آني إرنو... كتبت بذاكرتها فاستحقت "نوبل" عن جدارة
ماذا يعني فوز الفرنسية آني إرنو (1984) بجائزة نوبل للآداب؟ هل هو انتصارٌ للأدب النسائي؟ تكريسٌ للتفوّق الأوروبيّ؟ اعترافٌ بالرواية السير-ذاتية؟ أم انحياز للعدالة الاجتماعية؟ الجواب ببساطة: كلّ ذلك.
بعيدًا من "كليشيهات" بيان إعلان الفائز بـ"نوبل"، والذي شدّد هذه المرة على جرأة إرنو ورهافتها، لا بدّ أن نتوقف هنا عند أدبها، والعوامل التي خوّلتها أن تكون النوبلية الفرنسية الـ16 بعد باتريك موديانو ولوكليزيو وسارتر وكامو وأندريه جيد وفرنسوا مورياك... والمرأة السابعة عشرة ضمن لائحة الفائزات بنوبل منذ العام 1901.
وقبل التوغّل في الأسباب الأدبية البحتة، لا بدّ أن نلتفت الى عاملين خارجيين يتعلّقان بلجنة نوبل نفسها. أوّلهما جوهريّ، والثاني جندريّ.
خلال السنوات الأخيرة، شكّلت الأسماء الفائزة "مفاجآت" غير متوقعة، بحيث فاز كتّاب محدودو الشهرة قياسًا مع مرشحين ثابتين و"معروفين" عالميًا. هكذا ذهبت الجائزة الى الشاعرة الأميركية لويز غلوك والروائي البريطاني من أصل تنزاني عبد الرزاق غرنة والمغني الأميركي بوب ديلان بدلاً من ميلان كونديرا وهاروكي موراكامي وفيليب روث (توفيّ في 2018 قبل أن يفوز بها).
ولا ننسى أنّ الأكاديمية السويدية تعرضت لانتقادات كثيرة عقب وفاة الأميركي فيليب روث، أحد أبرز الحاضرين في الرهانات النوبلية الماضية. وقد أثار رحيله سؤالًا أساسيًا: هل القيمة الأدبية تتعارض فعلاً مع مفهوم "النجومية"؟
وفي هذا السياق، يأتي فوز إرنو، بحضورها اللامع، منسجمًا مع دور الجائزة في تكريم الأدب الجيّد، بعيدًا من تُهمة "الحسابات الغامضة"، الملتصقة بها دومًا.
والعامل الثاني يتعلّق بـ"فضيحة التحرّش" التي طاولت أكاديمية نوبل، ما أدى الى تغييب جائزة نوبل للآداب في العام 2018، وارتفاع الأصوات النسوية ضدّها. ومنذ ذلك الحين، فازت بها ثلاث نساء مقابل رجل واحد: البولندية أولغا توكارتشوك والأميركية لويز غلوك، واليوم آني إرنو.
لا شكّ أن مثل هذه التحليلات ليست قطعية، لأن "حسابات" نوبل تبقى - مهما حاولنا - خارج التوقّع والتحليل. يكفي أن نراقب هوية الفائزين عبر كلّ هذه السنوات لنتأكّد أنّ مسألة "التيقّن" هي مجرّد فكرة واهية، ولا سيما في فرع "الآداب".

ولكن إذا توقفنا عند آني إرنو تحديدًا، لا بد أن نسأل: ما الذي جعلها واحدة من أهمّ الكاتبات المعاصرات؟ ما الذي صَنَع نجاحها على مدار نصف قرن؟ ماذا أضافت مؤلفاتها إلى الأدب الفرنسي الغنيّ بكلّ هذه الأسماء العظيمة؟
هذه الأسئلة وغيرها لن تُربك قارئ آني إرنو. فالجواب هنا محسوم: "فرادتها". آني إرنو جاءت في العام 1974، كاتبةً شابةً وجميلةً، لتنسف- برقّة ورقيّ - الكثير من الثوابت الأدبية والقواعد الأسلوبية، عبر إعلانٍ صارخٍ وصريح: "نعم. السيرة الذاتية رواية. والواقع أكثر إبداعًا من التخييل!".
هكذا، ارتبطت كتابتها، منذ البداية، بشعورٍ عميق أنها امرأة منفية، أو مغتربة، من الداخل. ولهذا، ظلّ أدبها غارقاً في "ذاتيته"، لتأخذ الكتابة عندها معنى "السقوط" (السقوط الى الداخل) وهو عكس "الارتقاء" الذي يتغنّى به الآخرون.

