21-11-2022 | 21:28

لأنّها هي... فيروز! ​

هل يُمكن إنسانًا أن يرتفع الى مصاف الوطن؟ قد يكون الجواب، نعم وكلاّ. بطريقةٍ أخرى، إنّه أمرٌ نادرُ الحدوث، لكنّه مُمكن إذا اجتمعت فيه أسباب التحقّق كلّهت. وهذا لا نراه عادةً إلاّ مع عظماءٍ حملوا في شخصهم- وإنجازاتهم- صفات أوطانهم. وهذا ما ينطبق تمامًا على فيروز، التي نحتفل اليوم بعيدها وعيد لبنان معًا. وليس عبثًا أن يكون لكلاهما تاريخ الميلاد ذاته، وهما يتقاسمان في الوجدان صورةً واحدة. صوت فيروز وشخصها، قوّتها وخجلها، عاطفتها وعزّتها... صفاتٌ قادت الجمهور الى مُعامَلة الأوطان، لتغدو هي التعبير الإنساني عن فكرة "لبنان". واستطاعت، عبر "الإجماع" الشعبي، أن ترتفع من مصاف "الفنانة" إلى "الرمز". والأكيد أنّ الرمز هو أعلى مراحل الارتقاء الفنّي، ولم نره سوى في تجارب قليلة جدًا على غرار أم كلثوم التي صارت رمزًا لمصر، وتعبيرًا أصيلاً عن روحها.
لأنّها هي... فيروز!


​
Smaller Bigger

هل يُمكن إنسانًا أن يرتفع إلى مصاف الوطن؟ قد يكون الجواب، نعم وكلا.

إنّه أمرٌ نادرُ الحدوث، لكنّه مُمكن إذا اجتمعت في ذاك الشخص أسباب التحقّق كلّها. وهذا ما لا نراه عادةً إلا مع عظماء حملوا في ذواتهم- وإنجازاتهم- صورةَ أوطانهم.

كلامنا هذا ينطبق حتمًا على فيروز، التي نحتفل اليوم بعيدها وعيد لبنان معًا. وليس عبثًا أن يكون لكليهما تاريخ الميلاد ذاته، وهما يتقاسمان في الوجدان صورةً واحدة.

صوت فيروز وشخصها، قوّتها وخجلها، عاطفتها وعزّتها... صفات قادت الجمهور الى مُعامَلتها كما يُعامَل الوطن نفسه، بكثيرٍ من القداسة والحبّ والتعلّق. ولهذا، غدت فيروز هي التعبير الإنساني عن فكرة "لبنان".

عبر هذا "الإجماع" الشعبي، ارتفعت فيروز من مصاف "الفنانة" إلى "الرمز". والأكيد أنّ الرمز هو أعلى مراحل الارتقاء الفنّي، ولم يصيره سوى قلّة قليلة من المبدعين، على غرار أم كلثوم التي كانت- ومازالت- رمزًا لمصر، وتعبيرًا أصيلًا عن روحها.

إذًا، من بوّابة الفنّ دخلت فيروز إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى "الأسطورة". ولا أظنّ أنّها سعت يومًا إلى "أسطرة" ذاتها، هي الأقرب إلى الطبيعة والبساطة، لكنّها عرفت أنّها وُجدت لهذه المُهمّة، فأنجزتها كما يجب.

هذا الكلام يسوقنا إلى واحد من أجوبتها المقتضبة في مقابلة قديمة معها، حين سُئلت: ممّ تخاف فيروز؟ فأجابت من فيروز نفسها.

نهاد حدّاد، تلك الفتاة الحالمة، الهادئة، والخجولة، عاشت تحت جلد امرأة أخرى، اسمها فيروز. واجهت الملايين من الناس، وحملت همّ إسعادهم، والتعبير عنهم في مختلف مواقف حياتهم.

بدمعةٍ متوارية، وابتسامة خفيّةٍ، انطبع وجه فيروز في أذهاننا. غنّت لنا، لأوطاننا، لأطفالنا وجدّاتنا، وأحلامنا وبيوتنا الصغيرة. وفي بلد يتعارك شعبه على كلّ صغيرة وكبيرة، ظلّت هي الرابط الوحيد بين اللبنانيين المنقسمين.

ومع الوقت، تجاوزت فيروز "لبنانيتها"، لتغدو صورةً عن "الأرض" (أيّ أرض عربية)، بمعناها الأبعد من جغرافية الأوطان.

هكذا، صار صوتها امتدادًا لمدن العالم العربي، من بيروت إلى دمشق، ومن عمّان إلى مكّة. وحين غنّت لفلسطين، تحوّل الصوت إلى زوبعةٍ في ضمائر الإنسانية، فصار اسمها لصيقًا بالقضية.

وليست هذه المعايير وحدها التي شكّلت "قدسية" فيروز، بل وأيضًا قِيمها الشخصية التي أتت منسجمة تمامًا مع قيمها الفنية.

ففي مجمل مسرحياتها، تصدّت فيروز للكره والشرّ، ثم نشرت قيم الحب  والخير لتكتب بصوتها فلسفةً جمالية تُمجّد الخيال. وفي الواقع أيضًا، آثرت الصمت على الكلام، والغياب على الحضور، لتتكرّس بذلك صورة "الأيقونة" التي لازمتها.

وعلى عكس ما يردد كثيرون، لم تكن فيروز هي "المرأة" الضعيفة داخل المثلّت الذي شكّلته مع الأخوين. وهل يعقل أن يقوم فنّ عظيم كهذا على "شخصية" هشّة؟

فيروز هي العصب في العائلة الرحبانية. لم تكتفِ بأن تكون مجرّد وعاءٍ تُصبّ فيه أعمال الأخوين، بل كانت هي الماء الذي يتخّذ أيّ شكلٍ يوضع فيه.

إنها فيروز نفسها مع عاصي ومنصور ومع فيلمون وهبي ومع عبد الوهاب ومع الياس الرحباني ومع زكي ناصيف ومع زياد الرحباني.

والأكيد أنها بدت كذلك مع السنباطي في أغنياتٍ يُقال إنها ما زالت في الدرج، لأسباب غير واضحة، في انتظار أن يُفرج عنها يومًا.

وحين اختارت ابنتها ريما أن تنشر هذا العام صورةً لها من داخل الكنيسة، مع ابنها هالي (هو من أصحاب الهمم)، فإنها كشفت لنا وجهًا آخر لا يقلّ قيمةً وإشراقًا وجمالًا عمّا نعرفه عنها.

وخلف وجه "الأيقونة" و"الزوجة" و"الأم"، هناك الوجه الذي لم نره، وإنما سمعنا عنه. فيروز، المرأة الضاحكة والساخرة.  ولعلّ ابنها زياد، هو الوحيد الذي تجرّأ على كشفه في بعض أغنياتٍ جرّتها الى قول ما لم نتوقعه منها. 
ولكن، في كلّ أحوالها، فيروز- كانت وستظلّ- هي نفسها. أكبر من التحليل وأعظم من الألقاب.

في عيدها، تحيّة منّا إلى فيروز، التي وُجدت بيننا لتكون تعويضًا عن آلامنا المتراكمة في وطن هو سلسلة من الميتات والقيامات، على ما يقول الشاعر شوقي بزيع في كتابه "بيروت في قصائد الشعراء".

 

 

العلامات الدالة

مواضيع ذات صلة

3/18/2019 10:49:00 AM
3/18/2019 10:47:00 AM
3/6/2019 11:41:00 AM

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية