبها الدكتور نبيل عبد المقصود الدكتور، المتخصص في علاج السموم والإدمان. وهو رافقها في رحلتهها الى مهرجان قرطاج، فدعته للاقتراب منها وقبّلت يده وشكرته مؤكدةً أمام جمهورها انها كانت قبل أسبوعين فقط مترددة في الحضور لكنه أصرّ عليها وقال لها ستقدرين على الغناء.

كانت تظنّ ربما أن مهرجان قرطاج قد يكون نافذةً تهرب عبرها من ظلمة الأزمات النفسية  التي تعيشها الآن عقب مشاكلها مع طليقها حسام حبيب وتسببت لها في مصاعب كثيرة، مثل زيادة الوزن الذي يبدو أنه ايضًا سببًا لعدم ارتياحها، ما انعكس على أدائها.

هذه "الفضفضة" الصريحة كانت أشبه بالتعرّي التام الذي لا يليق بوقفة المسارح الجادة. وهذا ما انتقده الجمهور التونسي، وبعضهم كان رافضًا لبرمجة السهرات واختيار شيرين لتختتم أمسيات المهرجان التونسي العريق.

من هنا، تفجّرت التدوينات وتكاثرت الأقاويل وزاد التفاعل بين إعلاميين ونقاد ومشاهدين. بين الرافضين والمستنكرين والساخرين، نجد قلة قليلة من المدافعين. واتفق كثيرون منهم على أنّه من غير المسموح أن تقحم فنانة أو نجمة عربيّة أسرارها وخصوصياتها في سهرتها الفنّية.

 

 

الفنان وجمهوره

هل كان الجمهور قاسياً على شيرين؟ أم أنّه مُحقّ في رأيه؟ ربما لكي نفهم غضب الجمهور التونسي، لا بدّ أن نجيب على السؤال التالي: لماذا يذهب الجمهور إلى السهرات الفنية؟ ما الذي يريده من الفن؟

من البديهي أن لدى هذا الجمهور مجموعة من الإحتياجات يريد إشباعها. أوّلها الترفيه والإستمتاع بوقت يريد أن يقضيه مع نجمه المفضّل. إنه توق من الجمهور بغية الصعود بعيدًا عن مدنّسات الحياة. لماذا أصرّت شيرين عبد الوهاب على تحويله إلى طوق تسجن به جمهورها فتعيدهم الى الأرض وتسقطهم من سماءات توقعاتهم من السفر بالموسيقى؟

 

وإذا عدنا الى حفلات أيام زمان، نجد أنّ الفنان يقف على خشبة المسرح يبدو وكأنه في حالة خشوع، بل إنّ التحية يؤديها وكأنّه يؤدّي طقسًا أو تقليدًا له قواعده وقداسته. وكأنّ بالفنان روح جميلة تطوف المسرح ولا غبار عليها. كأنّ جسده والآلة الموسيقية لا ينفصلان وكأنه والفرقة الموسيقية رقصات تانغو جميلة. تكامل وتناغم وانسجام يورّط معهم الجمهور فيُصرّ الكلّ في عالم آخر مختلف عن العالم المرئي. يكون العرض الموسيقي وكأنّه حالة شعورية جميلة، نشوة وانتشاء لذّة بما أتمّ للكلمة من معنى فيترك الفنان جزء من روحه المليئة بالحب والسلام وهو يغادر ولا يترك قصص مؤذية مليئة بالسواد والتعاطف والشفقة على الفنان وليس حبا فيه كما تفعل تقريبا شيرين عبد الوهاب.

 

الغريب أنّه بعد وفاة الفنان من فناني زمان نكتشف من خلال سيرهم أنّ حياتهم لم تكن بتلك الجماليّات التي تعكسها موسيقاهم على خشبه المسرح. لا حياة أم كلثوم كانت بتلك السلاسة ولا فريد الأطرش ولا محمد عبد الوهاب ولا حتّى ذكرى محمد التي تفجرت معاناتها مرة واحد لما قتلت.