بدأت صاحبة "شغف بسيط" مسارها الأدبي عبر رواية أوتوبيوغرافية هي "خزائن فارغة" (1974)، وظلّت تكتب في هذا المُناخ، وإن اكتسب أدبها نضجًا أكبر مع الوقت.
ورغم "ذاتية" الروايات الأوتوبيوغرافية، تمكنت إرنو من تقديم أدبٍ اتسمّ بالحيادية والموضوعية، فلا تُضخّم "الأنا" لتبدو "أسطورةً" ولا "تُمَسكنُها" لتغدو "ضحيةً".
هكذا، صارت هي رائدة ما يعرف بالكتابة الحيادية أو "المسطحة"، التي تنقل الواقع كما هو. هذا ما وصفته إرنو بالعملية الأكثر تعقيدًا من التخييل. "عندما نتخيّل كلّ شيء يغدو مباحًا. تكتب ما يطرأ على رأسك. لكن كتابة الواقع أخطر. أن تستعيد الأحاسيس ذاتها، الرائحة، الطعم، الصورة، القلق... مفهوم "الخلق" في الكتابة هو أصدق وأصحّ في استعادة الواقع وليس في تخيّله... أن تعيش الحدث فهذا لا يجعل من كتابته مسألة سهلة، على الإطلاق".
ذاكرة إرنو الفردية سرعان ما تحولت الى ذاكرة جماعية. فالقلق الداخلي عندها لا ينفصل عن قلق اجتماعي، هي التي جمعت بين الأوتوبيوغرافيا والسوسيولوجيا حتى التصق هاجس كتابة الذات بهاجس العدالة الاجتماعية والمساواة الجندرية وغيرها.
وفي هذا الخيار، تكون إرنو قد ردّت على كل الادعاءات (الذكورية في مجملها) بدونية الأدب المستوحى من التجربة الشخصية، وهو المفضّل عند "الكاتبات" النساء، كما تشيع بعض الادعاءات النمطية. فقدّمت إرنو - عبر أكثر من عشرين عملاً- أدبًا لا يفصل الذات "الفردية" عن الذات "الجماعية". وظلّت في كل ما كتبته نصيرة للكائن "المسحوق" اجتماعيًا، فكتبت بلسان النساء والفقراء والأميين والمستضعفين.
ولم يكن هذا الخيار النضالي محصورًا في الأدب فحسب، بل ناضلت أيضًا ضدّ العنصرية والفوارق الاجتماعية، وهذا ما انعكس جليًا عند توقيعها مثلا عريضتين بين عامي 2018 و2019 للمطالبة بإلغاء مبادرة ثقافية بين فرنسا وإسرائيل، باعتبار أنها "واجهة" لتحسين صورة اسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني.

نقطتان أساسيتان شكلتا تحولاً محوريًا في حياة إرنو الأدبية. أولاً، في العام 1983، عقب صدور رواية "المكان" (حازت عنها جائزة رونودو الشهيرة)، التي كتبت فيها سيرة والدها بعد وفاته. وفيها استعادت حياة هذا الرجل الذي كافح من أجل تحسين ظروفه الاجتماعية، وأراد لابنته أن تحقق ما لم يحققه هو من العلم والشهادات والانخراط في المجتمع البرجوازي. فكان ما تمنى من دون أن يدري أنّ هذا التطور "الاجتماعي" سيرمي ابنته في غربةٍ عن محيطٍ لم تعد تتحدث لغته، ولا تفكّر بعقله.
والمعروف أنّ موت والدها زاد رغبتها في استخراج ذكرياتها، كأنّ الكتابة هو فهل "وجود" أمام عدمية الموت. وفي موازاة سيرة الأب، كتبت أيضًا سيرة الأم في رواية "المرأة". ولم تكن هذه السيرة تخليدًا لشخصية والدتها المكافحة فحسب، وإنما صرخة علنية في وجه مجتمع برجوازي "مثقف"، يقوم على أساس تفاوتٍ طبقيّ يسحق الضعفاء بلا رحمة.
أما التحول الآخر، فكان مع رواية "السنوات" (2008)، الذي أخرج اسم آني إرنو من إطاره الفرنسيّ والفرنكوفونيّ ليغدو اسمًا رنّانًا في الولايات المتحدة وفي العالم بأسره.
وكانت الأكاديمية السويدية اعتبرت هذه الرواية من "أكثر مشاريعها طموحاً، وهي التي منحتها شهرة دولية ومجموعة كبيرة من المتابعين وتلاميذ الأدب".
وبعد هذا النجاح الساحق، تُرجمت معظم أعمال إرنو الى اللغة الانكليزية لتغدو من ثمّ واحدة من أهم الكاتبات على قيد الحياة.
اثنتان من رواياتها تحولتا الى السينما. "شغف بسيط" مع المخرجة دانييل عربيد، ومن ثم "الحدث" (عن تجربة اجهاضها) لمخرجته أودريه ديوان. وقد ساهم الفيلمان في تكريس شهرة آرنو عالميًا وشعبيًا، هي التي قالت إنّ الصورة كالسحر تحوّل الكلمات الى كائنات من لحم ودم. ولكن، رغم اعترافها بأنّ سطوة الصورة أقوى من سطوة الكلمة، فإنّها تقول: "الصورة هي تخليد اللحظة. لكنّ الكلمة هي تخليد اللحظة، مع إضفاء المعنى اليها".
وهذا المعنى هو الذي بحثت عنه إرنو في كل ما كتبت، بمعزل عن نظريات الشكل والأسلوب.
نبض