هل انتهى فكر التّنوير ولم يعد لأوروبا ما تقدّمه لنا؟
من هو المثقف في العالم العربي؟ كيف نشأ وما هو دوره؟ هل هو وريث الكاتب أو الفقيه في التراث العربي الإسلامي؟ ولماذا أخفقت مشاريعه الإصلاحية؟ ما هو أساس العداء التاريخي بين الإسلام والغرب وهل انتهى أثر التنوير ولم يعد لأوروبا ما تقدّمه لنا؟ هل كان ثمة دولة في التاريخ العربي الإسلامي وهل كان ثمة فصل بين الديني والسياسي؟
أسئلة إشكالية استحوذت على اهتمامات الفكر العربي في نهايات القرن الماضي وبداية القرن الراهن، تصدّى لها خالد زيادة في "حوارات في الثقافة والتاريخ" (رياض الريّس للكتب والنشر، 2022).
احتوى الكتاب حوارات مع زيادة منذ تسعينات القرن الماضي إلى اليوم، عبّر فيها عن رؤية تتسم بالشمول والموضوعية وتمثّل إضاءة على كثير من الأحكام والتأويلات التي لا تزال تتردد في فكرنا العربي الراهن بصدد المثقف والإصلاح والدولة والعلمانية والعلاقة التاريخية بين الإسلام والغرب.

على خلفية هذه الأسئلة، رأى المؤلف أن المثقف العربي الحديث لا ينتسب إلى التراث الفقهي، وأن مصطلح "مثقف" جديد في اللغة العربية ولم يمض على استخدامه سوى بضعة عقود، وقد ولد على المنعطف الثاني من القرن التاسع عشر، وهو ابن المدينة لأنّ القضايا التي يطرحها لا تتفاعل إلا في التجمّعات المدينية، كما أن من المؤكد أن انبثاق "المثقّف" العربي الحديث كان مع تلك التحوّلات التي شهدتها المدن العربية باتجاه الحداثة.
لعب المثقفون دوراً حاسماً في النصف الأول من القرن العشرين، برغم أنهم شكّلوا أقلية في ذلك الوقت، فنشروا الثقافة الحديثة في العالم العربي، وصاغوا أفكار الدولة والدساتير والعروبة الثقافية الإصلاحية المنفتحة على الآخر.
وعلى رغم أن المثقفين العرب لم يحظوا بحاضنة سياسية تدافع عن أفكارهم، ومع أنّ تجاربنا محدودة في الزمن، قياساً إلى البلدان التي توصلت إلى الحداثة الديموقراطية، إلا أنّ أفكار هؤلاء انتصرت في النهاية، ومن الظلم اتهامهم بالفشل وانعدام الفاعلية.
لقد عطّلت النظم الأحادية مسار الحداثة، وأملت انحسار دور المثقف أمام عنت السلطة، لكنّ ذلك لم يمنع وجود مثقفين وأدباء وحقوقيين مثل قاسم أمين ولطفي السيد وسعد زغلول لعبوا أدواراً بارزة واستطاعوا أن يصوغوا ملامح ثقافة عربية معاصرة، وأهم ما نحتاج إليه الآن هو صياغة رؤى للمجتمعات العربية، ومشاريع للنهوض السياسي والاجتماعي ونقّاد للتخلّف والأصوليات ومفكرين يتابعون ما ينتجه العالم في ميدان الفكر.
ولعلّ ندرة هؤلاء أو غيابهم في رأي المؤلف هو الذي أدّى إلى إجهاض الانتفاضات العربية منذ عام 2011 إلى الآن، لافتقارها إلى الرؤى والمشاريع الفكرية الحداثية، الأمر الذي وقف وراء تقدّم الأصوليات في عالمنا العربي والإسلامي وتراجع العلمانية وتآكلها، حتى في تونس التي تبنّت التوجه العلماني.
وهكذا لم نستطع أن ننجز بناءً، ولا حتى رسم ملامح مشروع ثقافي أو سياسي أو اقتصادي جديد يتناسب مع العصر. وفيما يحقّق العالم إنجازات كبرى في خلال العقود الأخيرة، لم نكن سوى مستهلكين لما ينتجه العالم المتقدّم صناعياً وتقنياً، في وقت نتابع فيه تقدم دول مثل كوريا وماليزيا، كانت حتى عقود قليلة خلف مصر وسوريا في معدلات النمو.

