"يوم الأحد الواقع فيه صمتي"، هو عنوان القصيدة الأولى في ديوانه البديع "النازلون على الريح" (دار الآداب، 2013). نقرأها اليوم بعين أخرى. نستعيدها ببعدها العرفانيّ، أو التنبئيّ، فكأنّ محمد علي شمس الدين كتبها في رثاء نفسه.
"ماذا بيدي؟/ ماذا أفعل؟ هل يومي بيدي؟ وغدي...؟/ (...)، سيّان أكنتُ النائمَ/ أم كنتُ الصاحي/ خذلتني الرؤيا، وصباحي/ أفلتَ من كفّ الليل"...
لقد صمت الشاعر فجر هذا الأحد، وقد خذله صباحه فرحل عند مطلع الفجر، تاركاً خلفه نصف قرنٍ من الشعر، استهلّها في بداية عقده الثالث مع ديوان "قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا"، وانتهت مع "كرسي على الزبد" (2018).
تأثّر محمد علي شمس الدين، المولود في قرية "بيت ياحون" الحدودية، ببيئته الجنوبية وخلفيته الإسلامية، فامتازَ شعره بنَفَسٍ دينيّ- صوفيّ، وكتب قصائد عرفانية مثل "أناديك يا ملكي يا حبيبي"، و"يوميات الصمت". ثمّ بلغت هذه التجربة ذروتها مع ديوانه "شيرازيات"، الذي لعب فيه لعبة "القرين الشعري" عبر محاورة غزل حافظ الشيرازي. وليس عبثًا استخدام كلمة "لعبة" في شعر شمس الدين، هو الذي عشق التجريب والتنويع واللعب بين الصور والموضوعات والأنماط، إلى حدّ أنه اعتبر نفسه "شاعر الأقنعة".
ولا شكّ أنّ هذا الوصف هو تعبير دقيق جدًا لكونه يُلخّص قدرة الشاعر على الانتقال بين الأزمنة والأمكنة والأساطير والمرويات وبين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر وشعر التأمّل وشعر المنبر.
والأهمّ أنّ هذا القناع حضر أيضًا في حياته الشخصية، هو الموظّف في مهنةٍ إداريةٍ صباحًا (في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي)، والشاعر ليلاً، الغارق في داخله وعزلته وتأملاته.

في الشعر، عاش شمس الدين تجربته الأكثر استبطانًا. ومع أنّ "الغنائية" من أكثر الصفات ارتباطًا بشعره، ظلّت القصيدة التأملية شبه ثابتة في دواوينه. فجاءت تأملاته روحانية فلسفية ميترافيزيقية تارةً، وإنسانية حياتية يومية طورًا. ولعلّ مطلع قصيدته "مريم" تعكس نظرته التأملية حول كلّ ما يدور حوله، إن تعلّق الأمر بحبّة فاكهة أم بكونٍ فسيح. "كلّما جرّحتُ هذي البرتقالهْ/ تبتبسّمْ/ ربّما علّمها الحبّ وأعطاها جماله/ ربُّها أو طفلُ مريمْ/ كلّما أوغلتُ في البحر نأى الشاطئ عنّي".
ذاته المعاصرة ارتدت دومًا لبوس التاريخ والحضارة العربية القديمة، وهذا ما يتّضح في قصائد كثيرة عن "غرناطة" و"آسيا" و"زينب" و"ليلى" و"الحلاج" و"الغزالي" و"الشيرازي"...
وفي قصيدته الجميلة "وجه ليلى"، تماهى شمس الدين مع شخصية قيس، ليتبيّن لاحقاً أنه لم يحب ليلى بل شُبّه له، ناسفاً بذلك أسطورة أشهر عاشقين في التاريخ العربي: "علّقتُ على باب الدنيا قلبا مطعونْ/ وصلبتُ جناح الطير على جذع الزيتون/ ونقشتُ على عنقي سيفا/ وعلى هدبي سيفا مسنون/ وشنقتُ الشمس بأعتابي/ وصفعت قفا القمر المفتون/ لا قيس أحبَّ ولا ليلى/ عرفت وجها للمجنون».
