07-08-2022 | 18:20

"ثأطة زُطَّت بماء"... حين تختزل اللغة وضعنا الراهن!

​ هذا العنوان لغته عربية لا فارسية ولا تركية، وسأعود إلى شرح المقصود في سياق المقالة. قد يتّهمني أشخاص باعتماد الغريب والموحش من الكلام في اللغة، فلا لوم ولا تثريب عليهم في هذا، لكنّ اللوم كل اللوم على تخلّيهم عن لغتهم، التي هي ثقافتهم وحضارتهم وهويتهم... التخلّي عن الثقافة، فضلًا عن التخلي عن الحضارة والهوية، يتبعه تخلٍّ عن آلة التفكير – العقل – وعن التفاعل الاجتماعي، بالتالي عن المشاعر الإنسانية وعن الأخلاق. وهذا ما يؤدّي إلى زوال الأمم واندثارها، وقد قال شوقي: إنمّا الأمـــم الأخــلاق ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
"ثأطة زُطَّت بماء"... حين تختزل اللغة وضعنا الراهن!
Smaller Bigger
 
 
هذا العنوان لغته عربية لا فارسية ولا تركية، وسأعود إلى شرح المقصود في سياق المقالة. قد يتّهمني أشخاص باعتماد الغريب والموحش من الكلام في اللغة، فلا لوم ولا تثريب عليهم في هذا، لكنّ اللوم كل اللوم على تخلّيهم عن لغتهم، التي هي ثقافتهم وحضارتهم وهويتهم...
 
التخلّي عن الثقافة، فضلًا عن التخلي عن الحضارة والهوية، يتبعه تخلٍّ عن آلة التفكير – العقل – وعن التفاعل الاجتماعي، بالتالي عن المشاعر الإنسانية وعن الأخلاق. وهذا ما يؤدّي إلى زوال الأمم واندثارها، وقد قال شوقي:
 
إنمّا الأمـــم الأخــلاق ما بقيت    فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا 
وقال:
صلاحُ أمرِك للأخلاق مرجعه    فقـوِّم النفس بالأخـلاق تستقِمِ 
وقال أيضًا:
إذا أُصيب القـومُ فـي أخـلاقهم    فـأقِـم عليهـم مـأتمًا وعـويـلا
 
من هنا، نرى ارتباط بقاء الأمم بأخلاقها، ولنا في لبنان بسياسييه وشعوبه – نعم شعوبه لا شعبه، حيث كل فئة – طائفة منه – تنتمي إلى دولة إلا إلى وطنها وتتعصّب لها وتدافع عنها وتتغنّى بأمجادها – أصدق مثل على وصوله إلى أسفل سافلين، حيث إنّ وجود هؤلاء فيه زادو الطين بلّة – وهذا هو تفسير "ثأطة زُطَّت بماء" – بأفعالهم المشينة من استغلال وخيانة وإساءة أمانة وسرقة ونصب واحتيال وكذب ومراوغة واحتكار وطمع. 
فاللبنانيون برعوا منذ القدم في التجارة، وتوّجوا براعتهم في الأزمات التي نعيشها اليوم، فتاجروا في كل شيء، في الضمير والعرض والشرف والمبادئ والقانون والأخلاق والمُثل... وبات القويّ يأكل منهم الضعيف، ويحلّل الحرام ويستبيح الحلال كاملًا، لأن الغاية تبرّر الوسيلة في عرفهم، فغايتهم المال ووسيلتهم السبل الملتوية للحصول عليه، مع العلم أنّ المال يجب أن يكون وسيلة لا غاية.
 
ففي تصرّفاتهم هذه، كانوا يزيدون الطين بلة، أي يزيدونها سوءًا بأفعالهم التي تخلو من الأخلاق وممّا يمتّ إليها بصِلة، وهذا التعبير لا يصلح في الصالح من الأفعال بل في الطالح منها كالفعل "حاشا" الذي لا يُستخدَم إلا للتنزيه، فلا نقول مثلًا نجح الجميع حاشا زيدًا، لأن الفعل نجح فعل محمود، بل نقول رسب الجميع حاشا زيدًا، وهكذا دواليك...
 
وإذا عدنا إلى التاريخ، وقرأنا تاريخ الأمم، بداياتها ونهاياتها، لرأينا أنّها قامت على الأخلاق وعمرت بها، وزالت بزوالها. ومن نافل القول أن ارتقاء أي مجتمع وازدهاره يجب أن يكونا من خلال أمور ثقافية عدة تشمل جميع شؤون الحياة وشجونها الاجتماعية والسياسية والبيئية...
 
إنّ ما يميّز الثقافة أنّها لا تخضع لأيّ عملية حسابية ولا تقوم على معادلة الربح المادي وخسارته، فكلّ شيء تعطي منه ينقص إلا الثقافة والعلم فإنهما يزدادان بمنحهما. فالثقافة جزء لا يتجزّأ من أيّ حضارة، فبها يُحفَظ التراث والعلوم والعادات والتقاليد والأعراف والفنون... فهي أساس تنمية المجتمعات وبقائها وارتقائها، ولا يُبنَى مستقبل إلا بها ولا يرتفع مستوى الناس الفكري أو العقلي أو العلمي أو التربوي أو الأدبي أو الاقتصادي أو الاجتماعي... إلا من خلالها.
 
وعَوْدًا على بدء، أنا لا أعتمد الغريب الموحش من الكلام، ولكني أهتمّ بلغتي التي تشكلّ ثقافتي وحضارتي وهويتي وتشكّلني أنا كإنسان... وأحبّ أن أطّلع على ما خفي منها وما اندثر، وإن كان غريبًا بعض الشيء، لأبنيَ شخصية الإنسان في داخلي الذي يعتزّ بثقافته ولغته. فاللغة بِنْتُ بيئتها تعبّر عنها وعن حاجاتها وهواجسها، وأنا ابن لهذه المرحلة ولهذا الجيل، ويجب أن أعتمد اللغة السهلة التي تنسجم مع البيئة التي أنتمي إليها، من غير إسفاف ولا ابتذال ولا انحدار بها.
 
لذا، إذا أردنا الحفاظ على أوطاننا، فعلينا بالثقافة، وعلينا تحديدًا بلغتنا العربية التي هي فنّ وجمال وهندسة أيضًا. ففي العام 2010، أثبت العلماء أن القراءة العربية تشغّل الجزءين من الدماغ، بينما تشغّل اللغة الإنكليزية جزءًا واحدًا فقط. من هنا، فإن اللغة العربية تطوّر الدماغ في شكل لا مثيل له. وكي نتخلّص من هذه الوصمة "ثأطة زُطَّت بماء"، لأنّها لا تقال إلّا في الأحمق الذي يزداد رفعةً، يجب أن نعود إلى رشدنا وإلى لغتنا وثقافتنا وقبل هذا كله إلى أخلاقنا.  
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي 10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
اسرائيليات 10/7/2026 10:54:00 PM
أعلن يحيئيل لايتر بدء تنفّس نجله نيريا من دون جهاز اصطناعي، بعد إصابته الخطرة في هجوم دهس الشهر الماضي، لكنه لم يستعد وعيه بالكامل.