خالد زيادة
مشروع نهضوي
إزاء هذه التحديات التي تواجه العالم العربي يطرح زيادة مشروعاً ثقافياً سياسياً يقوم أولاً على استعادة الأفكار التي شكّلت عناصر المشروع النهضوي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، باستيعاب حداثة العصر المؤسسة على مفاهيم الحرية والدستور والتربية والصناعة والزراعة، أي الأفكار نفسها التي عبّر عنها رواد النهضة. وثانياً بالنقد الصارم للتجارب الأحادية العربية في أوجهها المختلفة الاقتصادية والسياسية والفكرية. وثالثاً باستيعاب القيم المعاصرة، وأساسها التنوع وقبول الآخر، وفصل الديني عن السياسي وإعادة النظر بعلاقتنا في العالم.
وحين تطرّق المؤلف للعلاقة الإشكالية بين العرب وأوروبا، ذهب إلى أنّ هذه العلاقة فريدة في التاريخ والجغرافيا، فنحن نتقاسم مع أوروبا بحراً صغيراً هو البحر المتوسط، وفي خلال ما يزيد على ألف سنة تبادلنا بوتيرة تعلو وتنخفض الحروب والبضائع والأفكار.

في القرن السابع تقدّم الإسلام نحو بيزنطية، وفي القرن الثامن احتلّ إسبانيا، وبعد ثلاثة قرون احتلّ الصليبيون سواحل المتوسط، وبعد مئتي سنة أخرج العثمانيون الصليبيين وتقدموا في شرق أوروبا حتى وصلوا إلى حدود فيينا. الأمر الذي جعل ذاكرة العداء متبادلة بين أوروبا والإسلام، مؤسساً لثنائيات" شرق _غرب " و"إسلام_مسيحية" التي أثّرت وما زالت تؤثّر في علاقتنا بالغرب وعلاقتنا بالعالم، بينما ينبغي تفكيك هذه الثنائيات والخروج من فكرة الصراع مع الغرب الذي لم يعد يؤمن بكونية أفكاره وعالميتها، وقد بات وفق هانتينغتون "متفرداً وليس عالمياً".
أعاد خالد زيادة في حواراته النظر في بعض مقولات الفكر العربي المعاصر، فالعلمانية عنده لا تمت بصلة إلى النزعات الإلحادية أو المادية، بل تعني الفصل بين المجالين السياسي والديني. وفكرة الدولة الحديثة المعاصرة شيء مختلف تماماً عن الدولة التقليدية التي كانت وظيفتها جمع الضرائب والأمن، سواء كان الداخلي أو الخارجي، بينما الدولة الحديثة أصبحت نوعاً من الراعي تهتم بالتعليم والصحة وتراقب المجتمع. وبمراجعة التاريخ نجد حدوداً لفكرة "الدولة" التي عرفت في الحضارة الإسلامية مبكراً جداً، لكنها كانت كياناً يقوم بمهمات محددة، لكنه لا يشبه الدولة الحديثة في مسألة الرعاية وإدارة الشأن العام.

خلص زيادة إلى أن مشروع التحديث الذي أطلقه النهضويون لم يتحقق، وإلى أنّ النصف الثاني من القرن العشرين شهد مع الأنظمة الأحادية تراجع المواطنة لجهة الولاءات الفئوية والمذهبية وتراجع الحياة الدستورية وانخفاض مستويات التعليم وتدهور الاقتصاد، فضلاً عن الخواء الفكري الذي نعيشه، لينتهي إلى أن أفكار النهضة يمكن أن تشكل مرجعية ومنصة لانطلاق بناء مشروع تحديثي يأخذ في الاعتبار كل التطورات اللاحقة.
نرى ختاماً أن الكتاب يثري الحوار الأيديولوجي في فكرنا الراهن ويشكل إضاءة غنية على أكثر أطروحاته تناقضاً والتباساً، لكننا في الوقت نفسه نسجل بعض الملاحظات بصدد بعض الاستنتاجات والتأويلات التي ساقها المؤلف:
أ- قوله إن "المثقف التنويري قد انتهى ونحن في حاجة اليوم إلى المثقف النقدي"، وقوله "انتهى أثر التنوير ليس في العالم العربي فحسب، ولكن في أنحاء العالم كافة والمثقف لم يعد صاحب رسالة لا يعبران عن الواقع العربي الذي لا يزال يتعثر في الخروج من عقل القرون الوسطى وأعرافها، ولم يأخذ بعد بقيم التنوير وأفكاره ومسلّماته التي أصبحت من بديهيات حداثة الغرب".
ب- تناقض أحكامه واستنتاجاته بين قوله "إن الذين يريدون أن يعيدوا عصر النهضة واهمون لأن ذلك عصر انتهى" وقوله "إن مشروع التحديث الذي أطلقه النهضويون يمكن أن يشكل منصة لانطلاق مشروع تحديث، ولأفكار النهضة أن تشكل مرجعية".
وإذ نقدّر ثراء الفكر النهضوي وأهميته التاريخية، نرى أن اعتباره مرجعية لحاضرنا ومستقبلنا يشكّل "نوستالجيا" بائسة وارتكاساً إلى ماض أفل، في وقت يتجه فيه عالمنا إلى ما بعد الحداثة، ومعه أسئلة وإشكاليات ليست في الحسبان، وعلينا أن نقرأها بفكر جديد ومن منظور يواكب الثورة المعرفية العتيدة.
نبض