السّعودية شيمة الشّمري تقرأ الخطاب الأدبي الحديث... نقدياً
الخطاب الأدبي الحديث، في بعض تجلياته سرداً وشعراً، هو موضوع قراءة نقدية للأكاديمية السعودية شيمة محمد الشمري، في كتابها "قراءات في الخطاب الأدبي الحديث"، الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي، والنادي الأدبي الثقافي بالحدود الشمالية.
هذا هو الكتاب التاسع لصاحبته في سلسلة مؤلفات تتوزع ما بين القصة والشعر والنقد الأدبي.
تقوم فيه المؤلفة بتسليط الضوء على مجموعة قضايا نقدية تتعلق بالخطاب الأدبي الحديث، تستخدم فيه مناهج معيّنة في مقاربته، وتطبّقها على تجليات أدبية مختلفة، وتخرج بنتائج محددة. وبذلك، نكون إزاء مجموعة من القراءات المنهجية التي تجمع بين النظرية والتطبيق، وتقدم معرفة إضافية بهذا الخطاب، على تعدد تجلياته.
قضايا نقدية
في كتابها، تتناول الشمري مجموعة قضايا نقدية يثيرها الخطاب الأدبي الحديث، وترصد تمظهرات القضية الواحدة في أحد أنواع الخطاب، مستخدمة منهج قراءة يختلف من نوع إلى آخر.
وفي هذا السياق، تسلّط الضوء على استراتيجيات التجريب في القصة القصيرة عند القاصة الأردنية سامية العطعوط، مستخدمة منهج البنيوية التكوينية الذي يسقط التحولات الاجتماعية والسياسية على الظواهر الثقافية والأدبية.
وتعالج التكنيك الأسطوري في رواية "أبناء الأدهم" للروائي السعودي جبير المليحان، مستخدمة المنهج الوصفي التحليلي الذي يحلّل جماليات التوظيف الأسطوري في الرواية، وتتقصى البنية السردية في شعر الشاعرة الكويتية سعدية مفرح مستخدمة المنهج الوصفي التحليلي الذي يبيّن تأثير السرد في التشكيل الجمالي للنص الشعري، وتبحث في لانهائية التأويل في شعر الشاعر العماني حسن المطروشي، مستخدمة المنهج التأويلي السيميائي الذي يظهر المضمرات خلف العلامات اللغوية. وهكذا، نكون إزاء تعدد أجناسي، وتعدد منهجي، وآخر يتعلّق بجنسية الكاتب المقروء، في الكتاب نفسه.
تعدّد وتشابه
وعلى تعدّد الأنواع والمناهج والكتّاب، تعتمد الشمري هيكلية شبه موحدة في قراءاتها؛ تقوم غالباً على: مقدمة تمهيدية، خطة البحث، أهميته، أسئلته، منهجه، الدراسات السابقة فيه، مقاربة نظرية لموضوعه، إجراءات تطبيقية، وخاتمة.
وهذه العناصر تتواجد، كلّها أو جلّها، في القراءة الواحدة، وقد يختلف ترتيبها من قراءة إلى أخرى. وإذا كان بعضها ذا وظيفة تمهيدية وبعضها الآخر ذا وظيفة استنتاجية، فإن صلب البحث يكمن في القراءة بشقّيها: النظري والتطبيقي؛ ولا بد من الإشارة، في هذا السياق، إلى أن الباحثة تحيل على نقاد عرب وغربيين في الشق النظري، وتكثر من المقتبسات النصية منهم، ما يعكس سعة اطلاعها وتمكّنها من موضوع البحث من جهة، لكنه يجعل التراكم الكمي يطغى على التحليل النوعي، فلا يتم استثمار المقتبسات في عملية التحليل بالقدر الكافي من جهة ثانية.
وإذا كان الاقتباس أمراً مبرّراً في التنظير يغني النص النقدي، فإن اقتباس بعض الفقرات في التطبيق، وهي وضعت في الأصل لنصوص أخرى، وإسقاطها على النص موضوع القراءة يبدو أمراً مسهجناً وفي غير مكانه، ذلك أن التطبيق يفترض أن يكون وقفاً على الدارس ومهارته في قراءة النصوص استناداً إلى ثقافته وذائقته وخبرته القرائية.
القصة والرواية
يحتوي الكتاب على أربعة بحوث؛ اثنان منها للسرد، القصصي والروائي، واثنان للشعر. وبذلك، تراعي الدارسة، في الشكل، العدالة في التوزيع على النوعين اللذين يشكلان عماد الخطاب الأدبي الحديث.
