معنى "الحوار" وجدواه في الخطاب اللبناني الراهن
منذ الثمانينات من القرن الماضي طغى مصطلح "الحوار" على الخطاب السياسي العربي واللبناني تحديداً، فطرح الحوار بين العقائد والإيديولوجيات السياسية والاجتماعية والدينية باعتباره السبيل الناجع لمواجهة حالة التمزّق العصبوي التي باتت تهدّد وحدة الأمة العربية وكياناتها القطرية، من الحوار الاسلامي المسيحي إلى الحوار القومي الاسلامي إلى حوار الطوائف والمذاهب والإثنيات، إلى الدعوات المستعادة والمتكررة لطاولات حوار لبناني منذ بدايات الحرب الاهلية إلى اليوم.
مع ذلك يبقى مفهوم الحوار من بين أكثرالمفاهيم إشكالاً والتباساً، إذ إنه في صيغه المتداولة والسائدة، منتزع من جذوره التاريخية ومن أصله الحداثي كما من مغزاه الفلسفي. فما تغفله هذه الصيغ هو أنّ الحوار مرتبط تلازمياً بالحداثة ومبادئها وقيمها، التي منها التاريخية والنسبية والتطورية ومركزية الانسان وحريته واستقلاليته، وكذلك الاعتراف بالآخر والعقلانية والمساواة والعلمانية.
الحوار بالمعنى الحداثي قوامه الاعتراف بالآخر والمختلف والتواصل معه من دون أن تلغيه أو يلغيك، من دون أن تصبح انت هو أو يصبح هو انت. أن تحاور الآخر يعني أن تدخل معه في عملية بحث عن حقيقة لم تتشكل بعد، حقيقة نسبية تاريخية يمكن الإرتقاء إليها في الزمان، وعبر تلاقي الافكار والتصورات. ولذلك، قبل الحداثة لم يكن ثمّة حوار لأنه لم يكن هناك تاريخ. القائم حينذاك كان صراع مطلقات ينفي بعضها بعضاً في حرب إيديولوجية أساسها إقصاء الآخر أو إلغاؤه، لا التعرف إليه والتواصل معه، إذ لا حوار على المطلق والمقدّس، ولا حوار مع تصوّر امتلاك الحقيقة المطلقة والنهائية. لأنك ان كنت تمتلك مثل هذه الحقيقة فعلاً، فلن يكون لتواصلك مع الآخر سوى معنى التبشير والبلاغ لا معنى التواصل الفعلي.
التحوّل والتغيير
يترتب على هذا أن لا معنى لحوار يتنكر لمبدأ التطوّر والتحوّل والتغيير، ففي ظل رؤية استاتيكية للكون والمجتمع والانسان، رؤية تؤمن بالاستمرار والثبات والديمومة، لاجدوى من الحوار ولا جديد ينتهي إليه. فأن تحاور الآخر يعني أنكما تبحثان معاً في المتحوّل والمتطور والتاريخي عما يمكن أن يشكل تقدماً نحو واقع إنساني أفضل. أما اذا كان احدكما يرى ان التطور قد حسم في مرحلة معينة وان التاريخ قد انتهى في وقت مضى، فلن يكون الحوار سوى استدعاء لما ينفيه او ينقضه من الاساس.
أن تحاور يعني انك حرّ وعاقل وقادر على التفكير من دون عوائق، وأنك في الوقت نفسه غير محاصر بأية وصاية أو مهدّد من أيّة جهة متعالية عليك، اذ لا حوار مع آخر يهيمن عليك أو يهدّدك او يكفّرك. لكي تحاور يجب أن تكون على مستوى واحد مع من تحاور، لا تتعالى عليه ولا يتعالى عليك، فكما العقلانية، المساواة هي الاخرى شرط الحوار، من دونها يحسم من البدء لمصلحة الاقوى والمهيمن أو القادر على تهديد الآخر وتكفيره.