 

كانت قصصهم تخرج فقط من خلال أعمالهم الفنيّة في شكل أحاسيس تملأ وتثقل الكلمة بالمعاني. ربّما من هذا المنطلق لم يكن على شيرين عبد الوهاب أن تستغل المسرح لتتكلم عن مشاكلها الخاصة وتكشف حتى عن وجه طبيبها ومرضها ووو.  كان يمكنها أن تخرج كلّ ذلك في عرض إبداعي أو مفاجأة فنية. فقد خصّت بلغة ليست متاحة للإنسان العادي. إنّها لغة الموسيقى. إنّه صوتها الذي لا يختلف اثنان في تفرّدها بالخامة وبأحاسيسها المفرطة. ولكنها استنزفت طاقتها في مواضيع بشرية فوق الخشبة فنشزت بل حطّمت "روحانيّة" الفنانة الجميلة.

 

صحيح أن الجمهور الحاضر في الحفل تفاعل معها وتمايل معها وغنّى معها. ولكن نفس هذا الجمهور يتأسف ويتحسر في الكواليس أولا لأنه كان يتمنى أن يراها في حال أفضل وثانيا لأنه اقتطع لها تذكرة ثمنها يعتبر باهظا مقارن بالظرفية المادية التي يمرّ بها المواطن التونسي. علّقت فتاة على الفايسبوك: "احب شيرين كثيرا... الحمد لله أنّ تذكرتي هديّة ولم أدفع ثمن الهراء الذي شاهدته".  

شيرين عبد الوهاب فنانة تبالغ في العفوية أمام جمهور تونسي وعربي أيضا يبالغ فجأة في التزامه الأخلاقي وييدع في أداء دور الجلاّد. ربّما كان عليها أن تكون أكثر وعياً بهويتها كفنانة وبخصوصيّة الجمهور الذي يتلقى فنها.

 

 

فخّ السوشيال ميديا؟

لقد كسرت السوشيال  ميديا الحدود بين الفنّان ومحيطه الخارجي وتداخلت حياة الفنان الخاصة مع حياته الفنية خاصة مع ظهور التيك توك الذي نعرف من خلال بيت نوم ومطبخ وحمام المشاهير. الصور هنا وهناك. والناس لها أن تبني ملاحظاتها.

لقد أصبح الجمهور قادراً على تحديد علاقة الفنان مع شريكه (أو حتى زميله) من خلال فسخ صور الطرف الثاني على الأنستغرام يفهم أن علاقة فلان بفلان قد انتهت. هذا الفضاء العام الإفتراضي فتح البوابات على مصراعيها للقصص والشائعات والحكايا والفنان أو النجم هو في حد ذاته شريك في ذلك. اذ يمارس حياته على مواقع التواصل الاجتماعي كمواطن عادي بتعلّة انسجامه مع جمهوره وتحسيسه أنه جزء من حياته وأن حياة الفنان لا تختلف عن حياتهم.

 

هذه الخدعة - أو هذا السحر- الذي يقوم به الفنانين على مواقع التواصل الإجتماعي، يثير فضول الجمهور أكثر فيبحث أكثر عن التفاصيل إلى أن يحصل حالة كلّية من التماهي تورط الفنان أكثر وتجعله يسهو عن وظيفته في المجتمع فيكمل فزورته على الخشبة دون أي حدود أو مسافات بينه وبين الجمهور لأنّه تلقائيّا كان قد ألغاها على السوشيال ميديا ونسي أن الخشبة ليست السوشيال ميديا وأنه عليه المحافظة على خصوصيّة هذه الخشبة التي تخلق فيها حيوات أخرى بعيدا عن اليومي المدنّس.

لقد وقعت شيرين في فخّ السوشيال ميديا...

          

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
لبنان 5/2/2026 7:19:00 PM
 انتشار عدد من الصور المسيئة إلى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في حملةٍ تتجاوز حدود التعبير عن الرأي