أمّا في المضمون، فلا بد من مواكبتها في درسها النقدي لكل نوع ليبنى على الشيء مقتضاه، وهو ما يشكّل صلب هذه القراءة؛ ففي السرد القصصي، تدرس الشمري مصطلح التجريب وتمظهراته في خمس مجموعات قصصية للقاصة الأردنية سامية العطعوط التي تعتبر من رائدات القصة القصيرة في الأردن. وهي، بعد تحديد الملامح العامة للمصطلح الذي تتناول ماهيته ومحدداته وسماته ومرتكزاته وخط سيره ووظيفته، تخلص إلى أنه "لون من الإبداع الذي يحاول أن يفتح لنفسه طريقاً جديداً" (ص 18).
تنتقل إلى الكلام على استراتيجيات التجريب عند سامية العطعوط، وتحصرها بست استراتيجيات، هي: التداخل الأجناسي بين الشعر باعتباره عتبة نصية وجزءاً بنيوياً من القصة والسرد الذي ينحو منحى هذيانياً في بعض القصص يعصى معه على التجنيس، الانزياح العجائبي الاستشرافي، السرد الشجري المتفرّع، مسرحة القصة، التناص التجريبي مع السرديتين الثراثية والغربية، والتشكيل اللغوي القائم على الإيجاز والتكثيف.
وتضرب أمثلة تطبيقية على هذه الاستراتيجيات، ما يضفي على الدراسة بعداً تعليمياً، على المستوى التطبيقي، يضاف إلى بعدها المعرفي، على المستوى النظري. وفي السرد الروائي، تدرس الشمري التكنيك الأسطوري ومضمراته في رواية "أبناء الأدهم" للروائي السعودي جبير المليحان.
تبرّر الكاتبة هذا الخيار بقلة استثمار الأسطورة في المنجز الروائي السعودي من جهة، وبالقيمة الفنية للرواية المختارة من جهة ثانية. وهي، بعد التعريف بالمصطلح، ترصد ملامح التكنيك الأسطورية في العتبات النصية والخطاب والحكاية والإنسان والمكان والحيوان واللغة والعالم المرجعي. وتضرب الأمثلة التطبيقية على هذه الملامح. وتخلص من ذلك كله إلى أن الرواية تنطلق من الأسطورة، وتشكّل انزياحاً عن المنجز الروائي السعودي، وتعيد إنتاج الأسطورة بتقنيات روائية، وتتخذ منها ذريعة للتعبير عن مضمرات نصية تتعلّق بالعالم المرجعي للرواية.
السرد والشعر
في الشعر، تدرس الشمري البنية السردية في شعر الكويتية سعدية مفرح. وتقوم، بعد التعريف ببعض المفاهيم ذات الصلة وتوضيح العلاقة بين الشعر والسرد، عبر رصد أنماط البنى السردية، المتشابهة والمتجاورة، في شعر مفرح.
وهي تفكك عناصر البنية السردية، من عناوين وحبكة ومكان وزمان، وتمثّل على وظائف هذه العناصر بمقتبسات شعرية. وتخلص إلى التأكيد على أدوار السرد، الجمالي والتواصلي والترتيبي، في العملية الإبداعية الشعرية.
وفي السياق نفسه، تدرس الناقدة انفتاح النص الشعري للشاعر العماني حسن المطروشي على تأويلات كثيرة. وهي، بعد التعريف بمصطلحي التأويل وانفتاح النصوص، ترصد تجليات هذين المصطلحين في: العنوان باعتباره علامة سيميائية، التناص العميق مع التراث، تشظي الذات والنص، والانزياح الذي يكسر الألفة ويعبر عن الغرابة. وتخلص، بنتيجة الرصد، إلى أن عالم المطروشي الشعري يقوم على الإضمار أكثر من الكشف، وينفتح على التراث ليعيد إنتاج الدلالة التراثية، ويعيد تشكيل المقولة التراثية، ويعكس تشظي الذات في العالم المعاصر، ويستخدم قولاً شعرياً حديثاً.
بناءً على ما تقدّم، إن قراءات شيمة الشمري في كتابها تعكس جهداً نقدياً كبيراً، وإلماماً جلياً بمناهج البحث الأدبي، وقدرة واضحة على استثمارها. غير أنها قد تخلط في نصها بين المصطلح والمفهوم. وقد تتكئ على المنجز التطبيقي للآخرين، فتسقط المستنبط من نص معين على نص آخر.
وقد تراكم المقتبسات في الشق النظري من البحوث، فيطغى التراكم الكمي على التحليل النوعي في بعضها. ومع ذلك، نحن إزاء نص نقدي رصين يكشف المضمرات، ويميط الألثمة عن وجوه النصوص المدروسة، فنراها على حقيقتها، وهذا هو عمل النقد.
نبض