وفي هذا التماهي، تتضّح مرّة أخرى فكرة الأقنعة التي ذكرناها أعلاه، والتي سمحت له في أن يكتب ضمن المسافة القائمة بين "الأنا" (الذات/ الآن/ الهنا)، وبين "الآخر" (الغير/ الأمس/ الهنالك).

النسق المكانيّ
ورغم انتسابه الى "شعراء الجنوب"، ظلّ الراحل شاعرًا متلونًا، حرَّا، وغير مقيّد بنمط عصره. وهذا الميل الى التفرّد هو جزء جوهري في شخصية الراحل.
محمد علي شمس الدين كان حريصًا على أناقة حضوره تمامًا كأناقة القصيدة.
تراه غالبًا مبتسمًا، متأنّقًا، لبقًا... يرتدي بدلته الرسمية فكأنه على موعدٍ مع شخصيةٍ عامّةٍ، أو مع حبيبةٍ متخيّلة.
لا يرتاد المقاهي كثيرًا مثل غيره من الشعراء والمثقفين، وإنما فضّل أن يعيش حالة الشعر في نفسه. قد يبدو معتدًّا بنفسه حين يُحدّثك عن ذاته، لكنّه هو الأبعد عن الغرور. ولعلّ الشباب من الشعراء والكتّاب هم الأكثر معرفةً بنقاء قلبه وتواضعه والعمل دومًا على مساندتهم، ومساعدتهم، عبر مقالٍ هنا، أو كلمة طيبة هناك.
اتخّذ الشاعر من الجنوب اللبناني نسقاً مكانياً مهمًا في قصائده، لكنّ المكان عنده لم ينحصر في هذه البقعة التي قدّسها واقعًا ورمزًا. بل امتدّ جغرافياً ليصل إلى "غرناطة"، فكتب عنها قصيدة من أروع أعماله.
تُرجمت قصائده إلى لغات أجنبية عدة، وكتب عن قصائده الكثير من النقاد العرب والغربيين، ومن بينهم المستشرق الإسباني بدرو مونتابيس حيث قال في كتيب عن منشورات المنارة 77 مدريد، مع ترجمة قصيدة "البحث عن غرناطة" للإسبانية:
"يبدو لي أن محمد علي شمس الدين هو الاسم الأكثر أهمية، والأكثر وعداً في آخر ما كتب من الشعر اللبناني الحديث، في هذا الشاعر شيء من المجازفة مكثف وصعب؛ لا سيما أنه عرضة لكل الإشراك. شيء ما يبعث على المجرد المطلق، المتحد الجوهر، اللاصق بالشعر في أثر شمس الدين، وقلة هم الشعراء الذين ينتصرون على مغامرة التخيل، ويتجاوزون إطار ما هو عام وعادي، وهؤلاء يعرفون أن مغامرتهم مجازفة كبرى، ولكنهم يتقدمون في طريقها".
وفي قصائده الأخيرة، اهتمّ الشاعر بحركة الزمن والتقدم في العمر واختبار الحياة عبر اختمار التجربة، فتحدّث عن الموت والعزلة والخوف والفقد. ومنها قصيدة جميلة كتبها قبل اقتحام وباء كورونا بسنواتٍ سبع، فكأنّه يستبق فكرة العزلة كوسيلة للحماية أو ربما الإنقاذ. فيقول: "غرقتُ مثل جبل الجليد في سكوتي/ فإن مررتَ بي/ فحيِّ وابتعد/" (ديوان "نازلون على الريح"، قصيدة "عُزلة").
محمد علي شمس الدين يرحل اليوم "أبعد من غيم أيلول"، وهي قصيدته الجميلة التي قال فيها: "الطيور تحلق مزهوة كالشعاع/ وتنشر بهجتها في سماء الجنوب/ على حافة الأفق/ أيلول حرّك/ فوق الشجر/ قليلًا من الورق الأصفر المتداعي/ سقطت من شعور القمر/ خصلة في تراب الحديقة/ ثم نام الذهب /على رسله في البلاد العتيقة...".
نبض