وأن تحاور الآخر يستلزم أن بينك وبينه همًّا مشتركاً او أفقًا واحداً تتطلعان نحوه، وأنكما تحتكمان الى قيم إنسانية كونية واحدة، فلا حوار مع الاعتقاد بنسبية القيم وانتفاء طابعها العام والكوني الموحّد للإنسانية جمعاء.
ولكي يكون الحوار ممكناً لا بد من الفصل بين ما هو ثابت وما هو متحول متبدل متطور، إذ لا حوار حول الإنتماء الديني او القومي، ولا حوار حول الهوية المعبرة عن وجود الانسان التاريخي. سنداً إلى هذه المبادىء الاساسية لمفهوم الحوار يمكن تفسير الاخفاق المتمادي لطاولات الحوار اللبنانية، فما كان يجري لم يكن يشكل حواراً حقيقياً بالمعنى الحداثي الذي حددناه بحيث يخرج المتحاورون من واقعهم الطائفي الى ما يتجاوزه ويتعداه، اي الى واقع المواطنة المتعالية على الطوائف والمذاهب، بل كان على عكس ذلك يعمل على إعادة انتاج الطائفية وتكريس الطوائف بوصفها الممثل الثابت والوحيد للبنانيين باعتبارهم رعايا لا مواطنين، وبالتالي إعادة إنتاج الوعي الطائفي بصورة وبأخرى، وليس انتاج علاقات مواطنية علمانية على أسس مبادىء حقوق الانسان.

حوارات عقيمة
كان كل من المتحاورين يحاور مدرعاً بوعيه الطائفي وتصوراته الماضوية، لا ليدفع باتجاه سلطة جديدة، لا هيمنة فيها لطائفة على اخرى، بل من أجل تحسين موقعه في السلطة وشدها الى فريقه من خلال اطاحة الستاتيكو القائم، باتجاه ستاتيكو آخر يمهد لنزاع اهلي جديد وحوارات اخرى عقيمة على شاكلة ما جرى منذ نظام القائمقاميتين الى اليوم. ولم يكن من المأمول أن يصل المتحاورون الى غير ذلك في ظل انقسام حاد حول الهوية وانتفاء الاتفاق على تصور موحد او متجانس على الأقل لدولة حديثة تقوم على تكافؤ الفرص لا على الولاء الطائفي، وكيف يصحّ أن نامل ذلك وبعضهم يحاور مجلبباً ببزته الطائفية؟
وأيّ معنى لحوار لا ينطلق من تصوّر واحد لانتماء لبنان القومي أو شكل اندراجه في محيطه، اذ منهم من يدين بالولاء لقومية لبنانية غنية عن التطلع الى أي أفق قومي آخر، ومنهم من يرى في لبنان جزءاً من وطن عربي يشكل البعد الديني مقوّمه الرئيس، ومنهم من يمد تطلعاته مدفوعاً بانتمائه المذهبي المتشدد ووجدانه الطائفي الحاد خارج العالم العربي وبعيداً من القضايا العربية؟
وأيّ معنى لحوار لا يأخذ في الحسبان حقوق المرأة ودونيتها عملياً وواقعياً، فيتصدى لقانون أحوال شخصية يتلاءم مع عالمنا المعاصر وتحولاته الثورية والانقلابية؟ وهل ثمة إجابات متقاربة ولو في الحد الادنى للاسئلة الاجتماعية والاقتصادية والانسانية؟ هل ثمة اعتراف حقيقي بالآخر الطائفي او الطبقي او الايديولوجي؟ هل ثمة موقف واحد من الصهيونية؟ بعضهم يرى فيها تهديداً للوجود والهوية وبعضهم يقول بإمكانية التعايش معها دونما خوف او وجل؟
أسئلة وتساؤلات لا جدوى من أي حوار من دون مقاربتها من الجذور كي لا تبقى المحصلة مواثيق شرف باهتة ومن دون معنى، فيما النتيجة الفعلية والواقعية بقاؤنا أسرى القرون الوسطى وعقلها المتخلف جنباً الى جنب مع حواراتنا العقيمة واللامجدية.
نبض